الناصرة- “القدس العربي”:
فيما يتعرّض العالم في أجزاء واسعة منه لتأثير تسونامي ناجم عن هزة أرضية عنيفة في المحيط الهادئ، تواجه إسرائيل تسونامي خاصا بها من نوع آخر في ظل تصاعد الانتقادات لجرائم الاحتلال في القطاع والضفة أيضا وازدياد عدد الدول التي تنوي الاعتراف بفلسطين دولة مستقلة آخرها بريطانيا.
ولعدة أسباب منها النكران والتخبّط، تبدو إسرائيل محتارة حيال منابع تسونامي العالمي ضدها، وتتساءل أوساط فيها هل هي الحرب فعلا أم أسباب أعمق، أم “الحملة الفلسطينية الكاذبة”. فيما تركّز دراسة إسرائيلية على “الدور الخطير” للسفير الفلسطيني في لندن حسام زملط.
وكان رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر قد أعلن نيّة بلاده الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة في حال واصلت إسرئيل حربها على غزة. ورد عليه رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو بكيل التهم، بقوله إن لندن تقدّم هدية للإرهاب.
في المقابل، تحذر جهات دبلوماسية إسرائيلية من اتساع الظاهرة في العالم ومن انضمام دول أخرى للاعتراف بفلسطين في حال استمرت الحرب وقتل الفلسطينيين بالجوع والنار خاصة بعد كشف وزارة الصحة الفلسطينية أمس عن بلوغ عدد القتلى 60 ألف فلسطيني منذ بدء الحرب، يضاف لهم آلاف ما زالوا تحت الردم وبعد تأكيد الأمم المتحدة أن ربع الغزيين يجوعون يوميا.
بعد بريطانيا وفرنسا ومالطا، تبدو كندا وأستراليا وغيرها من الدول الغربية على طريق الاعتراف بفلسطين. بيد أن التسونامي الدبلوماسي في العالم ضد إسرائيل لا ينحصر بارتفاع الدول المعترفة بفلسطين (149 من بين 199 دولة) وهو يشمل محاصرة الإسرائيليين وملاحقتهم في أرجاء المعمورة وتعرض اليهود فيها لتوترات مع بيئتهم، وتحوّل إسرائيل لدولة منبوذة، وكذلك سقوط الرواية الصهيونية التاريخية التي عرضت إسرائيل كدولة ضحية “واحة للديموقراطية في الشرق” منارة و”فيلا داخل أدغال” وعرضت الفلسطينيين كإرهابيين وأشرار، علاوة على سقوط تهمة اللاسامية السلاح المستخدم منذ سنوات لإسكات الانتقادات الشرعية المستحقة ضدها.
بريطانيا التي وقفت خلف ولادة الدولة اليهودية من خلال وعد بلفور قبل قرن ونيّف، وتتحمل مسؤولية تاريخية عن ولادة هذا الصراع الكبير، تبدي اليوم موقفا غير مسبوق، ومهم معنويا وحيويا في المعركة على الوعي والرواية. “سنعترف بفلسطين في سبتمبر” قال رئيس حكومة بريطانيا في إشارة لموعد الاجتماعات السنوية التقليدية للأمم المتحدة في أيلول الوشيك. إعلان لندن وقبله إعلان باريس لا ينطوي على نتيجة عملية فورية ولا يعني بدء انسحاب الاحتلال من جنين والخليل غدا، ولكنه مهم معنويا ومهم بتوقيته وبهوية الدولة الواقفة خلفه.
أيلول ورقه أصفر، فيه يبلغ تساقط أوراق الرواية الصهيوينة/ الإسرائيلية ذروته وتزداد نموا وخضرة أوراق الرواية الفلسطينية في العالم وهي واحدة من أهم نتائج حرب الإبادة على غزة والتي تصنع من إسرائيل جنوب إفريقيا تاريخية ثانية.
وتحتار جهات إسرائيلية متنوعة عن سبب التغيرات في المواقف الغربية المعلنة من إسرائيل، وذهبت القناة 12 العبرية للقول إن هذا تأثير جيل الشباب في الغرب ودور الجاليات العربية والإسلامية، قوتها وضغوطها الانتخابية. وفيما واصل مراقبون إسرائيليون النكران والبحث عن اتهام العالم والتصرف كالنعامة، يقّر مراقبون آخرون بالحقيقة البسيطة بأن العالم يرى ما تنقله عدسات الكاميرا من صور دامية صادمة في غزة يصدّق نفسه ويستخف بالمزاعم الإسرائيلية.
رغم الانتقادات الخارجية والداخلية الكبيرة وموجات التسونامي المتتالية، تبدو حكومة الاحتلال في عناد غبي ووقح على طريقة “عنزة ولو طارت”، إذ تواصل التخطيط للانسحاب للأمام مع تهديد ووعيد بمخططات معلنة بتقطيع أوصال القطاع وضم مناطق وحصار على مراكز الغزيين، وفي الأثناء يعبّر الوزير المستوطن بتسلئيل سموتريتش عن شهوة الانتقام والتعطش للمزيد من الدّم الفلسطيني بقوله إنه مشتاق لقائد الجيش السابق هليفي ويتهم خليفته زامير بالضعف.
في عصر الثورة المعلوماتية والإعلام الاجتماعي الملتف على الإعلام التقليدي تتهم حكومة الاحتلال كل العالم بتبنّي “الرواية الكاذبة” لحماس والزعم أن صور الأطفال الجوعى ليست من غزة بل من اليمن، وإنها صور مزورة يفبركها الفلسطينيون بـ”الذكاء الاصطناعي” وغيره من المزاعم التي تنم عن حالة تخبّط وبلادة إحساس ووقاحة وغباء طبيعي.
وهذا ما يشي به كاريكاتير صحيفة “هآرتس” اليوم حيث يتضمن صورة طفل فلسطيني ملقى على الأرض وهو كالشبح بسبب الهزال الناجم عن التجويع، بصورة “جلد وعظم” وخلفه أمه مع طنجرة فارغة، وقبالتهما جندي إسرائيلي مدججّ بالسلاح يقول للطفل: “قم بلا تمثيليات”. وكذلك كاريكاتير صحيفة “يديعوت أحرونوت” وفيه تبدو إسرائيل مركبة تدور في دائرة مفرغة في مركزها غزة تحت عنوان ساخر: “تحتسب مسارها من جديد”.
علاوة على مفاعيل الواقع النازف على وعي العالم والتصريحات الإسرائيلية وتأثير الجاليات العربية والإسلامية واختلاف جيل الشباب وسطوة “السوشيال ميديا” يرى مركز أبحاث إسرائيلي أن السفير الفلسطيني في بريطانيا حسام زملط يلعب دورا مهما يتجاوز تأثيرة الرأي العام البريطاني ويطال دولا أخرى.
طبقا لورقة عمل مركز القدس للسياسات التطبيقية، فإن تأثير زملط في بريطانيا يتسع، وبات شخصية مركزية ترعى مسيرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وتقول”معاريف” إن زملط، ابن مخيّم رفح يجمع في شخصيته قدرة بيانية حادة، ويجند دبلوماسيين وله حضور إعلامي بارز. وتتابع الدراسة الإسرائيلية: “منذ عيّن سفيرا لمنظمة التحرير الفلسطينية في لندن عام 2018، يدير حسام زملط حملة إعلامية ذكية تظهر إسرائيل دولة أبرتهايد وسط تفعيل لضغوط سياسية من أجل الاعتراف بفلسطين دولة مستقلة.
وتذكر الدراسة أن زملط نشر مقال في صحيفة “الغارديان” في 13 يونيو/ حزيران المنصرم، دعا فيه للاعتراف بفلسطين معتبرا ذلك حقا طبيعيا وليس جائزة. وبعد أسابيع وقّع 221 نائبا بريطانيا مذكرّة رسمية طالبت وزير الخارجية البريطاني بالاعتراف بدولة فلسطينية- هذه خطوة وقف خلفها زملط، طبقا لمنشورات في منتديات التواصل الاجتماعي. وتنوه الدراسة الإسرائيلية أن زملط ليس وحيدا: “تشارك زملط القنصلية البريطانية في الشطر الشرقي من القدس المحتلة”.
وتنقل صحيفة “معاريف” العبرية اليوم الأربعاء عن ران يشاي، مدير عام سابق لوزارة القدس، ورئيس قسم الدراسات في المركز المذكور، قوله إنه فقط في إسرائيل يمكن أن يكون وضع كهذا فيه تعمل كينونة دبلوماسية أجنبية من خلال عاصمتها، القدس، من أجل مصادرتها لصالح دولة أخرى.
وتابع محرضا: “هذه حالة لا يمكن احتمالها وتحتاج معالجة فورية”، وتبعه موظفون آخرون في خارجية الاحتلال في توجيه الانتقادات للقنصلية البريطانية وللحكومة الإسرائيلية لسماحها لها بالعمل الدبلوماسي “الكيدي”. وبصرف النظر عن أهمية وحيوية كل واحد من العوامل خلف التسونامي الدبلوماسي ضد إسرائيل، يبقى السؤال: “إلى أي مدى يرسب كل ذلك في وعي العالم وكيف سينعكس عمليا على موقفه من إسرائيل ومن الصراع وحله في السنوات القادمة هل تعود منظومة المصالح وترجح على كفة القيم خاصة إذا ما استبدلت حكومة نتنياهو بحكومة جديدة بعد شهور وتكون مقبولة على الغرب؟ هل يبقى الفلسطينيون يراهنون على أخطاء وجرائم الآخر الإسرائيلي وهل ينهون نكبة الانقسام ويتحدون خلف قرار وطني يعتمد خطة يستثمر هذا التسونامي ويترجم هذه المكاسب الهامة والحالة المعنوية وللوعي لخطوات عملية تقرّب إنهاء الاحتلال؟