باحثان إسرائيليان: احتلال غزة وفرض الحكم العسكري “الخيار الأفضل” لمنع عودة “حماس”

حجم الخط
2

الناصرة – “القدس العربي”: رغم السقوط الأخلاقي والأضرار البالغة اللاحقة بإسرائيل، المتحولة يومياً أكثر فأكثر إلى دولة منبوذة في العالم، فإن بعض المراقبين والمسؤولين السابقين فيها يدعون للتصعيد واحتلال قطاع غزة بالكامل.

في مقال مشترك، يرى الباحثان في معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، كوبي ميخائيل (مسؤول سابق في الشاباك) ويوسي كوفرواسر (رئيس أسبق للاستخبارات العسكرية)، أن الاحتلال وفرض الحكم العسكري على كل القطاع هو الخيار الأفضل من بين عدة بدائل مطروحة. ويعللان رؤيتهما الدموية بالقول إن إسرائيل تخوض حرباً في قطاع غزة منذ نحو عامين، ورغم الأضرار الكبيرة التي ألحقتها بقدرات حركة “حماس”، فإنها لم تحقق أهداف الحرب بعد، إذ لا تزال “حماس” تمارس وظائفها، المدنية والعسكرية، كجهة مُسيطرة على أجزاء كبيرة من القطاع.

الصمود هو قيمة عليا ذات بُعد ديني يتجاوز البعد الوطني بالنسبة لقيادة “حماس”، التي تؤمن بأن مجرد بقائها كقوة مسلحة يمثل انتصاراً على إسرائيل

كما يقول الباحثان الإسرائيليان إنه، رغم أن هذه الأجزاء ليست واسعة جغرافياً، فإن أهميتها تنبع من رمزيتها، ومن كونها تمثل مراكز ثقل للتنظيم ومناطق مكتظة بالسكان. فعلى سبيل المثال، يسيطر التنظيم على مدينة غزة، وغربي خان يونس، والمخيمات الوسطى، ومنطقة المواصي، حيث يتركز نحو نصف سكان القطاع؛ علاوةً على ذلك، تسيطر “حماس” على معظم المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى شمال القطاع.

أما من الناحية العسكرية، فقد تأقلم التنظيم مع الواقع الجديد، ويعمل وفق نمط حرب العصابات، مع إعادة بناء جزئية لقدراته، وتجديد صفوفه بمقاتلين جدد من الشباب. ضمن هذه المسوّغات، يرى الباحثان الإسرائيليان، وكلاهما مسؤولان أمنيّان سابقان، أن هؤلاء الحمساويين غير مدرّبين بما فيه الكفاية، ويُستخدمون “كوقود بشري” في حرب العصابات ضد قوات الجيش الإسرائيلي التي تنجح في إيقاع خسائر بهم أحياناً، كذلك يُستخدمون في مهمات الشرطة وإنفاذ القانون في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم.

تدمير إسرائيل

وطبقاً لهما، تهدف جهود “حماس”، من أجل الحفاظ على هذه القدرات وإعادة بنائها، إلى إعادة تشكيل تهديد لإسرائيل، فالسعي لتدمير إسرائيل هو جوهر وجود التنظيم.

كذلك، لم تُفكّك القدرات المدنية للتنظيم، ففي شمال القطاع تواصل “حماس” فرض سيطرتها على السكان، بما في ذلك تنفيذ إعدامات بحق مشتبه فيهم بالتعاون مع إسرائيل، أو سرقة المساعدات الإنسانية. كما لا تزال تسيطر على الأنظمة البلدية (حتى لو كان ذلك من خلال لجان طوارئ بديلة من البلديات)، وتدير الاقتصاد المحلي، بما يشمل جباية الضرائب، وتحافظ على سيطرتها وتأثيرها في منشآت المساعدات الإنسانية والملاجئ، وخصوصاً تلك التابعة للأونروا التي يقيم بها النازحون.

ويتابعان: “أما في جنوب القطاع والمواصي، فتمارس “حماس” وظائفها في بعض المناطق، بينما تزعزعت سيطرتها في مناطق أخرى، وخصوصاً بسبب فقدان السيطرة على توزيع المساعدات ونشاط ميليشيات “أبو شباب”، التي تنشط بفضل سيطرة الجيش الإسرائيلي على مساحات كبيرة من المنطقة الممتدة بين خان يونس (محور موراغ) ورفح. تسعى “حماس” في هذه المناطق لتعطيل عمل مراكز توزيع الغذاء التابعة لمؤسسة غزة للمساعدات الإنسانية، من خلال “تهديد” المدنيين ومنعهم من الوصول إلى هذه المراكز، كذلك تحاول استهداف المبادرات المحلية المدعومة من إسرائيل”.

تحرير الأسرى

طبقاً لروايتهما أيضاً، لم تحقق إسرائيل بعد هدفها المتمثل في خلق ظروف تؤدي إلى تحرير جميع الأسرى. فعلى الرغم من النجاحات الإسرائيلية في استعادة جثامين أسرى مؤخراً، فإن “حماس” لا تزال تحتجز 20 أسيراً على قيد الحياة و30 جثماناً، وربما تجد إسرائيل صعوبة في الوصول إلى بعض الجثامين، سواء لأن جهات أخرى احتجزتها وقتلتها ودفنتها، أو لأن من دفن الجثامين قُتل، أو نظراً إلى التغيرات التي جرت في معالم المناطق بفعل الدمار الهائل، بطريقة لا تسمح بتحديد مواقع الدفن.

بلورة الوعي

كما يعتقدان أنه، في موازاة ذلك، تُواصل “حماس” جهودها في بلورة الوعي، سواء على الساحة الدولية، عبر وسائل الإعلام العالمية، أو داخل المجتمع الإسرائيلي. ووفقاً للنتائج، فإن إنجازاتها مثيرة للإعجاب، فالسردية التي تروّجها بشأن أعداد الضحايا من سكان غزة، والتي تصفهم بأنهم مدنيون جميعاً، واتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية وتجويع وجرائم حرب، تتجاهل دور “حماس” ومسؤوليتها عن اندلاع الحرب واستمرارها، مع التركيز على استخدامها المدنيين “كدروع بشرية”، واستخدامها أيضاً منشآت مدنية وإنسانية لأغراض عسكرية. هذه السردية تنتشر في وسائل الإعلام العالمية وعبر منظمات الإغاثة الدولية، وتتبناها قيادات سياسية، تدفعها ضغوط إعلامية ونخب فكرية وقواعدها السياسية، التي تتأثر بـ”التحالف الأخضر–الأحمر”، إلى التعبير عن مواقف شديدة الانتقاد لإسرائيل، إلى حد التهديد بالمقاطعة وفرض العقوبات.

وتتابع قيادة “حماس” في غزة وخارجها، عن كثب، النقاشات العامة في إسرائيل، والاحتجاجات ضد الحكومة، والضغوط المطالبة بإعادة الأسرى وإنهاء الحرب، فضلاً عن الأزمة السياسية المستمرة، وعدم الاستقرار في النظام السياسي الإسرائيلي.

ويمضيان في محاولة استشراف القادم: “علاوةً على ذلك، ترى “حماس” أن دافع رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، وإدارته إلى تحقيق إنجاز يتمثل بوقف الحرب وإطلاق سراح الأسرى، يشكل وسيلة ضغط محتملة على إسرائيل لإبداء مرونة والموافقة على تنازلات في المفاوضات. هذه الرؤية تقود قيادة التنظيم إلى التمسك بمواقفها في المفاوضات بشأن صفقة الأسرى، وفي النقاش المتعلق بمستقبل الحرب والقطاع، مع تعظيم الاستفادة من ورقة الأسرى التي بحوزتها. في المقابل، تصرّ إسرائيل على عدم إنهاء الحرب من دون استعادة جميع الأسرى، وتفكيك “حماس” كلياً، ككيان عسكري ومدني منظم، وتغيير الواقع الأمني في قطاع غزة، بحيث يُزال أي تهديد جوهري لإسرائيل، فضلاً عن الحفاظ على حرية عملها العملياتي لـ “جز العشب” متى اقتضت الحاجة، على غرار نموذج العمل المتبع في الضفة الغربية”.

الباحثان: من دون تفكيك “حماس” كسلطة حاكمة فعالة في القطاع، لن يكون من الممكن تشكيل واقع أمني محسّن، ولا البدء بعملية إعادة إعمار

يذكران بأن “الصمود” هو قيمة عليا ذات بُعد ديني يتجاوز البعد الوطني، بالنسبة إلى قيادة “حماس”، وتؤمن قيادة التنظيم بأن مجرد بقائه كقوة مسلحة رئيسية في غزة، حتى لو كان منهكاً ومصاباً، يمثل انتصاراً على إسرائيل، ويمكّنها من الزعم أن هجوم 7 أكتوبر كان خطوة مبرَّرة “دفعت قدماً برؤية تدمير إسرائيل” إلى مرحلة متقدمة، وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الإقليمي والدولي، وعطّلت مسار التطبيع بين إسرائيل والدول العربية. في نظر قيادة التنظيم، إن تبرير هجوم 7 أكتوبر، والبقاء كتنظيم مسلح في غزة، هما مبدآن وجوديان، من الصعب جداً التنازل عنهما. وإذا نجحت “حماس” في تحقيق ذلك، فستشعر بأنها حققت إنجازاً وانتصاراً، وهو ما سيشجع، ليس فقط “حماس” على إعادة بناء نفسها، بل سيساهم في تحفيز محور المقاومة بقيادة إيران بأسره.

معنى صورة الوضع في ضوء المصلحة الإسرائيلية

ويقولان إن السبيل إلى منع إعادة تعاظم قوة “حماس” هو تفكيكها الكامل، كجهة تسيطر فعلياً على قطاع غزة، أي ككيان عسكري وحكومي منظم.

ونشدد هنا على أن ما يُروّج من استعداد مزعوم لقيادة “حماس” للتنازل عن السيطرة المدنية على القطاع لمصلحة السلطة الفلسطينية أو لجنة تكنوقراط، ليس سوى تضليل، ما دام التنظيم يرفض نزع سلاحه. فما دامت “حماس” تواصل الاحتفاظ بقدراتها العسكرية، فإنها ستسعى بكل قوة، وبدعم إيراني، لإعادة تنظيم نفسها وتعزيز قوتها العسكرية من جديد…

ويقدمان مثالاً لتدعيم مزاعمهما: هناك مثال لذلك، اغتيال ستة من كبار قادة “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في 12 تموز/يوليو 2025، كانوا منخرطين في إعادة بناء قدرات عسكرية تتجاوز كثيراً المطلوب لحرب عصابات. هؤلاء الستة هم الحلقة الأحدث في سلسلة اغتيالات طالت شخصيات مماثلة خلال الشهر نفسه. إن التنظيم الذي يتجه نحو اتفاق لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، لا يبذل جهداً لإعادة بناء قدرات عسكرية كبيرة، وبالتالي، من المرجح أنه لا ينوي التخلي عن تلك القدرات لاحقاً. إن استمرار قيادة “حماس” في هذه الجهود، على الرغم من الحرب العنيفة والوجود المكثف للجيش الإسرائيلي، يكشف عن مستوى النشاط الذي سيقوم به التنظيم في حال غياب الحرب وانسحاب الجيش من القطاع.

جوهر تفكيك “حماس”

ويقولان إن التفكيك الكامل “لحماس”، كجهة حاكمة فعّالة، لا يعني القضاء على آخر قادة التنظيم أو عناصره أو تدمير آخر صاروخ بحوزته، ولا القضاء على أيديولوجية “حماس”، أو اقتلاعها من قلوب الفلسطينيين وعقولهم، إنما المقصود هو القضاء على قدرة “حماس” على العمل كجسم منظم، عسكرياً وإدارياً، بما يشمل منعها من فرض القانون والنظام، وتفعيل السلطات البلدية والهيئات الحكومية في غزة، والسيطرة على توزيع المساعدات الإنسانية، وجباية الضرائب، وإدارة الاقتصاد المحلي، حتى لو كان محدوداً، وبثّ الرعب والخوف في نفوس سكان القطاع وتوجيه سلوكهم اليومي.

أما من حيث القدرات العسكرية للتنظيم، فهو – برأيهما – لا يزال يمتلك في هذه المرحلة من الحرب هيكلين عسكريين رئيسيين، هما: لواء غزة ولواء خان يونس، اللذان، حتى لو أنهما لا يعملان بكفاءة كاملة، لا تزال قيادتا هذين اللواءين ناشطتين، وما زالت البنية العسكرية قائمة. ويبدو كأن “حماس” تنجح في تجنيد عدد كبير من الشبان وتزويدهم بالسلاح. كذلك، تنجح “حماس” في استعادة قدراتها الإنتاجية الذاتية، القائمة أساساً على استخدام بقايا قذائف إسرائيلية ومرافق إنتاج ونقاط معرفة لم تُدمّر بعد.

ويخلصان للقول: إن من دون تفكيك “حماس” كسلطة حاكمة فعالة في القطاع، حتى لو كانت ضعيفة، لن يكون بالإمكان نشوء بديل مدني من الحكم، ولا البدء بعملية إعادة إعمار حقيقية في المنطقة. كذلك، لن يكون من الممكن تشكيل واقع أمني محسّن في القطاع ومحيطه. ولهذا السبب، سيكون من الصعب إقناع سكان محيط غزة بإمكان العودة إلى منازلهم أو الاستمرار في العيش هناك بأمان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية