الشاعرة الأفرو ـ أمريكية مارغريت ووكر: كتبت من دون فصل بين عرق أو لون أو جنسية

د.سارة حامد حواس
حجم الخط
1

عندما يكبر الإنسان في بيئةٍ تؤمن بالأدب والفنون والإبداع، ليس إيماناً فقط بل جزءاً من تكوينها الثقافي والإنساني، حتماً ستكون النتيجة ولادة شخص لديه حس عال وذوق مختلف وشغف كبير بكل ما هو رفيع، فقراءة الشعر بصفة خاصة والأجناس الأدبية كلها بصفة عامة تسمو بالنَّفس وتعلو بها وتصقل العقل وتُنمي المُخيلة الإبداعية. هذا ما حدث مع الشاعرة والروائية والأكاديمية الأمريكية مارغريت ووكر التي ولدت في ولاية برمنغهام، ألاباما بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 1915 لأبٍ قسٍّ اسمه سيغسموند سي ووكر وأم تعمل معلمة موسيقى اسمها ماريوندوريز ووكر. كان والد مارغريت عالماً غرس في ابنته حب الشعر والأدب والكلاسيكيات والكتاب المقدَّس. أمَّا عن والدتها الموسيقية، فكانت تقرأ لها مختارات شعرية من شعراء وشاعرات كثيرين. وعندما كانت في الحادية عشرة من عمرها، اهتمت بقراءة الشاعر الأمريكي لانغستون هيوز (1901-1967) الذي كان واحداً من الشعراء الذين كان لهم أثر كبير في مسيرتها الشعرية.
تحدثت ماريما غراهام أستاذ الأدب الإنكليزي بجامعة كنساس ومؤسسة مركز أبحاث تاريخ الكتابة السوداء في كتابها ”البيت الذي تعيش فيه روحي: حياة مارغريت ووكر» عن نصيحة لانغستون هيوز إلى ووكر، وقالت: ”لم يكن هيوز يلقي باللوم على الأرض التي كان يراها ويتعلم عنها لأول مرة، بل كان يشارك إحساسه بما يجب أن يفعله الكاتب لينمو ويتطور. أعتقد هيوز أن تجاربه في كنساس وكليفلاند والمكسيك ونيويورك قد شكلته ككاتب». وقالت غراهام أيضاً عن نصيحة هيوز: ”كان نصحه لووكر نابعاً من القلب وصادقاً. هذا المنعطف في حياتها يخبرنا بالكثير عن الأهمية التي أولتها للتأثير الأدبي عندما بدأت بتحديد مكانتها في عالم الفن والجمال».
وفي عام 1932 حضرت ووكر قراءة لانغستون هيوز لشعره في محاضرة موسيقية بجامعة نيو أورلينز الذي شجعها بعد ذلك على الاستمرار في كتابة الشعر. وقد نُشرت أول قصيدة لها في مجلة Crisis عام 1934، وبعد أقل من عشر سنوات فازت أول مجموعة شعرية لها ”من أجل شَعْبي» بجائزة ييل للشعراء الشباب، وكانت ووكر أول امرأة سوداء تحصل على هذه الجائزة المرموقة. هذه المجموعة الشعرية هي مجموعة من القصائد السردية الطَّويلة التي قدمت شخصيات من المجتمع الأسود إلى الجمهور العام. وكانت القصائد مليئة بالصور الزاهية والشخصيات التي تتغلب على المصاعب التي تواجهها كأشخاص سود في الولايات المتحدة الأمريكية. وتُعدّ قصيدة ”من أجل شعبي” وهي القصيدة الرئيسة في المجموعة الشعرية وأكثر أعمال ووكر شهرة، وقد كُتبت خلال ذروة الكساد الكبير، عندما كانت محنة السود في الولايات المتحدة الأمريكية في أسوأ حالاتها. وفي مقال عن كاتبات سوداوات أشارت الكاتبة والنَّاقدة الأمريكية يوجينا كولير إلى أن ”ووكر، باستخدام لغة الناس البسطاء، تنسج قصصاً عن أبطال وبطلات شعبيين: أولئك الذين، رغم العقبات الهائلة التي تلاحق السود، لا يقتصرون فقط على البقاء بل يتغلبون عليها بأسلوب مميز».
وقال الكاتب والناقد الأمريكي باركسديل في كتاب ”دونالد بي غيبسون شعراء سود معاصرون: مجموعة من المقالات النقدية» إن القصيدة كُتبت في وقت كان فيه ”الألم والمعاناة والحزن محسوسا عالمياً، وكان من الصعب على الكثيرين فصل معاناة الرجل الأسود عن معاناة الإنسانية خلال سنوات الكساد أو سنوات الحرب، وأن القوة التي تقدمها القصيدة هي أمل تقدمه ووكر ليس فقط للسود، بل لكل البشر، لكل آدم وحواء”. وهذا بالفعل ما بدأت به كتابتي عن ووكر الملهمة حيث إنها دائما ما تؤكد في كل لقاءاتها على أنها تكتب للبشرية جميعها من دون فصل بين عرق أو لون أو جنسية، تكتب من أجل الإنسان.
بعد وقت قصير من ظهور هذه المجموعة الشعرية ”من أجل شعبي”، التي تضم أشعاراً مكتوبة بالأسلوب السردي والسوناتات والشعر الحر أقبل عليها عدد كبير من القُرَّاء مما دفع الناشرين إلى إصدار ثلاث طبعات لتلبية الطلب الشعبي. وفي الوقت نفسه الذي حصلت فيه هذه المجموعة على جائزة ييل، حصلت ووكر أيضاً على درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية، وأصبحت بعد ذلك أستاذاً للأدب في جامعة جاكسون، حيث درَّست معظم السنوات الثلاثين التالية.
نشرت ووكر روايتها التاريخية الوحيدة ”اليوبيل” التي حققت نجاحاً نقدياً وشعبياً كبيراً في عام 1966، وتحكي هذه الرواية عن قصة عائلة أمريكية أفريقية خلال الحرب الأهلية واستغرقت الرواية حوالي ثلاثين عاماً لكتابتها، وقالت ووكر في لقاء لها إن الفترة الطويلة التي استغرقتها الكتابة أسهمت في جودة الكتاب. كما قالت ووكر للناقدة والأكاديمية الأمريكية كلوديا تيت في كتاب ”كاتبات سود في العمل»: «كان العيش مع الكتاب لفترة طويلة أمراً مؤلماً. وعلى الرغم من ذلك، فإن ”يوبيل” نتاج شخص ناضج”، و”هناك فرق بين الكتابة عن شيء ما والعيش من خلاله، لقد فعلت كلا الأمرين’».
نشرت ووكر في عام 1970 مجموعة شعرية بعنوان ”أنبياء ليوم جديد»، حيث وضعت حركة الحقوق المدنية في قالب شعري، مستخدمةً الحكايات الشعبية الأفريقية من طفولتها وأسلوباً موسيقياً مُعبراً لإيصال رسالتها. أمَّا في عام 1973 فنشرت مجموعة شعرية أكثر شخصية بعنوان ”رحلة أكتوبر» كرَّمت فيها العديد من معاصريها الذين ناضلوا من أجل حقوق السود في الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد شهدت حياة ووكر فترة ركود وهي الفترة التي تزوجت فيها من فيرنست جيمس ألكسندر، لأن كل تركيزها كان منصباً على زوجها وأبنائها الأربعة، ولكنها واصلت مسيرتها حتى بلغت أوج النجاح حين صدور روايتها ”يوبيل” عام 1966، ولكن الزواج ورعاية الأطفال لم يكونا فقط السبب في هذا الركود بل أيضا بسبب انشغالها برفع دعوى قضائية ضد الكاتب الأمريكي أليكس هيلي لتضمين روايته ”الجذور: ملحمة عائلة أمريكية» عناصر من روايتها ”يوبيل”. وقالت غراهام أيضاً إن اليوبيل هو ”سجل عائلي. إنه قصة جدتها الكبرى التي حُولت إلى عمل خيالي”، ولهذا السبب كان مؤلماً لووكر أن تجد أجزاءً من سجلها العائلي الذي وثقته في روايتها ”يوبيل” في رواية هيلي. وقد خسرت ووكر الدعوة.
وقالت غراهام في كتابها أيضا إن ووكر تدهورت سمعتها في تلك الفترة وتفاقمت محنتها تلك حينما رفعت عائلة الشاعر الأمريكي ريتشارد رايت دعوى ضد ووكر بسبب انتهاك حقوق النشر إذ استخدمت مراسلاتهما الشخصية في سيرتها الذاتية ”ريتشارد رايت: عبقرية شيطانية».
والسبب الذي جعل ووكر تتراجع عن نشر روايتها ”جزيرة الأوز» هو أنه خلال عملها في مشروع الكُتَّاب الفيدرالي في شيكاغو وتطوعها مع النساء المعرّضات للخطر، كتبت ووكر الرواية التي تصور حياة امرأة سوداء شابة تعيش في الجانب الشمالي من شيكاغو خلال فترة الكساد العظيم وخلال هذا الوقت التقت الكاتب الأمريكي ريتشارد رايت وساعدته في عمله الأدبي الكلاسيكي ”الابن الأصلي».
وقالت أمينة أرشيف مركز مارغريت ووكر أنجيلا ستيوارت: سَمَحت له بقراءة مخطوطة «جزيرة الأوز» وقرأها، ويبدو أنه بعد ذلك مباشرة نشر رواية «الابن الأصلي». بالنسبة لها، شعرت أن الكثير مما تضمنته رواية «جزيرة الأوز» كان موجوداً في «الابن الأصلي”. وخوفاً من اعتقاد الناس أنها قد سرقت الفكرة من رايت، وضعت ووكر المخطوطة جانباً ولم تعد إليها مرة أُخرى ولكن بعد مرور سبعة وعشرين عاماً على وفاة ووكر، قُدر لعملها أن ينشر هذا العام 2025.
قصة غريبة استوقفتني وجعلتني أتأمل ذاتي ومن حولي، وتساؤلات كثيرة قفزت إلى عقلي، لماذا لم ترفع ووكر قضية ضد رايت بتهمة السرقة الأدبية كوسيلة للدفاع عن حقها، هل لأنها خسرت في محاولاتها الدفاع عن حقوقها ضد هيلي من قبل؟ أرى أنها كانت فرصة لها للثأر من عائلة رايت التي رفعت قضية عليها من قبل ولكنها لم تفعل. شخصية مُلهمة كهذه ذات ذكاء متقد وقلب عفي وروح شفيفة ظلت تدافع عن حقوق الإنسانية طوال حياتها، لا أتوقع منها أقل من هذا التسامح والرقي مع من أذاها من قبل، بل لعلها تعلمت دروساً في الحياة جاءت على هيئة صفعات قد أودت بسمعتها لفترة من فترات حياتها. تعلمت من هذه القصة الكثير وأثرت فيَّ كثيراً حتى جعلتني أفكر فيها كثيراً، وجعلتني أتدبر وأتامل الحياة بصورة أشمل وأكبر ولعل هذه القصة قد تلهم من يقرأونها لأنها بمكانة درس مجانيٍّ في الحياة. الحياة التي يمكن أن تكون كريمة معنا بعد مماتنا، وقد يأتي كرمها في هيئة ملاك كويليامز، يحيي جزءاً منا قد مات في حادثة ثقة.
استخدمت ووكر في قصائدها الأشكال الشعرية التقليدية مثل البالاد Ballad والسوناتة Sonnet، لكنها كانت تضفي حساً عصرياً لقصيدتها، باستخدامها مفردات بسيطة وحديثة قد تصل إلى كل فئات المجتمع، فهي كما ذكرت من قبل تكتب من أجل شعبها، لم تميز أبداً بين شخص وآخر، كما أنها آثرت استخدام اللغة البسيطة غير المعقدة لكي تنجح في إيصال رسالتها التي أرادت أن ترسلها إلى الشعب من خلال شِعْرها. كما أن تأثرها بجدتها لا يتضح فقط في روايتها ”يوبيل” بل في شعرها أيضاً مثل قصيدة ”سلالة ”Lineage التي ترجمتها لأوضح مدى تأثرها بجدتها، لأنها من أكثر الشخصيات التي كانت لها أثر كبير في حياتها وتكوينها الثقافي والنفسي:
جِدَّاتي كُنَّ قَويَّاتٍ.
يَتْبَعنَ المَحَاريثَ ويَنحَنَينَ للكَدِّ.
يَتَحَرَّكنَ عبرَ الحُقُولِ يَنثُرنَ البُذُورَ.
يَلمسْنَ الأَرضِ فيَنمُو الزرعُ.
ومارغريت ووكر ليست شاعرة وروائية عادية، بل أراها مدرسة شعرية وإنسانية مستقلة، لُقِّنت من خلال مسيرة حياتها دروساً في الحياة تفيد جيلنا والأجيال القادمة، ربما كان ذلك سببا لاختياري أن أترجم قصائد لها وأن أكتب عنها وعن سيرتها الحياتية والشعرية وأردت أن أوصل رسالة بأن البساطة في الكتابة تكسب، وأن الشاعر ليس عليه أن يكون صاحب أسلوب معقد ليكسب محبة النقاد والناس معا، وأن الكتابة تمنح نفسها لمن يمنح روحه لها ولمن يعبر ببساطة من دون تعقيدات أو معاظلة في المعاني والتراكيب والصور.
وهي صاحبة الرأي في أن «على الكُتَّاب ألَّا يَكتبوا حصرياً لجمهورٍ أسود أو أبيض، بل يجب أن يكتبوا بأكبر قدر من الشمولية. ففي النهاية، من صميم عمل جميع الكُتَّاب أن يكتبوا عن الحالة الإنسانية، ويجب أن تكون البشرية كلها جزءاً من الكتابة والقراءة».
توفيت مارغريت ووكر في عام 1998 بمنزل ابنتها إثر إصابتها بمرض السرطان تاركة إرثاً وأثراً أدبياً يفخر به الأدب الأمريكي. وبرغم أن إمكانيتها الإبداعية والأدبية قد تسمح لها بترك إرث أكبر من ذلك فإنها استطاعت أن تترك بصمة إبداعية في الوسط الثقافي الشعري والروائي، وربما قد نستفيد من هذه التجربة أن العبرة ليست بكمّ الكتب ولكن بجودتها والأثر التي تتركه بعد ذلك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية