تظهر مؤشرات الأداء الاقتصادي الأمريكي في النصف الأول من العام الحالي أن متوسط معدل التعريفة الجمركية الفعلي على الواردات الأمريكية ارتفع بسبب حرب ترامب التجارية بنحو تسع نقاط مئوية، ومن المتوقع أن يرتفع بحوالي 14 نقطة مئوية بحلول نهاية العام، وفقًا لدراسة أعدها جان هاتزيوس، كبير الاقتصاديين في غولدمان ساكس. ويشير هاتزيوس، الذي يرى أن تأثير التعريفة الجمركية على التضخم مؤقت (لمرة واحدة فقط)، على غرار ضريبة القيمة المضافة، أن التأثير على التضخم ظل تدريجيا حتى الآن. وفي الوقت نفسه، فإن نمو الاقتصاد الأمريكي تباطأ، حيث بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي حوالي 1.2 في المئة في النصف الأول من العام. ويتوقع هاتزيوس أن ينتهي النمو للعام بأكمله عند حوالي 1.5 في المئة، أي ما يقرب من نصف معدل النمو المحقق في العام الماضي الذي بلغ 2.8 في المئة.
ويقول: «يبدو أن النمو قد تباطأ بشكل كبير، ويعود ذلك جزئيًا إلى التعريفات الجمركية». وإذا أضفنا إلى ذلك تأثير معدل التضخم الذي ارتفع إلى 2.7 في المئة في نهاية الشهر الماضي بزيادة 0.35 نقطة مئوية عن الشهر السابق، فإن نسبة العجز المالي الداخلي من المتوقع أن تتسع نتيجة انخفاض الإيرادات الضريبية وتراجع قيمة الإنفاق الاستهلاكي. هذه الصورة تزيح الستار عن الأسباب الخفية لحرب ترامب على جيروم باول رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. الحرب بين الرجلين لها جذور عميقة تمتد إلى فترة حكم ترامب الأولى، وتتضمن رغبة باول في فرض القدر اللازم من الإنضباط المالي على الإدارة حتى لا يتـــكرر الإخـــفـــاق الاقتصادي الذي تعرضت له الــــولايــــات المتحدة خلال الفترة الرئاســـية الأولى للرئيس ترامب 2017- 2020.
التسيب و العجز المالي
خلال فترة حكم ترامب الأولى قفز الإنفاق العام إلى 30.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين كانت الإيرادات العامة في حدود 16.1 في المئة من الناتج حسب بيانات لجنة الميزانية في الكونغرس، وبذلك فإن الخلل الهيكلي في الميزانية إتسع إلى 14.7 في المئة من الناتج مقارنة بنسبة بلغت 3.2 في المئة من الناتج في نهاية حكم الرئيس الأسبق باراك أوباما. ففي السنة السابقة لانتقال الحكم إلى ترامب 2016 كان الإنفاق العام يعادل 20.7 في المئة من الناتج والإيرادات حوالي 17.5 في المئة. وتظهر البيانات التحليلية أن فترة حكم ترامب سجلت مستوى منخفضا جدا من الانضباط المالي، الأمر الذي أسفر عن تعقيد المشهد المالي في نهاية فترته الرئاسية، وكان من نتائج ذلك أنه أخفق في الحصول على فترة تالية. وتشير التقديرات الحالية للجنة الميزانية في الكونغرس أن الإنفاق العام سيصل في السنة المالية الحالية الى ما يعادل 23.3 في المئة من الناتج، مقابل إيرادات متوقعة تعادل 17.1 في المئة، وهو ما يعني أن عجز الميزانية سيكون في حدود 6.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وتعود حرب ترامب على باول، إلى عدد من الأسباب السياسية والاقتصادية التي عبّر عنها ترامب مراراً منذ فترة رئاسته الأولى، حيث يرغب في خفض أسعار الفائدة، معتقدا أن ذلك وحده سوف يدفع النمو الاقتصادي، خصوصا في فترات التباطؤ أو في ظل الحروب التجارية التي خاضها (مثل الحرب مع الصين). وتستند وجهة نظره على أن خفض الفائدة من شأنه أن يؤدي إلى تقليل تكلفة الاقتراض للمستهلكين والشركات، وتحفيز الاستثمار والإنفاق، ورفع أسعار الأسهم، وهو أمر يراه مقياسا لنجاح سياساته. ومن المعروف تقليديا أن أسعار الفائدة المنخفضة تسهم في رفع قيمة أسهم الشركات، ومن ثم زيادة ثروة حملة الأسهم في البورصة. كما يعتقد ترامب أن تخفيض أسعار الفائدة من شأنه أن يسهم في تخفيض أعباء الدين العائلي، ومن ثم إطلاق الإنفاق الاستهلاكي وخلق حالة رواج في السوق. كما أن من أهم المبررات التي يستند إليها ترامب أن تخفيض سعر الفائدة على الدولار من شأنه تخفيض عبء سداد فوائد الدين المستحق على الحكومة الفيدرالية، الذي يكلف الخزانة حوالي 2.6 مليار دولار يوميا لسداد الفوائد المستحقة عليه. ويوجه ترامب اتهامات قاسية إلى رئيس مجلس محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لأنه لا يستجيب لنداءاته، ما يتسبب في ارتفاع أسعار الصادرات الأمريكية، وإعاقة فرص النمو، والإضرار بمصالح الولايات المتحدة في الخارج، كما يردد. الحقيقة هي أن قرار تحديد سعر الفائدة على الدولار لا يتخذه جيروم باول وحده، وإنما تتجلى مسؤولية باول في قيادة المناقشة داخل لجنة السوق المفتوحة المختصة بالسياسة النقدية. ويتم اتخاذ القرار بأغلبية أعضاء لجنة السوق المفتوحة التي تضم 12 عضوا. ما يريده ترامب هو مصادرة استقلالية البنك المركزي الأمريكي، وتحويله إلى مجرد ذراع للسلطة التنفيذية والسياسيين، لتحقيق طموحاتهم بصرف النظر عن المصالح الاقتصادية الطويلة المدى للبلاد. وكان جيروم باول، قد تولى مهام منصبه عام 2018 أثناء رئاسة ترامب الأولى بترشيح من ترامب نفسه، وتم تجديد تعيينه لفترة ثانية في عام 2022 أثناء رئاسة جوزيف بايدن، وتنتهي رئاسته للاحتياطي الفيدرالي في منتصف أيار/مايو 2026. وردا على الضغوط التي يمارسها ترامب صرّح باول مرارا بأنه لن يترك منصبه قبل نهاية مدته القانونية، متحديا الرئيس الأمريكي الذي يرى في رحيله ضرورة لإصلاح السياسة النقدية الأمريكية، وتخفيض عبء مدفوعات فوائد الدين العام بتخفيض أسعار الفائدة على الدولار. ومن المعتقد أن ترامب يريد تخفيض أسعار الفائدة للتوسع في الاقتراض وزيادة الإنفاق العام، الأمر الذي يعيد تكرار ظاهرة التسيب المالي خلال فترة رئاسته الأولى.
أسعار الفائدة ودورة التيسير النقدي
ترتبط سياسة أسعار الفائدة بقراءة دقيقة للحالة المالية والنقدية وآفاق النمو الاقتصادي. ومن ثم فإن قرار رفعها أو تخفيضها لا يخضع لاعتبارات سياسية، مثل زيادة شعبية الرئيس أو الحكومة. وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد بدأ في أيلول/سبتمبر 2024 سياسة جريئة للتيسير النقدي بتخفيض سعر الفائدة على الدولار، بدلا من السياسة المتشددة التي استهدفت امتصاص الضغوط التضخمية القوية التي تمخضت عنها سياسات التوسع في الإنفاق الحكومي لعلاج آثار جائحة كورونا خلال العامين السابقين. وخلال فترة مكافحة تداعيات كورونا قفزت معدلات التضخم في العالم كله إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيا، أو على الأقل إلى مستويات لم تشهدها أسواق الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة خلال الأربعين عاما السابقة. ومن ثم فقد تمسكت البنوك المركزية بسياسة «التشدد النقدي» لامتصاص الضغوط التضخمية. وبعد أن استقرت معدلات التضخم نسبيا عادت البنوك المركزية إلى ممارسة دورها المتعارف عليه منذ ثمانينات القرن الماضي، الذي يحصر وظيفتها في العمل على تحقيق هدفين: الأول هو تجنب خطر اندفاع التضخم خارج نطاق السيطرة، وهو ما يستلزم بقاء المعدل السنوي للتضخم في حدود 2 في المئة. الهدف الثاني هو العمل على تحقيق التشغيل الكامل، والحد من البطالة، وهو هدف يتطلب تحقيق مستوى تشغيل في سوق العمل يصل إلى 95 في المئة.
وجدير بالذكر أن سياسة التيسير النقدي لم تكن قد حققت أهدافها بالكامل قبيل بدء الفترة الرئاسية الجديدة للرئيس ترامب، الذي أدت تصريحاته عن رفع الرسوم الجمركية إلى حالة من القلق خشية عودة التضخم، وحالة من عدم اليقين بشأن مدى استقرار السياسات الاقتصادية بعد توليه السلطة. ومن ثم فإن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قرر التحول من سياسة «التيسير النقدي» إلى ما يمكن أن نطلق عليه سياسة «الحذر النقدي»، وهي سياسة تم بمقتضاها وقف سلسلة تخفيضات أسعار الفائدة على الدولار التي كانت قد بدأت في ايلول/سبتمبر الماضي، ومراقبة سياسات وآثار الحرب التجارية عن كثب، وتقدير تأثيرها على الأداء الاقتصادي خصوصا على معدلات النمو والتضخم وحالة سوق العمل. هذا التحول من سياسة «التيسير» إلى سياسة «الحذر» أغضب ترامب غضبا شديدا، فشن هجوما قاسيا على جيروم باول، وهدد بإقالته قبل أن تنتهي مدة رئاسته لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، ثم وصل الأمر أخيرا إلى تحويل باول للتحقيق بتهمة إساءة إدارة ميزانية مجلس الاحتياطي الفيدرالي التي تتضمن حوالي 2.5 مليار مخصصة لتجديد مبنى المجلس. وتثير إحالة باول للتحقيق في هذه القضية شكوكا كثيرة حول مدى استقلالية البنك المركزي الأمريكي، وتترك انطباعا بأن الرئيس بإمكانه محاولة إلصاق اتهامات ملفقة بمن يخالفه في مجلس الاحتياطي الفيدرالي للتخلص منه، وهو ما يدمر استقلالية المجلس.
حدود استقلالية الفيدرالي الأمريكي
لا ينص الدستور الأمريكي صراحة على وجود بنك مركزي ولا على استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» بل إن إنشاء البنك المركزي الأمريكي واستقلاله هما نتيجتان تشريعيتان وسياسيتان، وليستا نصا دستوريا. ويمنح الدستور الأمريكي (الفقرة الثامنة من المادة الأولى) سلطة تنظيم العملة والائتمان إلى الكونغرس (السلطة التشريعية). ومن ثم فإن السلطة النقدية هي بيد الكونغرس دستوريا، لكنه بعد ذلك فوضها إلى البنك المركزي، بموجب «قانون الاحتياطي الفيدرالي عام 1913. كما فوض الكونغرس سلطات أخرى إلى الرئيس مثل سلطة فرض التعريفات الجمركية. وعلى الرغم من أن استقلالية البنك المركزي الأمريكي تطورت مع الزمن، إلا أن سلطات الرئيس الممنوحة له بمقتضى الدستور جعلت سياسات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عُرضة لضغوط تهدد استقلال سياساته، خصوصا وأن قانون الاحتياطي الفيدرالي قابل للتعديل بواسطة الكونغرس. وقد حدث بالفعل أن تدخلت السلطة التنفيذية (البيت الأبيض والخزانة على وجه الخصوص) في سياسات البنك أكثر من مرة منذ النصف الثاني من القرن الماضي. ففي عام 1951 حاول الرئيس هاري ترومان الضغط على الفيدرالي لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة. كما حاول الرئيس ليندون جونسون التأثير على سياسة الفيدرالي أثناء حرب فيتنام. وفي سبعينات القرن الماضي ترددت اتهامات ضد الرئيس ريتشارد نيكسون بأنه حاول الضغط على مجلس الاحتياطي الفيدرالي لإبقاء الفائدة منخفضة، قبل انتخابات 1972، الأمر الذي كان أحد العوامل التي أسهمت عمليا في حدوث موجة تضخم كبيرة. كما أن ترامب نفسه سبق وأن مارس ضغوطا قوية على باول لتخفيض أسعار الفائدة خلال فترة رئاسته الأولى.
وتتضمن انتقادات ترامب الحالية إلى جيروم باول أنه يخالف اتجاهات البنوك المركزية الأخرى في الدول الصناعية الغربية مثل البنك المركزي الأوروبي وبنك انكلترا وبنك اليابان التي تتبنى سياسات نقدية أكثر تساهلاً حتى وصلت إلى فائدة صفرية أو سالبة، بينما الفيدرالي الأمريكي يُبقيها مرتفعة نسبيا. ويعتبر ترامب أن ذلك يُضعف القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية. واتهمه بأنه يجعل «الدولار قويًا أكثر من اللازم» ما يضر بالصادرات الأمريكية. وينطلق ترامب في هذه الاتهامات من رؤية لا تحترم استقلالية البنك المركزي التي قررها القانون. ولم يكتف بتوجيه اتهامات إلى باول بل انه تعمد إهانته شخصيا ومهنيا، فوصفه بأنه «فاشل»، وأنه «أبله لا يعي ما يقول» وانه «أكبر تهديد للاقتصاد الأمريكي»، وقال عنه أنه «لا يعرف ما يفعله»، بل أعلن ندمه على تعيينه. وهناك اختلاف جذري في النظرة للسياسة النقدية بين الرجلين في الوقت الحاضر، حيث يرى ترامب يرى أن أسعار الفائدة المرتفعة بين 4.25‑4.50 في المئة حاليا تضر بالاقتصاد، ويطالب بخفضها بمقدار 3 نقاط مئوية أي 300 نقطة أساس على الأقل لتصل إلى 1 في المئة فقط. وعلى العكس من ذلك يتمسك جيروم باول بسياسة أكثر حذرا بسبب المخاوف من انفجار التضخم وضياع المكاسب التي كانت قد تحققت في مكافحته في العام الماضي. وبسبب صلابة موقف باول في مواجهة ترامب فإن الرئيس يهدده بأنه سيفقد منصبه في آذار/مارس القادم وليس في الموعد المقرر في أيار/مايو. وربما كانت إحالة باول للتحقيق في إساءة استخدام أموال ميزانية تجديد مبنى الفيدرالي الأمريكي خطوة على الطريق إلى إقالته بفضيحة تمثل اغتيالا معنويا له في نطاق مجتمعه المهني.
ردود فعل دولية سلبية
الخطر الأول الذي يهدد النظام النقدي الأمريكي في حال عزل باول هو إنهاء الثقة في استقلالية السياسة النقدية عن السلطة التنفيذية، وتقنين ظاهرة تسييس الدولار إلى أبعد مدى، ما يهدد الثقة في العملة الأمريكية، كما أنه يعزز الاتجاه العالمي المتزايد بإيجاد بدائل للدولار من أجل الحفاظ على سلامة النظام النقدي العالمي. وتمتد تداعيات انهيار الثقة في الدولار إلى الأداء اليومي للأسواق المالية العالمية، كما تمتد إلى تدهور المؤشرات الاقتصادية الكلية، حيث يمكن أن يسفر انهيار الثقة عن ارتفاع تكلفة تمويل الأنشطة الاقتصادية، وارتفاع معدل التضخم، والعجز عن توفير شروط الاستقرار واليقين للتخطيط من أجل المستقبل. وظهرت فقاعات عدم الاستقرار على سطح مؤشرات أداء الأسواق العالمية بعد أن اتسع نطاق الخلاف بين ترامب وباول. وفي سياق ردود الفعل الدولية لحرب ترامب على باول فإن القوى الاقتصادية الكبرى، الاتحاد الأوروبي، الصين، اليابان، تراقب عن كثب أي تصعيد بين السلطة السياسية والنقدية في واشنطن. ونلاحظ في الوقت الحاضر أن من ضمن تداعيات تلك الحرب تعزيز الحجة لصالح إقامة «نظام نقدي عالمي متعدد الأقطاب» بدلا من الاستمرار في الاعتماد على هيمنة الدولار الأمريكي ومؤسساته. ومن الضروري أن ندرك أن هذه الحرب أكبر من مجرد خلاف على تحديد سعر الفائدة على الدولار، وأنها تضع على المحك قوة واستقرار مؤسسات صنع السياسة الاقتصادية، وما إذا كانت قرارات هذه المؤسسات تخضع لاعتبارات المصلحة الاقتصادية العامة، أم تخضع لأهواء ومصالح السياسيين.
وقد وصفت صحيفة «وول ستريت جورنال» حرب ترامب على باول بأنها «جنون» و«هراء»، محذرة من أن «محاولة تجريم الخلاف» قد تقوض مصداقية السياسة النقدية. كما حذرت صحيفة «فايننشال تايمز» من الحرب على الفيدرالي مؤكدة القول الشائع بين خبراء المال: «لا تقاتل الفيدرالي» مشددة على أن أي تدخل سياسي في البنك المركزي قد يؤدي إلى انهيار الأسواق، مستشهدة بأزمة تركيا من باب التحذير.