السوري مصطفى تاج الدين يوثق الإنسان والوطن في «مزهرية من مجزرة»

حجم الخط
1

القصة القصيرة جداً تجنيساً: مُحدَثٌ أدبي يعتمد الاختزالَ لغةً والتكثيف الدلالي (الحاد)، بمعنى أن القارئ يجد نفسه أمام قصة كاملة البناء من حيث الفكرة والصياغة ووجود الحدث، وبابتعاد عن (التمطيط) والفضفضة المجانية.
ومن الأسماء التي لقيت رواجاً وتداولاً، نظرا للقدرة على تطويع اللغة وتضمينها الرسالة التي أُريدَ لها الوصول، سنذكرُ مصطفى تاج الدين الموسى، بنتاجه الأدبي الثاني «مزهرية من مجزرة» بعد «قبو رطب لثلاثة رسامين»، وهي مجموعة من النصوص الأدبية التسجيلية، إن صح التعبير، صدرت ضمن سلسلة شهادات سورية عن دار «بيت المواطن للنشر والتوزيع»، بلغة واضحة مسترسلة وكلمات قليلة، يخترق مصطفى تاج الدين الموسى عقل وقلب قارئ يصاحبه في متعة اشتغالهِ، يحدث أن تسقط اللغة في قلب القارئ لتكسب رهان الصداقة بين القارئ والكاتب، تزيل الحواجر بينهما فلا يعود هذا الكاتب غريباً عن قارئه، ولا عما يكتبه، يتوطدُّ جسر من القبول المبدئي للعلاقة مع النص وكاتبه في آن.
«مزهرية من مجزرة» هي توثيق الإنسان والوطن، ولن أقول الثورة، مع ما تحمله جملة هذا القاص من ثورية، ولكنني أقول، للإنسان والوطن، لأن الموغل في مزهرية من مجزرة، سيدرك أن مصطفى يعانق الوجع/ الوجع الإنساني بقطع النظر عن انتماءاته المتنوعة، سيدرك المتلقي هيمنة هذه (الفاتنة) المسماة (سوريا) بكامل تفاصيلها ودمعها، سيدرك أن الموت أمر مفجع، وأن الحرب خراب عميق إذا ما طال الإنسان قتله، وللموت هنا أنواع كثيرة، على عكسِ ما يُشاع «تعددتِ الأسباب والموت واحد». «بعد أن هبت فجأة على تلك الشرفة الصغيرة عاصفة رصاص، أطلقها على عجل من بعيد جنود بملامحهم الفوضوية بثلاث دقائق فقط… وعلى الشرفة ذاتها، فنجان القهوة انحنى على الطاولة حتى التقط الجثة، وراح يشربها بهدوء قبل أن تبرد».
في «مزهرية من مجزرة « ثمة ألم كبير، مصطفى يجعلك تتذوقه حرفا حرفا ونصا نصا، يختبر الإنسان فيك من دون قصد، «بضع قذائف سقطت على الشارع الرئيسي في السوق، بعد برهة… نهض هذا الطفل من بين جثث القتلى وأجساد الجرحى وهو يتألم، ثم انتبه إلى أن يده كانت مقطوعة، فراح يبحث عنها بين فوضى الأشلاء البشرية وهو يبكي بمرارة وألم، علّه يعثر عليها. فجأةً… عثر على يدٍ أخرى مقطوعة يبدو من شكلها أنها لجثة رجلٍ متقدمٍ في السن. التقطها الطفل ثم وضعها على معصمه وتأملها لثوان ببلاهة. سرعان ما راح يقفز بسعادة بين الجثث أمام الجرحى… وهو يصرخ كمجنون: لقد كبرت… لقد كبرت… لقد كبرت…».
ثمة جانب كبير في «مزهرية من مجزرة»، يعتمد على التصوير الدرامي، إذ يجمع الكاتب بين السخرية من ناحية والواقع والخيال من ناحية أخرى، وهذا الأمر باعتقادي يحتاج إلى قدرة أدبية إضافة إلى دراية بالواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمع الذي يكون مادة القصة الخام.
مصطفى تاج الدين الموسى، يحاول أن يحولَّ الحدث العادي، أو بمعنى أصح الواقع السوري إلى نص قادر من حيث بنائه أن يثير القارئ ويمسه، باعتبار أنه يعبر عنه إضافة إلى ما يمنحه من مساحة نقدية تعبر عن تعاسة الواقع بصورة مبتكرة. (أمي عصابة إرهابية) منذ ساعتين اتصل بي الموت، وأخبرني بصوته الضبابي والبارد بأنه يريد زيارتي… فأجبته بالموافقة وأنني أنتظره… فرحت كثيراً، وأخيراً سأشاهد الموت شخصياً… يا الله !.. كم هو جميل هذا الشيء، طبعاً… أنا ولا مرة في حياتي شاهدت الموت بشكل شخصي، إنما فقط كنت أشعر به. أحسست بالخجل، لأنه ليس لدينا في البيت فواكه وحلوى تليق بمثل هذا الضيف الجميل… يوجد فقط شاي وقهوة وشراب للسعال. رغم فرحتي تساءلت مستغرباً: من أين جلب الموت رقم جوالي؟… خمنّت في سرّي أن صديقي مازن هو من أعطى الموت رقم جوالي. مازن الذي كان قد اختفى في ظروفٍ غامضة من شوارع دمشق منذ عام. تخيلت أن مازن ألمشاغب هو الآن في العالم الآخر، يركب في باص كبير ويرمي من النافذة خلسةً قصاصات ورقية عليها رقمي، وفي شارعٍ ما… عثر الموت على قصاصة ورق واتصل بي.. تماماً مثلما كنت أفعل أيام المراهقة، حيث كنت أرمي بقصاصات ورقية عليها رقم هاتف منزلي، ومقطع من أغنية لهاني شاكر، من نافذة الباص.. على أمل أن تعثر فتاةٌ جميلة على قصاصة.. فتتصل بي لتبدأ بيننا قصة حب و…لكن.. لم يحدث هذا الشيء.. فقط، مرة واحدة.. اتصل عامل التنظيفات وقال لوالدي غاضباً: رقمكم يلوث الشوارع.. وهو السبب في نشوء ثقب طبقة الأوزون».
مصطفى يتعمد أن يواجه الموت، يتعمد أن يجر قارئه لقراءة كل هذا الخذلان، يتعمد نزع اعتراف ضمني بقبح هذا العالم وتورطه الكبير. سوريا الياسمينة البيضاء، الياسمينة التي طعنت كثيرا ومرارا، يقودك إليها هذا السوري مصطفى، يطوف بك في حواريها وشوارعها وأمامك، أمامك مباشرة، يفرش كل الخراب الذي مسّها، سوريا تبقى سوريا سوريا التي تشبه العشق ستلاحقك وتركل الحرب والدمار لترسم في قلبك ما تشاء من الأغنيات، هذا ما تريد قوله القصص القصيرة جدا هنا. «هو لا يزال يتذكر جيداً ذلك المساء الخالد في روحه وروحها/ ذات سكرة في خمارةٍ متواضعة منتصف زقاقٍ عتيق، على حافة شباكٍ من ياسمين، خلال أغنيةٍ لفيروز»، من قصة إلى قصة ينتقل بك مصطفى تاج الدين، من دون أن تعرفَ الطرق التي مررت بها، يوثق للإنسان وطعنة الحرب، يرسم سوريته بعمق الألم، سوريته التي ستمسك في كل دمعة يسكبها مصطفى من بين أصابعك لتصيبك في عمق إنسانيتك، انتصر أمام عدوه (الموت) لم يحمل سوء قلمه وهذا العشق العظيم الذي يسمى (سوريا)، جلس إلى الطاولة وبصق في وجه القبح بجرأة الثائر وتمرد العاشق ولغة المثقف «هذه سوريتي» هكذا أخاله يصرخ، ليؤسس لحاله كإنسان وكقاص.
مصطفى تاج الدين الموسى هذا القادم من إدلب، إحدى المناطق الأكثر سخونة في المشهد السوري الحالي، تعد مجموعته هذه الثانية بعد الأولى المعنونة بـ»قبو رطب لثلاثة رسامين» التي صدرت في طبعتين (الإمارات وسوريا) وحاز من خلالها عدة جوائز أدبية أهمها: جائزة الشارقة للإبداع العربي 2012 . قاصٌ يمتلك أداة حادة في نحت مقولته، وهو بذلك يخلق نصاً قصصيا، يمكن القول بأنه سينافس طويلاً، وسيظفر.

كاتبة تونسية

مبروكة علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية