لندن ـ «القدس العربي»: بعد سنوات من الحب والاحترام المتبادل بين مجلس إدارة نادي برشلونة وحارس الفريق مارك اندريه تير شتيغن، تحول هذا الود إلى عداء دفين بين الطرفين، أو كما يصفها الإعلام المقرب من النادي الكتالوني «الحرب الصيفية المشتعلة» بين الحارس الألماني وبين الرئيس جوان لابورتا وأصحاب القرار في «كامب نو»، وسط حالة من التضارب والغموض حول السبب الرئيسي وراء هذا الانقلاب المفاجئ وغير المتوقع، ما بين مصادر تتحدث عن استياء الحارس الثلاثيني من موقف الإدارة، بعد الضربة المزدوجة التي تلقاها فور انتهاء الموسم المنقضي، بالتوقيع مع حارس الغريم الكتالوني خوان غارسيا، ثم بتمديد عقد الحارس البولندي فويتشخ تشيزني لغاية العام 2027، ومصادر أخرى تشير إلى رغبة الإدارة في التخلص منه بأي شكل أو طريقة ممكنة قبل أن يُسدل الستار على سوق الانتقالات الصيفية، الأمر الذي على ما يبدو أثار غضب صاحب الشأن، وجعله يقرر الانتقام من الرئيس المحامي ومجلسه المعاون، رافعا شعار «مصلحتي الشخصية فوق الجميع»، على عكس الطريقة أو الشخصية النبيلة التي كان يتعامل بها مع المسؤولين والمديرين في الأمس القريب، والسؤال الذي يراود عشاق البلوغرانا في الوقت الحالي هو: إلى متى ستستمر هذه الحرب الشعواء بين الإدارة والحارس الألماني المخضرم؟ وما هي النهاية المحتملة لهذا المسلسل المعقد؟ هذا ما سنستعرضه معا في هذا التقرير.
ما قبل الانقلاب
بالعودة بالذاكرة عامين إلى الوراء، وتحديدا أغسطس/آب 2023، عندما قرر النادي تأمين مستقبل الحارس شتيغن حتى 2028، كنوع من أنواع المكافأة بعد عودته إلى النسخة المبهرة التي كان عليها في بدايته مع البارسا، وآنذاك في موسم 2022-2023، كان الحارس الأمين ساهم في حصول المدرب السابق تشافي هيرنانديز وباقي الزملاء على لقب الدوري الإسباني، كأول بطولة كبرى كانت تزين خزائن «كامب نو» في عصر ما بعد الأسطورة ليونيل ميسي، ويكفي أن شتيغن أنهى ذلك الموسم بالجمع بين جائزتي أفضل حارس وأفضل لاعب في الدوري الإسباني، فيما ذهب الحذاء الذهبي لأفضل هداف لزميله البولندي روبرت ليفاندوسكي، ولهذا اعترف لابورتا على مرأى ومسمع الجميع في مؤتمر إعلان التجديد مع الحارس الأول، أنه ضمان وأمان لمستقبل حراسة المرمى، أو كما قال: «تير شتيغن ضمان لحراسة مرمى برشلونة، نتحدث عن شخصية ذي قيمة حقيقية، وقد تكيف مع النادي والمدينة والبلد منذ فترة طويلة، ولهذا السبب هو واحد من قادة الفريق، ونحن سعداء بوجوده معنا»، ناهيك عن دوره البطولي خارج المستطيل الأخضر، بالموافقة في أكثر من مناسبة على تقسيم راتبه على دفعات وآجال أطول، بهدف إعطاء النادي مساحة أكبر للمناورة في صراع الإدارة مع رابطة الليغا على لوائح الرواتب الصارمة، وهذا الأمر لم يُخفه لابورتا، الذي قال: «علينا أن نشكره على تقييد عقده لأن هذا سمح لنا بالتعاقد مع لاعبين آخرين»، وسبقها تعاون مع النادي في محنته الاقتصادية غير المسبوقة بعد جائحة كورونا، بترحيبه بفكرة تأجيل راتبه ليخفف من الضغط على الإدارة، لكن في الأسابيع والأيام القليلة الماضية، تبدلت الأوضاع من النقيض إلى النقيض، بتصرفات من الحارس، أقل ما يُقال عنها أنها لا تعكس سوى غضبه الشديد من النادي ومجلس إدارته.
لعنة القيادة
في الموسم التالي، وقع اختيار الفريق على شتيغن ليكون القائد بعد رحيل سيرجي روبرتو، وأيضا بالتزامن مع وصول مواطنه هانزي فليك على رأس الجهاز الفني، وبالفعل ارتدى الشارة في عدة مناسبات، قبل أن يستيقظ على لعنة الشارة، بعد تعرضه لإصابة سيئة في بداية الموسم، على إثرها ابتعد عن الملاعب لسبعة شهور، تحول خلالها مشروع فليك، من فريق كان يُنظر إليه على أنه على بعد سنوات ضوئية من ريال مدريد وأندية الصفوة في البريميرليغ وأوروبا، إلى قوة ضاربة لا أحد يتمنى الاصطدام بها في مباراة رسمية في النصف الثاني من الموسم، بدعم لا يُستهان به من القادم الجديد وقتها، تشيزني، بعد أشهر قليلة من قراره بالتوقف عن ممارسة كرة القدم عقب انفصاله عن يوفنتوس، ليعود من الاعتزال أفضل من أي وقت مضى، تاركا بصمته وأرقامه تنوب عنه، منها حفاظه على نظافة شباكه في 14 مباراة من أصل 30 خاضها بالقميص الكتالوني، كما أنه لم يتذوق طعم الهزيمة على مستوى الليغا، وهو ما يفسر قرار النادي بالتجديد معه لموسمين، لكن قبلها، كانت الإدارة أطلقت رصاصة الرحمة على مستقبل شتيغن، بعد الانقضاض على حامي عرين الجار العاق خوان غارسيا، بحاجة استغلال الثغرة الذهبية في عقده، والتي أتاحت للبارسا الحصول على توقيعه مقابل حوالي 25 مليون يورو، وهي قيمة فسخ عقده مع ناديه، ما أثار دهشة واستغراب الكثير من عشاق النادي، الذين بدورهم فسروا هذه الصفقة على أنها مؤشر أو علامة على اقتراب نهاية قصة شتيغن مع بطل الثلاثية المحلية الإسبانية الموسم الماضي، أو في أضعف التقديرات، رسالة إلى الحارس الألماني بأنه لم يعد مرحبا به في «كامب نو». وما ساهم أو فتح الباب على مصراعيه لإثارة الجدل والقيل والقال حول حظوظ الحارس الألماني في البقاء مع الفريق لموسم أو اثنين، ما قاله المدير الرياضي ديكو، في رده على سؤال صحيفة «لا فانغارديا» حول سبب التوقيع مع غارسيا وتأثير هذه الصفقة على مستقبل مارك مع البارسا، حيث قال: «لا شك أبدا أنني أكن كل الاحترام والتقدير للحارس الكبير شتيغن، لكن مع خوان، كان يتعين علينا اتخاذ قرار لمصلحة الفريق في الوقت الحالي والمستقبل. قد يلعب بشكل مباشر، أو قد يجلس على مقاعد البدلاء أو يلعب لعام أو اثنين، القرار النهائي يبقى في يد المدرب».
اشتعال الحرب
أما رئيس النادي جوان لابورتا، فبدا وكأنه تعمد إضافة بعض «التوابل الحارة» لمضاعفة الإثارة والتشويق في هذا الملف، مؤكدا في تصريحات لصحيفة «موندو ديبورتيفو»، أن فليك هو صاحب القول الفصل في اختيار الحارس الأول للبارسا في الموسم الجديد، والأكثر دهشة وغرابة، أنه قال: «المدرب كان يحتاج إلى تعزيز في مركز حراسة المرمى»، مغذيا الإشاعات التي تتحدث عن توتر علاقة الحارس بالمدرب منذ كانا معا في المنتخب الألماني، لكن آخر وأسوأ سيناريو كان ينتظره الرئيس الثائر ومجلسه المعاون، أن ينقلب الحارس على النادي بهذه الطريقة الصادمة، معيدا إلى الأذهان نسخة الموظف غاريث بيل في سنواته الأخيرة مع ريال مدريد، من خلال التفنن في اتخاذ القرارات والمواقف التي تتعارض دائما وأبدا مع مصلحة النادي، آخرها قراره الأحادي، الذي فاجأ به الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي، بإعلان خضوعه لجراحة للتخلص من مشكلة أسفل الظهر، كانت قد تفاقمت بعد تعافيه من إصابته بالركبة، ولم يكتف بذلك، بل أشار إلى أن فترة غيابه لن تزيد بأي حال من الأحوال على ثلاثة أشهر، متعمدا قطع الطريق على النادي لاستبدال اسمه في القائمة بأحد الوافدين المحتملين، كما يتيح القانون للأندية الإسبانية التي لديها لاعبون مصابون لأكثر من أربعة أشهر، بتلك الطريقة التي استبدل بها اسم كريستينسن بعد إصابته، بالقادم من لايبزيغ داني أولمو في النصف الأول من الموسم الماضي، فيما وصفه موقع «Goal» العالمي نقلا عن الصحافة الإسبانية بـ«الرد المدمر» من اللاعب على محاولات إجباره على الرحيل إما بطريقة نهائية أو على سبيل الإعارة، لصعوبة تحمل راتبه الضخم وهو جالس على مقاعد البدلاء، وأيضا لحاجة الإدارة لاستغلال راتبه في إضافة أسماء أخرى إلى القائمة.
ومع استمرار الوضع الحالي كما هو عليه حتى نهاية الميركاتو الصيفي، سيكون شتيغن قد رد الصاع صاعين للرئيس لابورتا ومجلس الإدارة، أولا لصعوبة فسخ عقده مع طرف واحد، لاستحالة التكفل بباقي مستحقاته المادية حتى نهاية عقده الممتد لمنتصف 2028، والتي تُقدر بنحو 42 مليون يورو، ثانيا لإصراره وتمسكه على البقاء حتى إشعار آخر، وهذا في حد ذاته من شأنه أن يعرقل خطط التنظيف وإعادة الهيكلة، أو سيجعل الفريق عالقا مع قائد منبوذ على الأقل حتى النافذة الشتوية في يناير/كانون الثاني، وبالتبعية سيبقى النادي في وضعه المالي الصعب الحالي، الذي يحتاج فقط إلى بيع أكبر عدد ممكن من أصحاب الأجور الباهظة، لتوفير السيولة اللازمة لشراء القطعة النادرة التي يبحث عنها فليك في محور قلب الدفاع، وأيضا لتجنب مواجهة مصير قيد داني أولمو في القائمة مع راشفورد وغارسيا، في حال فشلت الإدارة في تخفيض فاتورة أجور اللاعبين قبل إغلاق الميركاتو، أو قد تحدث المفاجأة السعيدة لجوان لابورتا وديكو وفليك، ويوافق الحارس الألماني على الرحيل في نهاية الصيف أو مع بداية السوق الشتوية، في حال كانت لديه رغبة في تمثيل منتخب بلاده في كأس العالم 2026، أو قد يُصر على عناده حتى النهاية، ليكون النسخة البرشلونية من كابوس غاريث بيل مع ريال مدريد، حين قضى موسمين أو ثلاثة في رحلات لا تنتهي من الاستشفاء من إصاباته المتكررة، لكن الشيء المؤكد، أنه بناء على ما يحدث على أرض الواقع، سيكون من رابع المستحيلات التنبؤ بالمشهد الختامي للحرب الدائرة بين إدارة البارسا والحارس الألماني المخضرم، وفي رواية أخرى مسلسل طويل بلا نهاية واضحة.