عملة الملك فاروق النادرة: حكاية ذهب مسروق وتاريخ لا يُروى»؟

كان اكتشاف الذهب في كاليفورنيا عام 1848 حدثا هائلا في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، من جميع الجوانب، حيث أصبح الذهب بشكل مباشر وغير مباشر يشكل دعما أساسيا للاقتصاد الأمريكي. وكان نقل الذهب إلى واشنطن ومصارف نيويورك مباشرة غير ممكن لانعدام وجود خط مباشر للسكك الحديدية، ولذلك كان الذهب ينقل من ميناء سان فرانسيسكو إلى الساحل الغربي لبنما، حيث كان ينقل برا إلى الساحل الشرقي عن طريق البغال حتى عام 1855، حيث أُسس خط للسكة الحديد بعد ذلك. ويحمل الذهب على متن سفن متوجهة إلى نيويورك. وقد يبدو هذا عملا مضنيا ومحفوفا بالمخاطر، إلا أنه كان الأفضل في تلك الفترة، على الرغم من حدوث بعض حوادث السرقة والغرق. وأشهرها غرق السفينة «سنترال أمريكا» التي كانت تحمل أكثر من ثلاثة أطنان من الذهب وغرقت عام 1857 مما سبب أزمة أقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد عثر على حطام السفينة عام 1988. شجع هذا السيل الهائل للذهب كذلك على زيادة إصدار العملات الذهبية من قبل الحكومة الأمريكية. وفي عام 1904 قرر الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت إصدار عملة فئة عشرين دولارا ذهبية جديدة. ولكنه وجد أن العملات الأمريكية السابقة بالغة القبح، ولذلك كلف صديقه النحات أوغستوس سَينت غودنز، بتصميم هذه العملة الجديدة بشكل رائع، لاسيما أنه كان أشهر من صمم النصب الوطنية في البلاد، على الرغم من قلة خبرته في تصميم العملات، وأنه أقسم على عدم الدخول في هذا المضمار، بسبب خلاف سابق وقع بينه وبين مؤسسة سك العملة الأمريكية، ولكن النحات رحّب بطلب صديقه الرئيس، فمن قال إن العلاقات الشخصية لا تفيد العمل التجاري، حتى إنه ادعى أنه الوحيد القادر على إنجازه.
ولكن الرئيس أوضح له أنه يريد عملة مصممة على الطراز الأغريقي، فمن الواضح أن الرئيس الأمريكي كان يملي على النحات أفكاره في التصميم. وكانت هذه المرة الأولى التي تصمم عملة أمريكية من قبل شخص لا يعمل لدى مؤسسة سك العملة الأمريكية. وما أن باشر النحات عمله، حتى واجه مشاكل عديدة، أهمها صحته المتدهورة بسبب إصابته بالسرطان، فزاد اعتماده على مساعده؟ ولتجنب أي اعتراض من مؤسسة سك العملة، قام النحات بإنتاج النماذج الأولى في باريس وعرضها على الرئيس روزفلت، الذي وجدها رائعة وأمر باعتمادها. ومع ذلك رفضت مؤسسة سك العملة النماذج، لأن سكها كان صعبا جدا حسب التقنية المتاحة في تلك الفترة، وطالبت بتحسينات، إلا أن النحات توفي عام 1907، فقامت مؤسسة السك بتحسين النموذج النهائي بنفسها، وبدأت بإنتاج العملة الجديدة يوم الثاني من آذار / مارس من تلك السنة، وانتجت أربعمئة وخمسة وأربعين ألفا وخمسمئة منها. وهنا حدثت مفاجأة، إذ أمر رئيس الجمهورية فرانكلين روزفلت، قريب الرئيس ثيودور روزفلت، يوم الخامس من نيسان/ أبريل من عام 1933 بمنع التعامل بالعملات والسبائك الذهبية، وأمر جميع المواطنين بتسليم ما لديهم منها للحكومة الأمريكية، وكانت الحكومة جدية في تنفيذ هذا القرار. ولكن ماذا عن عملة العشرين دولارا الذهبية التي سك منها كمية كبيرة؟ كانت هذه الكميات الكبيرة ما تزال مخزونة في مستودعات مؤسسة سك العملة، حيث لم يتسن الوقت لتوزيعها بين الجمهور لتداولها، فقررت الحكومة صهرها جميعا باستثناء اثنتين تم الاحتفاظ بهما من قبل الحكومة، ولكن أحد الصحافيين المهتمين بالعملات قام في الأربعينيات بالاطلاع على منشورات شركة «ستاكس بَوَرز» المختصة ببيع العملات، واكتشف وجود العملة الذهبية ضمن العملات المعروضة للبيع، فابلغ الحكومة الأمريكية. وقامت السلطات بالتحقيق فورا واكتشفت أن عشرين عملة من العملة المذكورة، سرقت من قبل موظف مجهول في مؤسسة سك العملة وسلمت إلى أحد تجار العملات، الذي قام بدوره ببيعها إلى تجار آخرين.


والغريب في الأمر أن كل هذا حدث دون علم السلطات الأمريكية، وعلى الرغم من معرفة هؤلاء التجار بقوانين الحكومة الأمريكية. قامت السلطات بمصادرة كل هذه العملات ألا أنها لم تستطع مقاضات التجار نظرا لانقضاء الفترة القانونية لجرائم السرقة. ولم يكشف التاجر الذي استلم العملات المسروقة، عن مصدر العملات إلا أن السلطات اكتشفت أنه كان على علاقة وثيقة بعدة موظفين في مؤسسة سك العملة. واكتشف كذلك أن تاجرا للعملات في ولاية تكساس الأمريكية باع إحدى هذه العملات إلى مشتر أجنبي، وأن هذه العملة بالذات غادرت الولايات المتحدة الأمريكية يوم التاسع والعشرين من شباط/ فبراير من عام 1944. وكان من السهل تتبع هذه العملة ومعرفة هوية المشتري لأنه أتبع جميع الأجراءات الحكومية، حيث حصل على رخصة تصدير رسمية من السلطات الأمريكية لإخراج العملة، على الرغم من وجود منع صارم ضد تداول هذه العملة، وأنها ملك للحكومة الأمريكية.
وقد عللت المصادر أن ذلك كان إهمالا من قبل الموظفين الحكوميين، وأن هذه الرخصة أصدرت قبل اكتشاف سرقة العملات بأيام، أما اسم المشتري، فلم يكن سوى ملك مصر نفسه، أي الملك فاروق، الذي لم يتربع على عرش مصر فحسب، بل على عرش هواياته، إذ كان أشهر جامع للمقتنيات النادرة في العالم، ومنها ثمانية آلاف وخمسمئة عملة نادرة، بالإضافة إلى الطوابع وأشياء ثمينة أخرى، وبذلك انتهى المطاف بهذه العملة في مصر. وقد سميت تلك العملة بالذات «عملة فاروق»، وبقيت في مصر حتى انقلاب 23 يوليو/تموز 1952 حيث عرضت مقتنيات الملك فاروق للبيع عن طريق شركة «ستاكس بَوَرز»، أي الشركة نفسها التي أثارت فضيحة السرقة. وطالبت الحكومة الأمريكية مصر بالعملة، إلا أن الحكومة المصرية أجابت، أن العملة ليست في مصر وأنها لا تعرف عنها شيئا، على الرغم من أن عملية البيع كانت رسمية، وعن طريق شركة متخصصة أمريكية، ولكن العملة ظهرت مرة أخرى، وهذه المرة عام 1996 وفي الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كانت في حوزة تاجر بريطاني للعملات، كان قد أتى إلى الولايات المتحدة الأمريكية لبيعها، فسمعت بالأمر السلطات الأمريكية وألقت القبض عليه في أحد أشهر فنادق نيويورك، في فخ يصلح كقصة لفيلم سينمائي. وأقر التاجر البريطاني أن العملة التي بحوزته هي عملة فاروق، إلا انه لم يكن واضحا في كيفية حصوله عليها. ولكن الأمر لم يكن بهذه السهولة، لأن السلطات الأمريكية لم تستطع أن تتهمه بالسرقة، بل إنه كان جريئا إلى درجة أنه طالبها بإعادة العملة إليه، ما سبب خلافا بين الطرفين تطور إلى قضية مدنية في المحاكم الأمريكية حتى عام 2001 اتفق الطرفان على أن تعتبر الحكومة الأمريكية هذه العملة بالذات كعملة قابلة للتداول بشكل استثنائي وأن تباع في المزاد على أن يقتسم الطرفان الأرباح. وهذا ما حدث حيث بيعت العملة في عام 2002 في خلال تسع دقائق عن طريق مزاد لشركة «ستاكس بورز» (مرة أخرى)، بمبلغ سبعة ملايين وخمسمئة وتسعين ألفا وعشرين دولارا لستيوارت فايتسمان، صاحب شركة أمريكية شهيرة لصناعة الأحذية، الذي باعها بدوره عام 2021 بمبلغ ثمانية عشر مليون وثمانمئة واثنين وسبعين ألفا ومئتين وخمسين دولارا لمشتر لم يكشف عن اسمه للإعلام.
ولم تنتهِ الحكاية بعد حيث أراد أحد الأثرياء شراءها واتصل بمالكها الحالي عارضا عليه خمسة وعشرين مليون دولار، إلا أن المالك رفض العرض طالبا ثلاثين مليونا.

مؤرخ وباحث من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية