خلفيات الرواية المغاربية العربية

حجم الخط
1

سئل محمود المسعدي عن «الأدب التونسي»، فأجاب: «أود شخصيا أن لا يكون لنا أدب «تونسي» في المعنى الضيق، كما يتصوره الناس عادة، بل أتمنى أن لا يكون لنا إلا أدب يكون فرعا من الأدب العربي عامة، ويكون ضمنه وبواسطته شعبة من الأدب العالمي الأصيل». اقتنعت بهذه الفكرة منذ بداية اهتمامي بالأدب، لإيماني بأن الأدب «الوطني» الأصيل لا يستمد خصوصيته الجمالية والدلالية إلا من خلال كونه «فرعا» من الأدب العربي، بسبب انتمائه إلى الهوية الثقافية التاريخية العامة، التي هو جزء منها، من جهة، وإلى كونه «شعبة» من الأدب العالمي في بعده الإنساني، نظرا لعلاقاته به، من جهة أخرى. إن الهوية الثقافية التاريخية تجعله سليل تراث له خصوصيته في التجربة الإنسانية. أما البعد العالمي الإنساني فيعطيه سمة المشاركة في ما هو إنساني عابر للثقافات والحدود والأجناس.
هذه الرؤية الشمولية للأدب هي ما أراها كامنة في طموح كتاب الرواية في العالم العربي، بصفة عامة، وفي المغرب العربي، بصورة خاصة، سواء كان ذلك بصورة عفوية وتلقائية، أو واعية ومقصودة. إن العام يتصل هنا بالسبق التاريخي في كتابة الرواية في المشرق العربي. أما الخاص فيتمثل في تأخر ظهورها في المغرب العربي، الذي ضاعف من الوعي بأهمية الارتقاء بصنعة الرواية المغاربية إلى المستوى الذي يؤهلها للمواكبة وللتميز والتجاوز أيضا لدى الأجيال اللاحقة. يكمن كل هذا بجلاء في خلفيات الرواية المغاربية العربية، وفي المرامي التي تسعى إلى تحقيقها وطنيا ومغاربيا، وعربيا وعالميا.
إن تأخر بروز الرواية المغاربية عن نظيرتها في الشام ومصر لأسباب تاريخية، جعلها في بدايات ظهورها تسير على نمط الرواية التي كانت مهيمنة إلى الخمسينيات، من خلال ما راكمته الرواية العربية في تاريخها عبر اتجاهاتها المهيمنة: الرواية التاريخية والرومانسية والواقعية، من خلال أهم علاماتها التي كان الكتاب المغاربيون على صلات بها. ويبدو لنا من عناوين الروايات المغاربية في فترة نشأتها ما يدل على ذلك. ولما تطورت الرواية العربية في الستينيات والسبعينيات وبروز جيل جديد عمل على تجاوز النماذج التي تكرست، خاصة مع الرواية الواقعية، ظهر جيل جديد في السبعينيات في المغرب العربي واكب التحولات الجديدة التي عرفتها الرواية العربية، مع روائيين تركوا بصمات مهمة في تاريخ الرواية العربية الجديدة، فتفاعلوا مع الرواية الجديدة ليس فقط في الوطن العربي، ولكنهم التفتوا، أيضا، إلى الرواية الفرنسية الجديدة، أو «اللارواية»، ومعها النقد الروائي الجديد، الذي بدأ يفرض نفسه على الساحة الأدبية العالمية. ولما كان أغلب هذا الجيل الجديد من أوساط شعبية، وتلقى تعليما جامعيا، فقد أهله ذلك ليضطلع بدور كبير في إحداث نقلة نوعية في الإبداع الروائي المغاربي والعربي أيضا.

لقد ساهم تطور الرواية العربية الجديدة، الذي طرأ مغاربيا وعربيا، في خلق جمهور جديد من القراء، يشتركون مع كتاب الرواية المغاربية في الرؤية والوعي، فعرفت الرواية المغاربية والعربية تلقيا واسعا، واهتماما متزايدا ساهم، ليس فقط في الإقبال على الرواية وقراءتها، ولكن أيضا في البحث فيها وتحليلها. وكما حاول الروائي المغاربي، وهو يشارك في تطوير الرواية العربية الجديدة، عمل النقد الروائي المغاربي على تجاوز النقد العربي المشرقي، وفرض نفسه في الساحة النقدية العربية، بما أنجزه من أبحاث أكاديمية متطورة منهجيا وعلميا، أدت إلى تراجع النقد الصحافي والانطباعي، الذي ظل مهيمنا في النقد العربي.
يبدو لنا بجلاء أن خلفية الرواية المغاربية، وهي تنبني على الرواية العربية أولا، والفرنسية، بعد ذلك، بدأت تنفتح على التجربة الروائية العالمية، منذ الثمانينيات، خاصة على الرواية في أمريكا الجنوبية، التي وجدت فيها ما يشترك معها في الاهتمام بالتراث العربي، وأبعادها العجائبية. وقد فتح لها هذا نوافذ جديدة في اكتشاف منافذ في التراث العربي في قسميه: الثقافة العالمة والشعبية. وكان هذا الالتفات إلى التراث العربي العام، أو إلى ما يتصل بالتراث الشعبي الخاص أن تطورت الرواية المغاربية، فظهرت أنواع روائية جديدة تتحرك في فضاءات واسعة يختلط فيها الاجتماعي بالسياسي، ويتحاور فيها التاريخي والديني، وينفتح كل ذلك على الواقعي والخيالي.
كل هذه الخلفيات في تنوعها وتعددها أعطت الرواية المغاربية نوعا من الغنى، والبحث الدائب عن اكتشاف عوالم جديدة، ومواد حكائية مختلفة طبعت التجربة بطوابع متميزة، ومنحتها صفة عدم التقوقع، فقط، على المحلي، أو الوطني، فإذا هي تجربة ذات بعد شمولي يؤكد انتماءها إلى تراث أصيل، وواقع متغير، وثقافة إنسانية مفتوحة. نلاحظ ذلك في كون الروائي المغاربي، أيا كان القطر الذي ينتمي إليه، يكتب عن الأندلس، وينتخب مواد حكائية من التاريخ العربي، ويتناول شخصيات إسلامية من عصور مختلفة، إلى جانب التفاته إلى خصوصيات محلية، ترتبط بمناطق جغرافية ظلت مهمشة، ومبعدة من دائرة الاهتمام، وعلى مستويات مختلفة. ويبدو لي أن انخراط كتّاب جدد، ولدوا وتربوا في أحضان البادية، أو هوامش المدن، ساهم بقسط وافر في توسيع دائرة المواد الحكائية، التي تتصل بهذه الفضاءات التي ظلت مهمشة ومقصية من دائرة الاهتمام لدى أجيال سابقة.
إن الرواية المغاربية العربية، فرع أصيل من الأدب العربي، وطموحها لتكون شعبة من الأدب العالمي لا يمكن أن يمر في تقديري إلا عبر احتفائها بالمحلي في خصوصيته، وعمق تعبيره عن الإنسان الأصيل في طموحه لتحقيق إنسانيته، في عالم يعج بالهجانة وتغييب القيم الأصيلة، التي بزعم العولمة والعالمية يؤدي إلى محاكاة الآخر الغربي ونفي الذات.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية