حينما كان الزميل الإعلامي محمد البقالي محتجزًا لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي، كتبتُ تدوينة في «الفيسبوك»، تساءلتُ فيها: «هل ستتدخل السلطات المغربية من أجل ضمان سلامة الإعلامي/ المواطن محمد البقالي وإطلاق سراحه، بعد اقتحام قوات الكيان… سفينة حنظلة؟» فعلّق أحد الزملاء على ذلك بالقول: «أعتقد أن السي محمد البقالي كان في مهمة مهنية لقناة عربية».
واضحٌ أن صاحب التعليق يقصد أن مسؤولية حماية الزميل المذكور لا تقع على المغرب، ولو أنه مواطن مغربي أولاً وقبل كل شيء، بل هي مهمة موكولة إلى دولة قطر، باعتبارها المشرفة على محطة «الجزيرة» الفضائية التي يعمل فيها الصحافي البقالي.
يا له من منطق غريب! وهو ـ للتذكير ـ منطق لا ينحصر فقط على صاحب التعليق، بل تردده كذلك فئة «محدودة» من الناس من الذين لهم «وجهة نظر» خاصة حول حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وما يرافقها من يوميات التجويع الفظيعة، والتغطية الإعلامية لها. وهو منطق قريب مما جاء في الآية الكريمة «فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون» إشارة إلى ما ردده قوم موسى عليه السلام… بمعنى: توجّهْ يا «سي البقالي» إلى قطر، واطلب منها أن تحميك، ولا تطلب ذلك من المغرب!
والحال أن محاولة «تبرؤ» البعض من مغربية محمد البقالي لمجرد انتمائه المهني إلى «الجزيرة»، تقابلها حقيقة أن قطر التي تربطها علاقة أخوية قوية بالمغرب، تقوم هي الأخرى بجهود جبارة من أجل إيقاف حمام الدم والمجاعة في غزة.
كما أن منطق «فاذهب أنت وربك فقاتلا…» يندرج تحت الشعار العجيب الذي يردده البعض هذه الأيام: «تازة قبل غزة»، بما مؤداه: لا يهمنا ما يجري في فلسطين، وكل ما يهمنا هو قضايانا الداخلية فقط لا غير! وبالتالي، فالصحافي الذي شارك في سفينة «حنظلة» التضامنية مع غزة يتحمل «عاقبة» موقفه، وعليه أن يطلب النجدة من «الجزيرة» التي أوفدته ومن البلد الذي تبثّ منه القناة نفسُها!
دعم متواصل
لحسن الحظ، أن ذلك الخطاب مقتصرٌ على فئة قليلة جدا، «تنشط» فقط على صفحات وسائط التواصل الاجتماعي وفي بعض وسائل الإعلام الخاصة، ولا تأثير لها على أرض الواقع. أما الشعب المغربي بمختلف فئاته فهو يخرج يوميا للتعبير عن التضامن مع أهالي غزة. كما أن الزميل محمد البقالي حين عاد إلى المغرب، فوجئ بحجم الاستقبال والتضامن معه في مطار الدار البيضاء وكذا في مدينته الأم وزان… استقبال وتضامن اتّشحا بالكوفية والعلم الفلسطينيين، تأكيدًا على نبل الموقف وسمو الإحساس.
يُضاف إلى ذلك، أن الخطاب الغريب والقريب من معنى الآية الكريمة: «فاذهب أنت وربك فقاتلا…» اصطدم بإيجابية الموقف المغربي الرسمي، أولاً من قضية الصحافي محمد البقالي، وثانيًا من الممارسات التجويعية الصهيونية في غزة. ففي ما يخص القضية الأولى، كشف الزميل المغربي المشارك في سفينة «حنظلة» عن حجم الدعم الذي وجده من الدبلوماسيين المغاربة في تل أبيب، بمن فيهم رئيس البعثة والقنصل، ممثلين لوزارة خارجية المملكة، منذ الاحتجاز إلى ترحيله في مطار «بن غوريون».
وفي ما يخص مسألة تجويع الغزيين، لعل أصحاب شعار «تازة قبل غزة» وكذا الذين لهم «موقف» من العمل النضالي للإعلامي محمد البقالي، أسقط في أيديهم، وهم يرون المغرب الرسمي يرسل مساعدات عاجلة إلى أهالي غزة، تضم الغذاء والدواء. فهل يقوون بعد الآن على أن يرددوا ذلك الشعار؟ علمًا بأنهم لا تهمهم لا غزة ولا تازة. ودليل ذلك أنهم ليست لهم أي مواقف منددة بالسياسة التفقيرية للحكومة الحالية تجاه فئات عريضة من الشعب المغربي. وما مسيرة «أيت بوكماز» الاحتجاجية ببعيدة!
إذًا، لا نطلب من أصحاب «تازة قبل غزة» أن يشاركوا في سفينة تضامنية مع غزة، مثلما فعل البقالي وآخرون ممن فرقتهم الجنسيات، لكن القضية الإنسانية وحّدتهم.
ولا نطلب أيضا من أصحاب ذلك الشعار الخروج إلى المسيرات والوقفات التي تقام في المدن المغربية بشكل يومي، أسوة بالمغاربة الأحرار نساءً ورجالاً.
ولكن، نطلب منهم فقط أن يكونوا على الأقل منسجمين مع الخطاب الرسمي الذي يضع القضية الفلسطينية في مرتبة القضية الوطنية الكبرى: قضية الصحراء؛ حتى لا يجدوا أنفسهم في حرج وتناقض صريح معه.
هكذا تحدث الشيخ «السوري ـ المغربي»!
مَن يُذكّر أصحاب شعار «تازة قبل غزة» كذلك بوقوف المغرب مع محنة اللاجئين السوريين في الأردن، حيث أقامت القوات المسلحة الملكية المغربية مستشفى ميدانيا بمخيم «الزعتري» كان يستقبل المرضى ويقدم خدمات طبية للنساء الحوامل ومواليدهن لمدة ثماني سنوات، حتى متم أيلول/ سبتمبر 2020؟
هذه المعطيات استحضرها المغترب عبد الباسط البيك، وهو يتحدث، لقناة «حلب اليوم»، انطلاقًا من جامع أبي حنيفة النعمان، حيث عاد إلى بلاده ومدينته حلب، بعدما غاب عنها لمدة 53 عاما. ولكنه ـ كما قال ـ لم يكن يحس أبدا بالغربة في المغرب، بل كان معززا مكرما بين أهله وأحبته.
وأوضح أن فرحته فرحتان: فرحته كمواطن سوري وفرحته كمواطن مغربي (لأنه يحمل أيضا الجنسية المغربية) بعودة العلاقات المغربية – السورية وإعادة فتح سفارتي البلدين وإزالة ممثلية البوليساريو في دمشق، وهو كان مطلب الجالية السورية في الرباط ومطلب الشعب المغربي كله. وأثنى على وقوف المغاربة مع الثورة السورية منذ اليوم الأول، قائلا: «فتحوا لنا الإعلام، وسمحوا لنا بالمظاهرات، وكنا نشارك في نشاطات المعارضة في الخارج».
وذكّر أيضا بوقوف المغرب مع الشعب السوري في المحافل الدولية بما فيها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، في مواجهة الممارسات الاستبدادية السابقة لحزب «البعث» ولقيادته الهاربة. «أنا أعتبر نفسي لسان سوريا في المغرب، ولسان المغرب في سوريا»، بهذا تحدث الرجل لقناة «حلب اليوم» مغالبًا دموعه، من شدة التأثر برجوع سوريا إلى أهلها الطيبين.
من هو عبد الباسط البيك؟ بحسب المعطيات التي كان أدلى بها لموقع «فبراير» المغربي، إنه من مواليد عام 1921 في مدينة حلب، في أسرة ميسورة الحال كانت تعمل في تجارة المواشي وزراعة القطن، وتلقى تعليمه في المدارس الحكومية، حيث أكمل دراسته الابتدائية والثانوية. عام 1970، اتجه البيك إلى العراق لدراسة الطب في جامعة الموصل، إلا أن نشاطه السياسي وضعه في موقف صعب مع السلطات العراقية، فغادر البلد نحو المغرب ليدرس في كلية الحقوق في الرباط ويحصل على الإجازة (البكالوريوس) في العلوم السياسية. ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث درس في جامعة أوهايو وحصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية والقانون الدولي.
كان المغرب المكان الوحيد الذي يستطيع لقاء بعض أقاربه فيه، نظرًا للظروف السياسية التي منعته من العودة إلى سوريا. وتقدم للوظيفة في كلية الحقوق في الربط، فظفر بالتعيين أستاذا مساعدا للقانون الدولي والعلاقات الدولية. كما منحته السلطات المغربية حق اللجوء السياسي بعدما علمت بالتهديدات التي كان يتعرض لها من قبل السفارة والمخابرات السورية. حصل على وثيقة سفر من وزارة الخارجية المغربية ظلّ يستخدمها لمدة عشر سنوات، قبل أن ينال الجنسية المغربية. وبعد فقدان عمله في التدريس بسبب سياسة المَغربة، قرر البيك الانتقال إلى العمل التجاري في خطوة وصفها بالمغامرة. لكن استطاع بالصبر والمثابرة أن يثبت جدارته. ويؤكد عبد الباسط البيك أنه يدين إلى المغاربة بالفضل في نجاحه في عالم التجارة.
كاتب من المغرب