في عام 2012، وبينما كانت سوريا تعيش إرهاصات الربيع العربي، كان الكاتب والناشر الراحل زياد منى، وكعادته، يُعرّف القراء العرب عبر دار قدمس للنشر ـ التي أُغلقت لاحقاً ـ على اسم جديد في حقل الدراسات الغربية حول الشرق الأوسط. وربما من باب المصادفة، أن الكتاب جاء بعنوان «الثورة السورية الوطنية وتنامي القومية العربية» للمؤرخ الأمريكي في جامعة شيكاغو مايكل برفنس. لكن، وفي خضم الزلزال الذي كانت تشهده البلاد منذ 2011 لم يلفت الكتاب انتباه القراء، ولا حتى الباحثين، رغم أنه كان يتحدث في جوهره عن ولادة «سوريا الجديدة» عام 1925.
في هذا الكتاب، سعى برفنس إلى الدفاع عن فكرة أن صناعة سوريا الحديثة لم تكن حصيلة جهود أبناء النخب والأعيان فحسب، كما ذهب فيليب خوري، بل كانت أيضا وليدة نخب عسكرية ومدنية تشكّلت في أواخر العهد العثماني. وغالباً ما جاءت هذه النخب من الأرياف، وبذلك، يكون برفنس قد سار على خطى جيمس غيلفين، الذي حاول هو الآخر تجاوز مقاربة خوري، من خلال حديثه عن ظهور «القومية الشعبية» في دمشق، باعتبارها رديفا للقومية النخبوية، ودورها في إعادة تشكيل المجال السياسي.
وتُحسب لدراسة برفنس أيضا، أنها قدّمت طرحاً جديداً في فهم تشكّل المخيال القومي السوري. فكما رأى بندكت أندرسن، أن الجماعات المتخيَّلة في أوروبا وُلدت مع رأسمالية الطباعة، رأى برفنس أن الصداقات التي تشكّلت بين مجموعة من الشبان في «مدرسة العشائر» وغيرها من المدارس العثمانية، كانت الأساس في تكوين هذا المخيال السوري، الذي سيتجسّد لاحقاً في أحداث عام 1925. إذ نرى مثلاً أن شخصيات مثل فوزي القاوقجي، ورمضان شلاش، وسلطان الأطرش، وغيرهم من عشرات الأسماء، كانت قد تعرّفت على بعضها بعضا في أماكن مختلفة، ثم اجتمعت لاحقاً في قيادة حراك اجتماعي وسياسي جديد بعد سنوات، وفيما كانت سوريا غارقة في حرب طاحنة أكلت الأخضر واليابس، عاد مايكل برفنس ليصدر في عام 2017 كتاباً آخر بعنوان، «الجيل العثماني الأخير وصناعة الشرق الأوسط الحديث»، والمقصود بـ»الجيل العثماني الأخير» هو الجيل الذي نشأ في العقدين أو الثلاثة عقود التي سبقت تفكّك الدولة العثمانية، وتلقى تعليمه في مدارس مدنية وعسكرية، وظل منتمياً إلى هويته العثمانية حتى اللحظات الأخيرة، بل وما بعدها.

في هذا الكتاب، تتبّع برفنس مسارات هذه النخب، وما شهدته بعض البلدان العربية التي كانت عثمانية سابقا، خلال فترة الانتداب، والدور الذي أدّاه هذا الجيل حتى خمسينيات القرن العشرين. كان ما يشغل بال برفنس، وهو يتابع ما يحدث في سوريا، هو الكيفية التي تقبّل بها الناس الانتقال من طور إلى آخر، وكيف نجوا من المحنة، وكيف استوعبوا التحولات الكبرى التي عصفت بحياتهم. وقد أصبح هذا الكتاب لاحقاً مرجعاً أساسياً لكل من يدرس مرحلة ما بعد الدولة العثمانية، ونادراً ما نجد دراسة أو كتاباً لا يُستشهد به. وقد فعل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات خيراً بإعلانه عن صدور النسخة العربية من هذا الكتاب قريباً. فترجمته إلى العربية تُعد مكسباً مهماً، سواء لكونه يقدم قراءة مغايرة لتلك المرحلة، أو لأنه يصدر في لحظة حرجة من تاريخ سوريا، هي نفسها اللحظة التي ربما دفعت برفنس سابقاً إلى الشروع في تأليف كتابه، حتى لو لم تكن ملامحها قد اتضحت حينها كما هي اليوم، فبرفنس بدأ العمل على هذا الكتاب عام 2005، في وقت كانت فيه المنطقة تعيش على وقع الغزو الأمريكي للعراق، وظهور تيارات ونخب سياسية جديدة في العراق والمنطقة عموماً، ثم صدر الكتاب خلال سنوات الحرب السورية. واليوم، تبدو ملاحظاته حول الانتقال من طور إلى آخر، أو من نظام سياسي إلى آخر، أكثر راهنية وإلحاحاً بالنسبة للسوريين. فالسؤال حول كيفية عيش السوريين لهذا الانتقال لا يزال محيّراً، وما تزال الإجابة عليه صعبة. بل لعلّ حديث برفنس عن «الجيل العثماني الأخير» وصناعة الشرق الأوسط يدفعنا إلى التساؤل بالمقابل: هل الشرق الأوسط الذي تحدّث عنه لا يزال قائماً؟ أم أننا بتنا نعيش شرقاً أوسط مختلفاً؟ ومن هي النخب والأجيال التي تحكم هذا الشرق الأوسط الجديد؟
ولذلك قراءة كتاب برفنس تعد مفيدة، خصوصاً أنه يدرس لحظات التحول الكبرى بدقة، ويُظهر في أكثر من موضع أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى لا يكون سلساً أو جاهزاً، حتى لو سعت القوى الفاعلة إلى فرضه بالقوة. وهنا يستشهد، مثلاً، بالمعارك التي خاضها مصطفى كمال أتاتورك. ففي الوقت الذي كان فيه البريطانيون والفرنسيون يظنون أن الدولة العثمانية قد انهارت، إذا بأتاتورك يوجّه ضربة قاسية لمشاريع هنري غورو، «الإمبراطور» الجديد لسوريا آنذاك.
يتوقف الكتاب في أحد فصوله عند تجربة الملك فيصل في العراق، حيث خدم فيصل وفقاً لرغبة الحكومة البريطانية. في بغداد، كانت هناك مجموعة صغيرة من نحو ثلاثين ضابطاً عثمانياً سابقاً ومسؤولاً مدنياً، هم من تولّى إدارة الدولة الجديدة. أما أولئك الذين رافقوا فيصل في الثورة العربية وفي سوريا، فقد شكّلوا ما عُرف أحياناً بـ»حزب الملك». وكان من أبرز شخصيات هذه المجموعة: نوري السعيد، وجعفر العسكري، إلى جانب السياسي المدني رستم حيدر وآخرين.
وقد تبنّت هذه المجموعة، مع فيصل، سياسة براغماتية تقوم على التعاون مع بريطانيا. وعندما احتاج الملك إلى تمرير صفقات تجارية مثيرة للجدل مع البريطانيين، كإبرام معاهدات أو منح امتيازات نفطية أو الانضمام إلى عصبة الأمم، كان يُسند رئاسة الحكومة إلى نوري أو جعفر. في المقابل، كان ياسين الهاشمي يقود مجموعة أخرى تُعرف بـ»المعارضة»، تألفت من رجال انضم معظمهم إلى حكومة فيصل بعد الحرب، لكنهم رفضوا أي تسوية مع بريطانيا. وكان رشيد علي الكيلاني من أبرز شخصيات هذه الكتلة.
ومن اللافت أن معظم هؤلاء السياسيين كانوا ضباطاً أو إداريين في الدولة العثمانية، وألفوا نظم الحكم الاستبدادي والعسكري والنخبوي. بعضهم كنوري السعيد، رأى أن التعاون مع بريطانيا هو السبيل الأمثل لخدمة مصالحهم. في المقابل، رأى آخرون، كياسين الهاشمي، أن النموذج الأنسب للعراق هو «الاستبداد المستنير» على الطريقة التركية، بشرط ألا يكون خاضعاً للهيمنة البريطانية. والنتيجة واحدة. تأييد الحكم الاستبدادي.
وقد أرسى فيصل نمطاً سياسياً واضحا في إدارة الحكم: يُعيّن نوري حين يريد إرضاء البريطانيين، ويُعيّن ياسين حين يريد إرضاء العراقيين.
وما نلاحظه، هو أن العديد من أبناء «الجيل العثماني الأخير» توصلوا لاحقاً، في مدن كبرى مثل بغداد ودمشق، إلى تسويات مع سلطات الانتداب، من خلال الحصول على هوامش محدودة لنشاط سياسي. في المقابل، أدركت سلطات الانتداب، كما السياسيون المحليون، أنهم بحاجة إلى بعضهم بعضا. ولهذا، لم تتردد القوى الاستعمارية في السماح لهؤلاء السياسيين بمراكمة بعض الثروة والنفوذ، مقابل ضمان قدر من الاستقرار، وتحقيق مصلحة متبادلة بين الطرفين.
كاتب سوري