تمثال يخلد مهندس المنظور الأول ألبرتي (1404-1472)
كما قال فنان النهضة الأوروبية وعبقري الإنسانيات صاحب الموناليزا الشهيرة ليوناردو دافنشي؛ «الفن نشاط ذهني»، فإن العمل الفني بكل أصنافه سواء كان صباغة، أو نحتا، أو معمارا، تميز باتباع الواقعية والمحاكاة طيلة عقود، لاسيما إبان الفترة الفنية الكلاسيكية، استنادا إلى الفهم الأسطوري والكنسي لعلاقة الفن البصري بالعالم، انطلاقا من النهضة الفلورنسية في القرن الرابع عشر، إلى حدود الفترة الانطباعية، قبل أن تغير التكعيبية والمفاهيم الحديثة المعادلة وتحدث الأعمال التجريدية الفرق والتحول التاريخي في الحركة التشكيلية العالمية.
في خضم هذه الفترة الذهبية، ظل الفن يتغذى من النظريات العلمية الرياضية والميكانيكية القديمة، فمثلت المفاهيم المكتسبة منذ العصور اليونانية والرومانية المرجع الأساسي، الذي اتبعه الرواد الكبار ومنهم، الأوائل السباقون مثل الإيطالييْن جيوتو وفرا أنجيليكو (الأخ أنجيليكو) وشقيقه، أو اللاحقون مع تباشير الفترة التكلفية مثل مايكل أنجلو ورفائيل وقبلهما المهندس مازاتشو، إذ ركز الفن اليوناني القديم على التوفيق بين الجمال والمثالية، بينما اهتم الفن الروماني الذي لحقه بدقة التفاصيل والزخرفة والفسيفساء خاصة في العمارة. غير أن الدور المتميز للرواد التاريخيين، أو «ثوار المشهد» تمثل في الموازاة بين هذا وذاك، والمزج بينهما في عدة أعمال مع خصوصية إدماج التطبيقات العلمية والتأثيرات الإنسانية، في التعامد والمنظور والبعد، واستغلال مساحات الأفق المشهدي أو العام بخلفيات واقعية حينا، وهندسية رياضية أحيانا، هذا الزخم أعطى بريقا لا نظير له لمجمل الأعمال التي ظلت خالدة، بمثابة نماذج دراسية مهدت للتأسيس البحثي الأكاديمي.
ما قدمه العالم والمنظر الإيطالي ليون باتيستا ألبرتي، في هذا المجال، كبير من حيث التطبيق والمعنى والرمزية. ظهر ذلك بالخصوص في عمل واجهة كنيسة سانت أندريا في منتو (شمال شرق إيطاليا) على مقربة من مدينة البندقية التي أرسى فيها مبادئ المنظور الخطي، طبقا لرسالته البحثية المعروفة «دي بيكتورا» في الرسم، التي ظهرت منذ عام 1435، واستنادا إلى دعائم مجلد ري إيدي فيكتوريا في العمارة عام 1452.

كنيسة « سانت أندريا» بمونتو
تحول في هذا العمل المفهوم الفني التشكيلي، من مجرد تمثيل للعالم إلى نشاط ذهني يعتمد على التصنيف والتصميم والمعادلة والتركيب والتراكب والتناسب، حيث ظهر جليا في الجمع بين العمارة والنحت والصباغة، البعد الثوري الأكاديمي في تناول المنظور، الذي تحول ولأول مرة من البعد الثنائي إلى البعد الثلاثي، مع اعتماد نقطة التلاشي الأحادية والمزدوجة.
فجاءت الواجهة بمثابة استلهام أولي للأقواس الرومانية مدعمة بأعمدة كورنثية عتيقة، يظهر فيها التأثير اليوناني واضحا، بعد ذلك عمل ألبرتي على إظهار مهاراته في القبس والموازاة بين الطرف الشرقي والغربي للمعلم التاريخي، باعتماد قياسات هندسية أخذت بالاعتبار حضور المشاهد وموقع العين المبصرة للجمهور، سواء من قريب أو من بعيد. غير أن إضافاته في التزويق والتزيين تجاوزت أعمال العمارة التي قدمها نظيره برونليسكي هندسة المساحة واعتبار حجم الفرد داخل البناء المعماري واتباع النسق الرياضي في التخطيط الأفقي والعمودي، واعتماد الزوايا ومزيد تطوير البعد الخطي داخل الفضاء الخلفي ما يعطي خلفية تتسم بالبعد، تجاوزت خلفيات جيوتو الأولية، التي تتماهى مع الطبيعة وتخضع للعناصر القدسية (يد الله، الملائكة المحلقة، الرسل..). فاتضح بذلك أن المنظور ليس مجرد قياس معماري، بل جملة من الأبحاث البصرية الرياضية، التي تؤدي إلى دخول غمار تجربة بصرية جديدة لفهم العالم، بواسطة التفكير والتنظير، بدل الحجم والشكل، ومن العناصر التي زادت الأعمال أصالة وتناسقا وتجديدا مراعاة حضور الفرد وأهميته، سواء في التناول (قراءة، تأويل، تطويع) أو في حضوره كعنصر مكمل للعمل (شكل فني، حجم، جسم).
أدى تكامل العمل ومزجه بين المرجع العتيق والمبحث النهضوي الجديد، إلى خلق التوازن بين الوظيفة والتزويق، فظهر البناء المعماري مسلحا بعلامات فريدة تجاوزت معطى الحجارة والخامات، إلى معطى التقريب بين الفرد والجمال والوظيفة النفعية، ومثلت المربعات المزركشة والمسلحة بالخطوط المنحوتة، بمثابة عناصر حيوية جديدة تضخ الحياة، وتضيف التنوع والتفرد، فيما مثلت الدائرة المركزية، عنصر تمويه يجعل المشاهد يسافر بعيدا لمزيد الانفتاح على المعنى الحقيقي للأشياء وزيادة فهم العالم، علاوة على الحفاظ على البعد الأيقوني الخلاّب بالحفاظ على الوظيفة القدسية، خاصة بترك العلامات الرسولية، وإشارات الصلوات وموقع القداس والجرس والرسومات الدينية اليسوعية في البهو الداخلي. حافظت مجمل المباحث العقلية الإنسانية، على الرغم من تحررها وتطورها على البعد المقدس، على الرغم من التحرر النسبي الذي أضافته الاكتشافات ودور العلم والقياس والميكانيكا والتشريح، فكان مصير الفن التشكيلي منذ تأسيسه مرتبطا بالمعاني السامية والمثالية، التي حافظت على المعنى الجمالي، قبل أن يهدمه التجريد، لكن تغير المعطيات وتحول الفهم لدى الأفراد، أدى إلى إلغاء المعطى الجمالي كعنصر فلسفي يعتمد على الوفاء والتمثيل المطلق والمعنى الميتافيزيقي، إلى مجرد معطيات اجتماعية مطيعة طاعة مطلقة لصانعها، مستجيبة استجابة مطلقة للمتلقي، فغدا بذلك البحث في الكمال وتثمين معجزات الخلق مجرد وهم أمام العجز البيئي والأزمات الكونية المتتالية والحروب المدمرة وتطاول التكنولوجيا، ليبدو الإنسان مجرد رقم أمام هيمنة الأرقام، ويتحول المبحث الجمالي إلى تكديس لتمثيلات لا جمالية زائلة.