«نوستالجيا» تاريخية في المغرب: «عاطفة الأمس… روح شالّة»

الطاهر الطويل
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: شهد موقع شالّة الأثري المجاور للعاصمة المغربية الرباط عرضا فنيا حيا من إخراج الفنان أمين ناسور، وذلك ضمن ما يسمى «مسرح المواقع»، اختير له عنوان «نوستالجيا: عاطفة الأمس»، يعكس غنى الذاكرة المغربية وتنوع الحضارات التي مرت في البلد.
وكتب محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، في حسابه الرسمي على «فيسبوك» أن «نوستالجيا» ليست مجرد عرض، بل تجربة ثقافية وتاريخية عميقة تمزج بين الفن والتكنولوجيا، وتُقرب الماضي من الحاضر برؤية إبداعية معاصرة. كما حفلت صفحات التواصل الاجتماعي بتدوينات ومقالات تبرز قيمة هذه التجربة الفنية ودلالاتها الإبداعية والحضارية المتعددة.
في هذا الصدد، كتب الفنان الممثل محمد حمزة الذي شارك في هذا العمل، أن العرض ينبض بروح جماعية ووعي جمالي، يعيد مساءلة الذاكرة الوطنية بلغة الفنون الحية، ويمنح الجمهور فرجة تحتفي بالتاريخ وتحاوره.
وأضاف أن المشروع تميز برؤية إخراجية ناضجة قادها الفنان أمين ناسور، وهو مخرج مسرحي مغربي عُرف بأسلوبه المعاصر الذي يجمع بين البحث الجمالي والتجريب الإبداعي، ما أهّله ليكون من أبرز الأسماء في المشهد المسرحي المغربي الحديث، إذ صاغ في «نوستالجيا» أسلوبًا فنيًا يربط بين الفضاءات والحقب، ويُبرز خصوصية كل محطة في سياقها الجغرافي والثقافي، ضمن توليفة درامية تجمع المشاهد في بناء بصري وسردي متماسك.
ولم يكن الأثر مقتصرًا على الجانب الفني والجمالي فحسب، بل شمل أيضًا تشغيل عدد كبير من الفنانين والتقنيين والمشتغلين بالمجال المسرحي، ما منح دفعة قوية لدينامية سوق العمل الثقافي، وأسهم في تمكين الكفاءات الوطنية من العمل ضمن إنتاج ضخم يُراهن على الجودة والتكامل.
وذكر محمد حمزة أن العرض تميز بأزياء تعكس تعاقب الحقب التاريخية، وديكورات حيّة آسرة، وسيناريو محبوك اعتمد عنصر الحكي، وسردًا دراميًا شارك فيه رواة محترفون، إلى جانب خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، في فسيفساء فنية غنية بالرموز والإشارات الجمالية.
وختم شهادته بالقول إنها تجربة متعددة الأبعاد، تتجاوز حدود الفرجة، وتعيد بناء علاقة جديدة مع التاريخ والتراث، عبر لغة فنية تستلهم من الماضي وتخاطب الحاضر، في أفق ترسيخ مسرح مغربي نابض بالحياة، ومنفتح على ذاكرة البلاد وتراثها غير المادي.
وتحت عنوان «نوستالجيا حين يستنطق التاريخ»، أثنى الكاتب والفنان منصف الإدريسي الخمليشي على العرض الفني، من خلال تدوينة ورد فيها: بين أسوار شالة العتيقة، حيث تتكلم الحجارة بعبق الماضي، انبعثت أرواح عظماء صنعوا مجد هذا المكان: يوبا الثاني، بطليموس بن يوبا، لوكيوس كايوس ألبينوس، ماركوس فاليريوس فيرون، شخصيات خلدت في ذاكرة المغرب الكبير، تعود إلينا اليوم في عرض مسرحي يحمل عنوان «نوستالجيا ـ عاطفة الأمس، روح شالة»، تحت إشراف المخرج المسرحي أمين ناسور.
وتابع قائلا: «اعتمد العرض على توظيف جمالي لفنون الفرجة ومهن المسرح، جامعا بين السيرك، والسينوغرافيا (الديكور، الموسيقى، الأزياء)، بروح بريشتية تنهل من أسلوب التغريب، لتصوغ رحلة فنية تسافر بنا بين الأزمنة. من العصر الروماني ننتقل بسلاسة إلى العصر المريني، حيث نكتشف وجوها من التاريخ المغربي المشرق: السلطان الأسود أبو الحسن علي المريني، ابنه أبو عنان فارس، العالم لسان الدين بن الخطيب، المؤرخ ابن خلدون، وشمس الضحى زوجة السلطان».
ولاحظ الكاتب أن عرض «نوستالجيا» يعتمد مقاربة تشخيصية هادئة، تتجلى في إشارات ركحية تجعل من الحركة قصة، ومن القصة فعلا، ومن الفعل سلوكا.
وأكد أن «مَسْرَحَة المواقع الأثرية دليل على أن المغرب يحمل تاريخا زاخرا لا يقل أهمية عن أي حضارة أخرى. إن كان لهم الإسكندر الأكبر، فلنا مولاي إدريس، وأبو الحسن المريني، ويوسف بن تاشفين»… وتساءل: «ماذا لو استثمرت الثقافة المحلية والتاريخ في خدمة الفن سواء المسرح أو السينما؟» ليشير إلى أن المسرح والسينما قادران على إحياء شخصيات مثل محمد بن عبد الكريم الخطابي، الزرقطوني، وغيرهم من رموز المقاومة الذين مارسوا طقوس التأمل، وانغمسوا في عوالم التصوف ليبلغوا ذروة النشوة والتحرر. أولئك الأبطال، إذا ما جسدت سيرهم في عروض فنية، ستشكل اعترافا صريحا بسلف بنى ركائز الدولة، وضمانا لاستمراريتها، دفعا لحركية ثقافية واقتصادية حقيقية.
وكتب الناقد والباحث الدكتور خالد أمين قراءة في العرض المسرحي، جاء فيها أن شالة تُشيِّد سردًا تاريخيًا مُركَّبًا من خلال بنيتها الطبقية، حيث تتداخل آثار الفينيقيين والرومان والمرينيين لتُشكِّل «نصًا» تأسيسيًا للفرجة، بمثابة سجل أركيولوجي حي يروي حكايات الحضارات المُتلاحقة. فأداء المخرج المتألق أمين ناسور وفريقه الفني والتقني الذي يضم ثلة من خيرة المبدعين هنا لا يكتفي بسرد وقائع التاريخ، بل يُجسِّد هذا التناسج الحضاري بصورة محسوسة، مُتيحًا للجمهور إمكانية «قراءة» طبقات التاريخ بصورة مُجسَّدة وفكرية، وكشف النقاب عن البصمات الزمنية المُتراكمة في ثنايا المكان.
واستطرد قائلا إن دراماتورجيا أمين ناسور تتبنى مُقاربة إبداعية تتخطى القيود الدراماتورجيا التقليدية، لتُحوِّل الموقع إلى مُكوِّن أساسي وفاعل في التجربة الفنية. فالموقع هنا ليس مُجرَّد فضاء للعرض، بل هو شريك وجودي في الفعل الإبداعي، يتحول إلى «نص» يُعاد تأويله وتفسيره وإعادة كتابته من جديد من خلال لغة الأداء العابرة للحدود بين التخصصات الفنية. وتُصبح حركة الجمهور جزءًا جوهريًا من العرض، مُحوِّلًا إياهم من مُتلقِّين سلبيين إلى مُشاركين نشطين في بناء المعنى. وتُستخدم عناصر حسية مُتنوعة، مثل المؤثرات الصوتية المُحيطة والأطياف المرئية العابرة، لإثراء التجربة واستحضار أشباح الماضي الساكنة في المكان.
ولاحظ خالد أمين أن عرض «روح شالة» يقدّم سردًا تاريخيًا مُتعدِّد الأوجه، يتنقل ببراعة بين حقب زمنية مُختلفة، مُستحضرًا ذاكرة الرومان والأمازيغ والمرينيين، مع إشارة مُوجزة إلى العصر العلوي، مُشكِّلًا نسيجًا تاريخيًا مُتكامِلًا يُبرز استمرارية الهوية المغربية عبر تعاقب الحقب.
كما يرى أن «فرجة شالة» تمثل تجربة استثنائية في تفاعل الجمهور، حيث يُنظر إليهم كعناصر فاعلة في صياغة الذاكرة المُشتركة. فمسار العرض يُوجِّه الجمهور في حركتهم ومُشاركتهم، مُحوِّلًا إياهم من مُتلقِّين سلبيين إلى مُشاركين نشطين في بناء المعنى. وختم بالقول إنه لتحقيق أقصى استفادة من الأثر الثقافي والتاريخي لفرجات المواقع مثل «روح شالة»، وضمان استدامتها وتعزيز السياحة الثقافية وتشغيل خريجي المعاهد الفنية والجامعات، يلزم تبني استراتيجية مُتكاملة تشمل إدراج هذه العروض ضمن المسارات السياحية الرسمية والترويج لها باحترافية.
وفي تدوينة حملت عنوان «من قال إن المغاربة لا يقبلون على ما هو ثقافي وفني؟» كتبت الصحافية مريم بوتورات أن عرض «نوستالجيا: عاطفة الأمس»، الذي اختير له في هذه النسخة في الرباط ثيمة «روح شالة»، هو بالمناسبة جزء من سلسلة عروض شملت مراكش وفاس، ما يشكل فرصة جميلة للصغار والكبار كذلك للغوص في تاريخ المغرب، والتعرف على بعض الشخصيات بطريقة فنية جميلة تفتح الشهية للبحث أكثر في محطات من تاريخ المملكة. واستحضرت الصحافية بعض شخصيات العرض كـ«بطليموس» و«لسان الدين بن الخطيب»، وأضافت أن العرض كان من بطولة فنانين وخريجين وطلبة من المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي الذين كانوا في تواصل إنساني جميل مع الجمهور طيلة مراحل العرض، المتنقل بين حقب تاريخية مختلفة.
وكتب الناقد والإعلامي السوداني عصام أبو القاسم الذي حضر عرض شالة: «تقوم فكرة هذا العمل المتجول، الذي عرض في عدد من المواقع الأثرية بالمملكة، على تجسيد جزء من التراث الحكائي المرتبط بمناطق ذات عمق تاريخي. يعتمد العرض في تنفيذه على صيغة «مسرح الموقع»، حيث يسلط الضوء على الخصائص المعمارية للمكان وتاريخه وأجوائه. ففي كل منطقة أثرية يُقدم فيها، يغير العرض مضمونه ومنهجية تجسيده ليتناغم مع خصوصية هذا الموقع الأثري الجديد، ويغير كذلك فريقه التمثيلي والتقني ليكون من أبناء المنطقة ذاتها. بهذا، يُتيح العرض فرصة عمل للمزيد من الممثلين، ويتيح لنفسه أن يتجدد باستمرار ويزيد من عدد الشركاء الذين ساهموا في إنجازه».
وأفاد بأن هذا العمل عرض في مدن ومناطق عديدة، وحظي بإقبال جماهيري كبير في كل مرة، من المغاربة وزوار تلك المناطق الأثرية من الأجانب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية