صفقات معادن أفريقيا مقابل الأمن: اتفاقيات غير متكافئة ومحفوفة بالمخاطر تهدد السيادة وتستنزف الثروات

عبد الله مولود
حجم الخط
0

نواكشوطـ «القدس العربي»: في خضم سباق محموم بين القوى الدولية الكبرى للسيطرة على الثروات الأفريقية، تتزايد الصفقات المثيرة للجدل التي تقوم على مبدأ «المعادن مقابل الأمن»، حيث تسلم بعض الدول الأفريقية مفاتيح ثرواتها الطبيعية الحيوية مقابل وعود بتوفير الحماية أو الاستقرار.
ورغم ما يبدو من إغراءات فورية تحملها هذه الاتفاقات، فقد حذر خبراء من أنها قد تفتح أبوابًا لفقدان السيطرة على الموارد الاستراتيجية، مع تقويض السيادة الوطنية، وتكبيد القارة خسائر اقتصادية يصعب تعويضها.
وتحدث تقرير أعده باحثان من جنوب أفريقيا ونشر مؤخرا في مجلة «ذا كونفرسيشن» عما سماه «خطورة اتفاقيات تقوم على مبدأ المعادن مقابل الأمن»؛ مؤكدا «أنها قد توفر استقرارًا ظاهريًا على المدى القصير لكنها تحمل في طياتها تهديدًا حقيقيًا لسيادة الدول الأفريقية على ثرواتها الطبيعية، كما تعرض دول القارة لخسائر مالية كبيرة على المدى البعيد».
وانتقد التقرير المنشور تحت عنوان «لما ذا تعد مقايضة معادن أفريقيا بالأمن خيارًا سيئًا؟»، ما وصفه بـ «التوجه المتزايد نحو عقد صفقات تُمنح بموجبها قوى أجنبية امتيازات في قطاع المعادن الأفريقي مقابل وعود أمنية مبهمة وغير ملزمة».
واستشهد التقرير باتفاق وقعته مؤخرا جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا برعاية أمريكية، يهدف إلى إنهاء الصراع المزمن في المنطقة، وخلق إطار للتكامل الاقتصادي الإقليمي؛ غير أن هذا الاتفاق يمنح في المقابل، وفي نفس الوقت، للولايات المتحدة امتيازات واسعة للوصول إلى معادن استراتيجية مثل الكوبالت والذهب والليثيوم والتنتالوم، دون أن يُلزم واشنطن بأي التزامات أمنية مباشرة.
وتضمن الاتفاق إنشاء لجنة أمنية مشتركة تضم الاتحاد الأفريقي وقطر والولايات المتحدة لكن مهامها تقتصر على تلقي الشكاوى وتسوية الخلافات ولا تشمل تدخلًا عسكريًا أو ضمانات أمنية فعلية ما يثير مخاوف من أن تتحول هذه الاتفاقات إلى آلية لإضفاء الشرعية على استغلال الموارد الأفريقية تحت غطاء السلام الإقليمي.
وأشار التقرير إلى أن هذه الصيغة من الاتفاقيات ليست جديدة حيث سبق أن اعتمدت بعض الدول الأفريقية منذ مطلع الألفية على نمط «المعادن مقابل البنى التحتية» الذي تقوم بموجبه دول مثل الصين وروسيا بتمويل مشاريع ضخمة في مقابل امتيازات تعدينية؛ لكن النتائج جاءت دون الطموحات إذ لم تؤدِ هذه الصفقات إلى تمكين الدول المضيفة من التحكم الكامل في مواردها أو تحقيق قيمة مضافة حقيقية.
وحذر الباحثان معدا التقرير «من أن اتفاقيات المعادن مقابل الأمن تحمل مخاطر أكبر من سابقاتها إذ غالبًا ما تكون معقدة وغير شفافة وتُبرم دون رقابة برلمانية وتؤدي إلى تآكل السيادة من خلال بنود قانونية تقيد قدرة الدول على تعديل تشريعاتها أو التفاوض مستقبلا على أسعار أفضل للمواد الخام، كما يتم غالبًا تحويل النزاعات الناشئة عنها إلى هيئات تحكيم دولية بدل القضاء المحلي مما يعزز التبعية القانونية ويضعف المنظومة القضائية الوطنية».
ويرى معدو التقرير «أن هذه الاتفاقات تقوض مبدأ الشفافية والمحاسبة في إدارة الموارد إذ تُدار عبر وزارات متعددة مثل الدفاع والمالية والتجارة دون آليات رقابية واضحة ما يفتح الباب أمام النفوذ السياسي والفساد ويعرض الموارد الوطنية للاستغلال من قبل نخب محلية مرتبطة بشبكات المصالح الأجنبية».
كما نبه التقرير إلى «أن ربط الأمن القومي باستغلال المعادن قد يؤدي إلى تدهور أوضاع حقوق الإنسان والبيئة خاصة في المناطق المتوترة حيث تزداد احتمالات انتهاك حقوق السكان المحليين وتدمير النظم البيئية نتيجة لأنشطة التعدين غير الخاضعة للرقابة الصارمة».
وفي ضوء هذه المخاطر المتعددة، دعا التقرير الدول الأفريقية إلى الاستثمار في تقوية مؤسساتها التفاوضية والقانونية لضمان توقيع اتفاقيات منصفة تضمن الشفافية وتحمي السيادة وتحفز خلق القيمة محليا، كما أوصى بعدم التورط في أي اتفاق يتجاهل المعايير الحقوقية والبيئية أو يعطل دور المؤسسات التشريعية في الرقابة والمساءلة.
وفي سياق متصل، تحدث تقرير أخير لمعهد السياسات الأفريقية عن تسارع الطلب العالمي على المعادن الحيوية للانتقال الطاقوي؛ مؤكدا «أن القوى الكبرى تتجه بقوة نحو أفريقيا لتأمين مواردها، غير أن معظم الاتفاقات المبرمة مع الدول الأفريقية تفتقر إلى الشفافية، ما يحد من مكاسبها الاقتصادية والاجتماعية.
واستعرض التقرير، 65 اتفاقية بين دول أفريقية و12 قوة عالمية، تتقدمها الصين بـ11 اتفاقًا، تليها الهند وتركيا والسعودية، في حين برزت دول مثل زامبيا والكونغو الديمقراطية وجنوب أفريقيا كشركاء مكررين في هذه الصفقات.
وتتخذ هذه الاتفاقات مسميات متنوعة مثل «شراكات استراتيجية» أو «مذكرات تفاهم»، لكنها غالبًا ما تُبرم دون تفاصيل معلنة أو التزام قانوني، مما يجعل من الصعب تقييمها ومقارنتها، حتى بالنسبة للاتفاقات المعلنة مع الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة.
وحذر هذا التقرير كسابقه، من أن بعض هذه الشراكات تُوظف لخدمة أجندات جيوسياسية، كما في حالة روسيا وتركيا، حيث تتقاطع مصالح المعادن مع النفوذ الأمني والعسكري.
كما شدد التأكيد على ضرورة تعزيز الشفافية والمساءلة في هذه العقود، لضمان مواءمتها مع مصالح الشعوب الأفريقية، وحماية الحقوق والسيادة في سياق صراع عالمي محموم على ثروات القارة.
وفي وقت تبدو فيه هذه الصفقات وكأنها مخرج سريع من أزمات أمنية واقتصادية معقدة، يطالب خبراء القارة باليقظة والتروي، مؤكدين أن الحفاظ على السيادة والتحكم في الموارد لا يقل أهمية عن الأمن، بل قد يكون أساسه الحقيقي؛ فبدون شفافية ومحاسبة وتعزيز للقدرات التفاوضية، ستظل أفريقيا رهينة لاتفاقات غير متكافئة تستنزف ثرواتها وتؤجل أزماتها بدل أن تحلها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية