كان ذلك في مطلع شهر أغسطس/ آب من عام 2019، حين زرت تونس لنشاط ثقافيّ، وعرفت صدفة، وفي اليوم نفسه، أنّ تاريخ 3/08/2019، يحمل حفلين في مكانين مختلفين، حفلا للموسيقار زياد الرحباني، في الحمامات المدينة الساحلية الخلّابة المنثورة على شاطئ البحر المتوسط، وحفلا للمغنية اللبنانية نانسي عجرم في مدينة بنزرت، ضمن مهرجان بنزرت. ذهبت لشراء تذكرة لحفل زياد، وتبيّن لي أنّ تذاكر حفله نفدت، فاشتريت تذكرة لحفل نانسي عجرم. حملت تذكرة نانسي، وعيناي على حفل زياد الرحباني، ولم يهدأ لي بال على هروب فرصة حضور حفل زياد، وتشنيف أذنيّ بمعزوفاته العذبة، وأغانيه الساخرة والجريئة.
بدأت أنوب وألوب عن حلّ. هاتفت إعلامية تونسية، ناشطة في حقل الثقافة، لهذه المهمة، وكان أن جرت الرياح بما اشتهت السفن، وقد نجحت أن توفّر لي تذكرة ومكانا، في الصف الأوّل من المدرج.
سافرت من العاصمة تونس إلى مدينة الحمامات، التي تبعد عنها ساعة سفر، إلى المركز الثقافي الدوليّ، الذي غصّت مدرجات مسرحه، من أدناها إلى أقصاها، بجمهور زياد الرحباني. استُقبل زياد الرحباني وفرقته القزحية الجنسيات، المكوّنة من 15 موسيقيّا، بعاصفة من التصفيق والهتاف.
زياد عازف البيانو
كان زياد الرحباني في هذه الأمسية، عازفا موسيقيّا مُبدعا، لم يُغَنِّ ولم يتحدّث. لم يكن كما هو، صوتا ثائرا مُشاكسا، أو مسرحيّا ساخرا، بل كان صامتا وسارحا في العزف، بوجه غامض مثل موناليزا. لم يشارك جمهوره، ولم يتفاعل مع هتافاته، لم تفرّ من فمه، طوال الأمسية سوى بضع كلمات، لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. كان منسجما مع معبودته آلة البيانو، إذ ترك أصابعه تداعب مفاتيحها، لتخرج معزوفات عذبة تشنّف الآذان، وتسرق الأرواح إلى عالم جميل هادئ. كان زياد الموسيقي وحده، منشطرا من ذاته المغنّية، والساخرة، واللاسعة، والناظرة إلى الناس. من غنّى وأبدع في هذا الحفل، في صومعة زياد الرحبانيّ وتحت مظلّته وبين معزوفاته، مع عوده الرنّان، المطرب المصريّ المبدع العوّيد حازم شاهين، خاصة في أغنية «تلفن عيّاش». قُدّت في هذه الأمسية معزوفات وتنويعات غنائية من تأليف زياد، منها «الشرق الأوسط» و»هدوء نسبيّ»، و»الأمل»، «شوه الأيام»، و»أمرك سيدنا»، و»تلفن عياش». كان الرحبانيّ في هذه الأمسية صامتا ومُتعبا، وهو الحامل في معزوفاته وكلماته، الهمّ العربيّ من محيطه إلى خليجه. لم يبتسم زياد، اكتفى بتحية متواضعة، لم يرد ولم ينظر إلى الصبية، التي هتفت حين أطلّ، وسط عواصف التصفيق «كيفك زياد؟». كثير من الجمهور صُدم من صمت زياد، في هذه الأمسية المشتهاة والمنتظرة في تونس، على أحر من الجمر. مهما يكن من أمر، لقد نقش زياد الرحباني في سفر الموسيقى مزامير جديدة، ما عرفتها الموسيقى العربية من قبل. لأنّه التزم بالفنّ الأصيل، وعاش في الفن، كما أنّ الفنّ عاش فيه.
زياد المشاكس الخارج عن السرب
لقد سلّط زياد الضوء بسخرية سوداء، على أمور هامشية صغيرة، نعيشها ولا ننتبه إليها، فأصبحت مهمة وعميقة في عيوننا، فسكن قلوب الملايين. أدهشنا بنبوغه وفطنته في تصوير خمول مجتمعاتنا، بسخرية لاذعة «بقربوا وبأخروا الساعة ساعة، وبرجعونا 10 سنين لورا، شو فيه ورانا؟ لشو بيلعبوا فيا للساعة؟». لقد نحت زياد الرحباني، بحروف اللغة (اللهجة) اللبنانية المحكية، بنيانا مرمريا من الكلمة الهادفة والموسيقى الملتزمة، التي تحكي قضايا الفرد والسلطة، في زمان انقطاع الخبز والكهرباء عن البلد. زياد الرحباني مدرسة فنّية، تضاهي مدرسة أبيه وأعمامه الرحابنة. لقد عزف زياد الرحباني، بفنّه الملتزم الرّاقي، على أوتار المهمّشين والمعذّبين والمتعبين، من خلال تسييس الأغنية والتزامها بهموم الإنسان اليومية. لقد غنّى في الظلال، بصوت جريء وأسلوب فضائحيّ وبسخرية سوداء، أضحكت ملايين الموجوعين. لقد كتب ولحّن وغنّى زياد الرحباني، الكلمة المحكية البسيطة العميقة، ونثر الفرح والضحك على خراب الحرب في بلده. هذا الراهب الموسيقيّ، الملتزم بالفنّ الأصيل، قدّم أغاني ساخرة بموسيقى ساحرة. نذر حياته للموسيقى، محتفيا ومجسّدا مقولة شوبنهاور، إنّ الموسيقى ترمّم الأرواح المحطّمة.
كتب المسرحية المغنّاة المُمَوسقة، فقد غنّى المسرحية وَمَسرَحَ الأغنيّة، التي تحاكي الواقع. ألّف التمثيليات اللاسعة واللاذعة، المُضحكة حتى البكاء. لقد سخر بمرارة وباروديا لا مثيل لها، من واقع عربيّ سرياليّ عجيب عُجاب، ومجتمع استهلاكيّ بامتياز ومقلوب القيم «شوه الأيام اللي وصلنالها / قال إنّه غنيّ عم يعطي فقير…/ بيقولوا لك من عرق جبينه / طلّع مصاري هالانسان / طيّب كيف هايدا وكيف ملايينه / وما مرّه شايفينه عرقان «
ما أحوجنا في زمننا إلى مرهم موسيقيّ أصيل، وإزميل حادّ لتكسير أصنام اجتماعية، ترسّب عليها تخلّف اجتماعيّ وسياسيّ من عقود! ما أحوجنا إلى أغانٍ عميقة في زمن التفاهة وغناء « بلاي باك « playback.
رحل زياد جسدا، لأنّه عرف وتوقّع كما غنّى « أنا موش كافر، بس المرض كافر!». لكنه سيبقى مدرسة شعبيّة حداثية وملتزمة بالفنّ الأصيل، والتحريضيّ على الغناء التافه والرخيص، عاش مقهورا ورحل مقهورا من واقع ولا أقسى، لأنّه احترف واحترم الفن، وهذه ثنائية نادرة في زمن استهلاكي، خلاصته «شو هالأيام اللي وصلنالا».
كاتب فلسطيني