‘حل الدولتين’.. هل ما يزال ممكنا؟

حجم الخط
0

د. نادية سعد الدين لم يعد ‘حل الدولتين’ ممكن التطبيق خلف المنعطف القادم على الأقل، ليس، فقط، بسبب الانشغال الأمريكي بالانتخابات الرئاسية النصفية، المقررة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، رغم حرص واشنطن على إبقاء عجلة جهود إحياء العملية السلمية دائرة، أو بسبب موقف الحكومة الإسرائيلية اليمينية الرافض للعودة إلى التفاوض وفق مرجعية حدود عام 1967 ووقف الاستيطان باعتبارها مطلباً فلسطينياً لاستئناف المفاوضات. وإنما، أيضاً، لأن مساحة الأراضي التي كان من المفترض تخصيصها لإقامة الدولة المنشودة عام 1999، وفق أوسلو (بانتهاء المرحلة الانتقالية)، امتلأت بالمستوطنات والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية، ضمن سياسة الاحتلال لإفراغ مشروع إقامة دولة فلسطينية متصلة ومستقلة من أي مضمون فعلي، في ظل الانحياز الأمريكي المفتوح للاحتلال، والأوضاع المتدهورة في الأراضي المحتلة، وخطوات المصالحة المتعثرة.وتكمن الإشكالية، هنا، في تحوير مبدأ حل الدولتين بما يتواءم مع وقائع الاحتلال المفروضة على الأراضي المحتلة، وينسجم مع موقفه من ماهية وكنه الكيان الفلسطيني المتشكل، عبر مسعى أمريكي إسرائيلي لطرح صيغة ‘الدولة الفلسطينية’ قبل الحل النهائي، بجعل ‘الدولة المقترحة’ بديلاً عن قضايا ‘الوضع النهائي’، لكونها صعبة الحسم القريب، وليس حلاً يدرج في إطار تسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي بصفته أحد مخرجاته التفاوضية.وجد هذا الطرح مكانه مؤخراً خلال ما سمي ‘بالمحادثات الاستكشافية’ الفلسطينية ـ الإسرائيلية، التي عقدت في عمان مطلع شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، مثلما قارب حوارات ثنائية متفرقة قبيل ركونها للجمود منذ أشهر، بما يشوّه حقيقة الصراع ويضرّ بالقضية الفلسطينية، ويحمل محذور التناقض البنيوي مع حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم.أولاً: تتحدث غالبية المقترحات التي نشطت أخيراً لإحداث حراك في العملية السياسية عن دولة فلسطينية بلغة الوضع النهائي، وقد تكون دولة انتقالية ذات حدود مؤقتة كما ورد في خريطة الطريق (2003)، لن يتم تحديدها بصورة نهائية إلا في غضون عشرين أو ثلاثين عاماً، بحيث تأخذ قضايا الوضع النهائي، عند قيامها، بالتفكك حدّ التلاشي. فإذا قامت دولة فلسطينية دون الاعتراف بحق العودة، فإن اللاجئين، وفق تعبير المفكر العربي عزمي بشارة، سيعتبرون مواطنين في الدولة الفلسطينية، حتى وإن كانوا يعيشون في الخارج، بحيث تتحول قضية اللاجئين إلى قضية مهاجرين أو رعايا أجانب، فامتلاكهم جوازات سفر فلسطينية سيحل مشكلة المواطنة في الدول المضيفة، فيما ستكون لهم جنسية وجوازات سفر و’دولة’ يستطيعون نظرياً العودة إليها إذا رغبوا بذلك. وحتى مع قيام دولة في غزة وعلى 40′ من الضفة الغربية، حسب اقتراح رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرئيل شارون، فإن المسائل المتصلة بالاحتلال ستختفي من خلال تغيير المصطلحات، بحيث تستبدل عبارة خلاف أو نزاع بين دولتين بعبارة الاحتلال، وتحل عبارة المهاجرين محل اللاجئين. وسيسعى الاحتلال إلى توسيع المستوطنات الواقعة في مساحة 60′ المتبقية من أراضي الضفة الغربية، تمهيداً لخلق وضع يتمثل في دولة إسرائيلية موسعة تحتوي على مناطق كبيرة متصلة من أراضي الضفة الغربية، مقابل ‘كنتونات’ مفتتة غير متصلة جغرافياً يحشر فيها الفلسطينيون تحت مسمى ‘دولة’. ولأن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة المتبقية من يدّ الاحتلال لا يمكن لها استيعاب عدد اللاجئين الفلسطينيين، فإن مجرد طرح عودتهم إلى الدولة المستقبلية يشكل انتقاصاً من حقهم وتجاوزاً له.ولأن الضفة الغربية والقطاع لا يمثلان سوى 22′ تقريباً من إجمالي مساحة فلسطين المحتلة بعد استيلاء الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 على 78′ من مساحتها التي باتت تسمى ‘إسرائيل’، فإن ما سيعطى للفلسطينيين لن يكون النصف، وإنما أقل من نصف الرّبع الذي تبقى لهم (أي أقل من نصف الضفة والقطاع). وفي ‘ظل المؤشرات الرقمية لعدد السكان الفلسطينيين الذي يماثل تقريباً عدد سكان اليهود في كل من ‘إسرائيل’ وفلسطين في المستقبل حال قيام الدولة’، بحسب الكاتب الإسرائيلي نيكولاس جويات، فإن ‘الفلسطينيين سيكدسون في حوالي 10’ من الأراضي، بينما تتمتع إسرائيل بنحو 90”، وذلك بعدما حصر اتفاق أوسلو الفلسطينيين في مناطق يسهل احتواءهم والسيطرة عليهم فيها. ومن الناحية العملية، فإن دولة فلسطينية تضم أقل من نصف الضفة الغربية وقطاع غزة، من الصعب أن تشكل كياناً قابلاً للحياة أو النمو، بينما ينوي الاحتلال الانسحاب من المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان الفلسطينيين في الضفة مقابل الاحتفاظ بالأراضي الباقية، مما يجعل الدولة الفلسطينية المستقبلية أشبه بمجموعة من الجزر في بحر يسيطر عليه الكيان الإسرائيلي. ومع تسارع وتيرة الحركة الاستيطانية، التي أوصلت عدد المستوطنات إلى 160 – 180 مستعمرة تضم زهاء 720 ألف مستعمر في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس، فضلاً عن مواصلة بناء الجدار العنصري، فإن ثمة تساؤلات تثار حول إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً على ذات الأراضي المحتلة عام 1967، بحيث بات الأخذ بناصية الدولتين سبيلاً لحل الصراع يكاد يتلاشى بسبب سياسة الاحتلال العدوانية. ولا يعبّر حديث الساسة الإسرائيليين عن ‘الدولة الفلسطينية’ عن تغير في المواقف، وإنما لأنها النتيجة المتحصلة من عدم إمكانية طرد الفلسطينيين في عملية تهجير جديدة أو ضمهم إلى الكيان الإسرائيلي، حيث تبقى ‘الدولة’ بالنسبة للكيان المحتل هي الطريق الأصوب لحل كافة الإشكاليات المتعلقة بالفلسطينيين، على أن لا تتجاوز مساحتها أو مفهومها عن أسرّ مفهوم الحكم الذاتي، أي أصغر رقعة من الأرض بأكبر عدد سكان من الفلسطينيين مع ضمان عدم اتصالها جغرافياً أو تحقيق السيادة الفلسطينية عليها، أي كما يريد شارون، غزة و40′ من الأوصال المتبقية من الضفة الغربية. وعلى الرغم من أن بعض اليسار الإسرائيلي يزعم علناً تصالحه مع فكرة إقامة دولة فلسطينية، إلا أنه يرفض تقديم تنازلات تتعلق بالأراضي المحتلة سنة 1967 اللازمة لإقامة الدولة، وسط تغييرات مستحدثة فيها لا يمكن أن تؤدي معها إلى دولة. ثانياً: لم يخرج الموقف الإسرائيلي من الكيان الفلسطيني المستقبلي عن إطار حكم ذاتي تنحصر حدود صلاحياته ضمن الاهتمام بالأوضاع المدنية والدينية والحياتية للسكان، فيما تتحكم سلطات الاحتلال بشؤونه الأمنية والسيادية، وهو أقصى ما خرج به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عندما تناول في خطابه (حزيران/ يونيو عام 2009) لأول مرة ‘حل الدولتين’ تحت ضغط الإدارة الأمريكية، بعد التزامه الصمت والرفض، فتحدث عن دولة فلسطينية منقوصة السيادة ومنزوعة السلاح، تزامناً مع اشتراط اعتراف الجانب الفلسطيني ‘بيهودية الدولة’، وسط مؤشرات حمله لها طيلة فترة تسلمه مقاليد الحكم، التي تنتهي افتراضاً عام 2013، ما لم يتم إجراء انتخابات مبكرة ستعزز من سطوة اليمين المتطرف الآخذ بالتنامي وستشيع جموداً سياسياً على مشهد العملية السلمية.ويتساوق موقف نتنياهو مع توجه الداخل الإسرائيلي، بتياراته الدينية واليمينية واليسارية، الذي يحمل مواقف متشددة تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية العربية المشروعة، برفض العودة إلى حدود 4 حزيران (يونيو) 1967 وتقسيم القدس وحق العودة ووقف الاستيطان، مقابل الحديث عن دولة فلسطينية منقوصة السيادة ومنزوعة السلاح لا تخرج عن أسر الحكم الذاتي المسيطر على السكان دون الأرض. وقد تجلى ذلك عملياً عند تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من قطاع غزة في آب (أغسطس) 2005، والذي جاء، فعلياً، بسبب المقاومة والتكلفة العسكرية والمادية المترتبة على البقاء فيه، ولكنه استهدف، أساساً، فرض السيطرة على أراضي الضفة الغربية وتكثيف الاستيطان فيها، ضمن استراتيجية ضمّ أكبر قدر ممكن من الأرض الفلسطينية واستثناء أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين تحت شعار الحفاظ على ‘يهودية دولة إسرائيل’، وإفراغ مشروع إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للاستمرار من أي مضمون فعلي قابل للتحقيق. ورغم وجود أصوات تنبعث من داخل الكيان المحتل للتحذير من مواقف الحكومة الإسرائيلية المتعنتة تجاه ‘حل الدولتين’ والعملية السلمية، والمنبعثة في أغلبها مما يعرف ‘معسكر السلام الإسرائيلي’، ولكنها تلعب دوراً ثانوياً في المشهد السياسي الإسرائيلي، حيث لم تستطع خلال الفترة الماضية إجبار النخبة الحاكمة على التوجه في مسار معين أو إلغاء قرار يمسّ أساس الصراع، في وقت تستثني فيه بعض القضايا الأساسية في الصراع من بؤر الخلاف، مثل رفض تقسيم القدس وحق العودة. بينما يتعالى صوت القوى المعارضة للسلام في الكيان المحتل، لما يشكله من مصدر تهديد لها، وللوجود اليهودي كله، في ظل محاذيرها من ‘الأغيار’ ومن الانصهار في ثقافة المحيط العربي الواسعة، وخطورة التخلي عن فكرة ‘أرض إسرائيل التاريخية’. وتدرك تلك القوى مسألة التناقض القائم بين الصهيونية بفكرها التقليدي، والسلام والتعايش، مما يفسر سبب معارضتها للسلام، باعتبار الأخير يُعد احتضاراً للفكر الصهيوني التقليدي ونهاية له كثقافة عفى عليها الزمن.ولعل المسعى الفلسطيني الأخير بنقل ملف القضية الفلسطينية مجدداً إلى الأمم المتحدة يترجم فعلياً حقيقة إدراك القيادة الفلسطينية، المتأخر، بعدم رغبة الحكومة الإسرائيلية في السلام، إزاء الانحياز الأمريكي المفتوح للاحتلال، وسعيهما المشترك لتحييد الدور الأممي عن القضية الفلسطينية وحصر الدور الأوروبي في جانب التمويل فقط، واستمرار الأنشطة الاستيطانية القاضمّة لمزيد من الأراضي المحتلة، من دون مبارحة دائرة التفاوض، حيث أعلنت عن استعدادها للعودة فوراً إلى طاولة المفاوضات ولكن ضمن بيئة تفاوضية جديدة مفترض خلقها في الأمم المتحدة، أي أنها لم تضع ذلك المسعى ضمن إطار استراتيجية بديلة عن المفاوضات بعدما أدركت فشلها، فيما قاد ‘إخفاق’ نيل ‘العضوية الكاملة’ أمام التهديد الأمريكي باستخدام ‘الفيتو’ في مجلس الأمن وقطع المساعدات عن السلطة، إلى تصويب المسعى الفلسطيني نحو ‘العضوية الناقصة’، أي دولة غير عضو في الأمم المتحدة، مع تأجيل العودة إلى مجلس الأمن لوقت آخر مناسب.إن الكيان الإسرائيلي غير مستعد لتبديل طبيعته وخطابه الأيديولوجي، رغم محاولاته للتكيف مع المتغيرات الدولية والإقليمية، فهو يبحث عن صيغة (ما) تمكنه من تحقيق السيطرة والأمن دون أن تؤدي إلى اهتزاز الداخل المحتل وفقدان مصداقية المشروع الصهيوني، وهو أحد أهم التناقضات التي تكتنف مسيرة التسوية السلمية.’ صحافية وباحثة من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية