لا يحدث الانهيار في حياة المرأة المبدعة فجأة. إنه يبدأ غالباً بنظرة شك، أو بتعليق ينال من فكرها، أو بعلاقة حب لا تحتمل اتساع روحها، ثم يتطور إلى حصار ناعم، إلى تآكل داخلي بطيء، إلى عزلة تتخذ هيئة مصحّة نفسية، أو صمت يشبه الجنون.
من مي زيادة في المشرق، إلى كامي كلوديل في باريس، ومن سيلفيا بلاث إلى فرجينيا وولف، تتكرر المأساة: امرأة تفكر خارج الصندوق، تحب بلا إذن، وتخلق ما يتجاوز التوقع… ثم تُخذل. لا فقط من الحبيب، بل أحياناً من الأخ، أو الأب، أو المؤسسة، أو المجتمع ذاته. إن ما يسمّى «الجنون» في سير هؤلاء النساء، هو لغة احتجاج نهائية. وما تُسمّى «الخيانة»، ليست حدثاً عاطفياً، بل نظاماً رمزياً يقاوم المرأة إذا خرجت من موقع الزينة إلى موقع الفعل.
مي زيادة: حين يُدان الذكاء وتُخون المحبة
كانت مي زيادة أكثر من مجرد صوت نسوي في زمن النهضة، كانت عقلاً حرّاً تجاوز سقف عصره، وشعلة فكر لم تتكئ على سطوة الرجال. وُلدت في الناصرة عام 1886، وبرزت في القاهرة كأحد أعمدة الحداثة العربية، بمقالاتها، وصالونها الأدبي، وعلاقاتها الفكرية التي تجاوزت الجغرافيا. أحبت جبران خليل جبران من خلال مراسلات طويلة امتدت لعقدين، وظلت تنتظر لقاءً لم يأتِ. وبينما كانت تحاور الكبار وتكتب عن الحرية والهوية والمرأة، كانت تنزف داخلياً وحدة وفقداً، حتى وجدت نفسها بلا والدين، وبلا سند، في وجه عائلة لم تغفر لها تفوّقها.
عام 1939، أودعها أقاربها مستشفى للأمراض النفسية في بيروت، بتهمة «الاضطراب العقلي»، طمعاً في مالها وصوتها. ورغم أن الأطباء أكدوا سلامتها العقلية، بقيت تهمة «الجنون» تلاحقها كوشم اجتماعي. كانت جريمتها ـ في نظرهم ـ أنها اقترفت ثلاث خطايا لا تُغتفر: كانت مستقلة، أحبّت بلا إذن، وفكّرت بصوتٍ يعلو على همس الرجال.
كامي كلوديل: من ظلّ رودان إلى عتمة المصح
لم يكن مصير كامي كلوديل سوى نُسخة أوروبية أكثر فتكاً لنفس النمط: امرأة تمتلك موهبة نادرة، فتدفع الثمن مضاعفاً.
وُلدت عام 1864 في فرنسا لعائلة برجوازية محافظة، وبرز نبوغها المبكر في فن النحت، ما فتح لها أبواب مشغل النحات الأشهر أوغست رودان. وهكذا بدأت القصة: تلميذة متوهّجة، ثم عشيقة، ثم منافسة فنية تهدّد هالة الأستاذ.
لقد أحبت رودان، وشاركت في تصميم أعماله، بل تفوّقت عليه في لحظات نحتها للجسد الأنثوي بأصابع أنثى لا تستعير النظر الذكوري. لكن حين خرجت من ظله، وتمردت على تبعيتها العاطفية والفنية، بدأ الانسحاب. وتحوّلت العلاقة من حب إلى تخلٍ، ومن إشراك إلى إقصاء، حتى باتت تكسر تماثيلها وتكتب رسائل يملؤها اليأس والغضب.
وفي عام 1913، أقنع شقيقها بول العائلة بإيداعها في مصحٍ نفسي، فقضت هناك ثلاثين عاماً حتى وفاتها، دون زيارة من الرجلين، ودون مراجعة قضائية. لم تكن مجنونة، كما أثبتت تقارير عدة، بل امرأة خانها الجميع: الحبيب الذي صادر فنها، العائلة التي فضّلت العار على الحرية، ومؤسسة فنية لم تحتمل نحاتة أنثى تتقن التشكيل دون إذن رجل.
حين تكون المرأة مرآة تقلق الجميع
لم تكن مي زيادة ولا كامي كلوديل سوى فصلين من رواية طويلة تتكرر شخصياتها بأقنعة مختلفة. فها هي سيلفيا بلاث، الشاعرة الأمريكية، تنهي حياتها بعد خيانة زوجها تيد هيوز، تاركة وراءها نصوصاً تحوّلت إلى أيقونات ألم أنثوي.
وها هي فرجينيا وولف، سيدة الحداثة الأدبية، تمشي بثقل حزنها إلى النهر، وتغرق بحجارة كانت أثقل من قدرتها على الاستمرار. ثم فريدا كالو، الرسّامة المكسيكية التي لوّنت لوحاتها بدمها وأعصابها بعد أن خذلها دييغو ريفيرا جسدياً وفنياً، فحوّلت خيانته إلى متحف من الصراخ. وأديل هوغو، ابنة فيكتور هوغو، التي حُكم عليها بالجنون لأنها أحبت رجلاً رفضها، فوجدت نفسها منفية في مصح بعيد عن مجد والدها وأضواء باريس.
القاسم المشترك بين هؤلاء جميعاً؟ أنهن نساء حملن وعياً زائداً، وأحلاماً أكبر من قوالب الحب الموروثة، وجرأةً لا تليق بمقاييس الذكورة. كنَّ بمثابة مرايا قلقة، لا تُرضي النرجسية الذكورية، بل تكشف عوراتها. فكان الردّ: الخذلان، أو التشكيك، أو الحبس في مصحّ يُسمّى مجازاً «الحماية».
في كثير من هذه القصص، لا تكون الخيانة فعلاً عاطفياً مجرداً، بل خيانة وجودية تهدف إلى تقويض كيان المرأة نفسها.
يرى علم النفس التحليلي أن الرجل المتمترس خلف بنية سلطوية ذكورية، يشعر بالتهديد حين تكون المرأة التي يحبّها مبدعة، مستقلة، واعية بذاتها. فهو لا يبحث عن نِدّ، بل عن مرآة تؤكّد له صورته، عن تابع لطيف لا يهزّ ثقته. وعندما تفشل المرأة في أداء هذا الدور ـ لأنها ببساطة أكثر من ذلك ـ تبدأ محاولات الإقصاء: يخونها، أو يتنصّل منها، أو يشكّك في اتزانها النفسي.
الخيانة هنا لا تعني فقط التخلّي عن شريكة، بل نزع الشرعية عن حريتها في أن تكون ما هي عليه. لإنها خيانة لأنثى رفضت أن تهمَّش، أو تُجمِّل، أو تعيش داخل جملة اسمية يبدأها رجل.
في عمق هذا النمط الثقافي المتكرّر، تقبع عقلية تُعرف بـ«الألفا» ـ نموذج الرجل الذي يرى في ذاته محور القيادة ومصدر القرار، سواء في الحب أو الفكر أو الفضاء العام. وحين يدخل هذا الذكر في علاقة مع امرأة تفكّر، وتبدع، وتقرّر دون أن تطلب الإذن، يشعر أن الأرض تهتز تحت قدميه؛ لأنها ببساطة لا تدور في فلكه.
في هذه اللحظة، تصبح الخيانة أداة رمزية لاستعادة الهيمنة: انسحاب يبدو كعقوبة، أو تخاذل يبدو كحسم للسلطة. وكأن خذلان المرأة القوية إعلان يقول: أنا من يُنهي القصة، لا هي. لكن المفارقة الصارخة أن «الألفا الحقيقي» لا يحتاج إلى أن يخون. من يخون هو ذلك الذكر الهشّ، الذي يخاف من امرأة كاملة، فيستبدلها بصورة مطيعة، صامتة، تلمّع هشاشته، وتعيده إلى بؤرة السيطرة.
الجنون: صرخة ثقافية عالية
عبر تاريخ الفكر والمجتمع، كان الجنون هو الاسم الذي يُمنح للنساء حين يُصبحن أكثر وعياً من المسموح، أو أكثر حضوراً من المقبول، أو أكثر صدقاً من الآمن. تُظهر قراءات ميشيل فوكو في تاريخ الجنون، وتحليلات إلين شووالتر في المرض الأنثوي، أن مصطلح «الجنون» حين يُلصق بالمرأة لا يعكس دائماً اضطراباً نفسانياً بمفهومه الإكلينيكي، بل يعمل كآلية ثقافية لإقصاء المرأة حين تصبح فائضة عن الحاجة، أو فائقة على السردية الذكورية.
فالمرأة حين تكتب بحريّة، أو تحب بلا خضوع، أو تُفكّر من خارج الخطوط المرسومة، تُقابل بالريبة أولاً، ثم بالتأديب، ثم ـ إن فشل ذلك ـ يُلقى عليها رداء «الجنون». وهذه ليست وصمة عفوية، بل أداة رمزية لإعادة تأهيلها داخل البنية الاجتماعية: أن تُقصى بصفتها مضطربة خير من أن تُقبل بصفتها حرة.
حين لا تجد المبدعة من يسمعها، أو يرى اكتمالها، أو يمنحها الحق بأن تكون معقدة، متجاوزة، وناقضة، فإنها لا تصرخ بالكلمات، بل بالانسحاب، أو التحطيم، أو الهذيان. وما يبدو انهياراً، يكون أحياناً اللغة الأخيرة في مواجهة عالم لا يسمح إلا بالهمس، ولا يغفر الصراخ إلا إذا جاء من رجل أو في حضرته.
الجنون، في هذه السير شهادة ثقافية على فشل المجتمع في استيعاب المرأة حين تكون حقيقية. هو لغة بديلة، تلجأ إليها عندما تنسدّ لغات العقل، وتخذلها مساحات الحب، وتفقد المؤسسات صدقيّتها.
في لحظات كهذه، يصبح الجنون فعل مقاومة داخلي؛ يصبح نوعاً من التوقيع الأخير على دفتر الغياب، حين تُسقطها السلطة من دفتر الحضور الإنساني.
ولذلك، فإن كل صرخة «جنون» في هذه السير، من مي إلى كامي، ومن بلاث إلى وولف، نداء مكتوم يقول: أنا هنا، لكنكم لم تروني.
لم تكن مي زيادة، ولا كامي كلوديل، ولا سيلفيا بلاث، ولا فرجينيا وولف، ولا فريدا كالو، مجرد حالات فردية في سجل الطب النفسي أو خيبات الحب. بل كنّ نساءً اخترن أن يعشن بكامل وعيهن، بأقصى طاقتهن الروحية والفكرية، في عوالم لا تحتمل الكمال الأنثوي إلا إذا كان صامتاً، منصاعاً، أو مزخرفاً داخل أُطر تقليدية.
هؤلاء لم يَمرضن لأنهن مفرطات في الحساسية، بل لأن العالم مفرط في القسوة. لم يتهشّمن لأنهن ضعيفات، بل لأن السلطة الثقافية عاجزة عن التفاوض مع أنثى لا تُهادن، ولا تكتفي من الحياة بنصف صوت أو نصف حب.
في كل حالة، كانت الخيانة أكثر من عاطفة منسحبة، والجنون أكثر من تشخيص، والخذلان أكثر من قدر. كان ذلك كله جزءاً من بنية رمزية منظمة تعاقب المرأة كلما لامست الجوهر، كلما اقتربت من أن تكون ذاتاً مستقلة، ومصدراً للمعنى، لا مجرد صدى.
من الذي ينبغي أن يُشخّص إذاً؟ المرأة التي صرخت حين لم يُسمع صوتها؟ أم العالم الذي سارع إلى إسكاتها بدعوى الحماية؟ هل حقاً كان اضطراباً نفسياً، أم أنه اضطراب مجتمعي في استقبال عبقرية امرأة؟
لعل السؤال الأعمق الذي يطرحه هذا النمط المأساوي هو: كم من النساء العبقريات لم نعرفهن أصلاً، لأنهن صمتن قبل أن يُتهمن، أو استسلمن قبل أن يُقصين؟ أو قتلن قبل أن يتنفسن الحياة والإبداع؟
في مواجهة هذا التاريخ، لا تكفي إعادة تأهيل المصطلحات، بل إعادة تأهيل الوعي ذاته: أن تكون المرأة المبدعة كاملة، مرئية، ومقبولة، حتى حين تُفكّر بصوت مرتفع، وتحب خارج السياق، وتكتب من منطقة غير مسموح لها فيها بالكلام. وحتى يحدث ذلك، ستبقى سيرة كل واحدة منهن جرس إنذار أخلاقي، وشهادةً على أن من أُسقِطن من ذاكرة المجتمع، هن غالباً من سبقنه إلى الحقيقة.