قبل عدة سنوات وفي وقت كنا قد فقدنا الأمل بالخلاص القريب من نظام آل الأسد، قرأت قصيدة الشاعر ممدوح عدوان «سئمت مناجاة روحي»، التي يقول فيها:
« … ها إني عثرت الآن
على شيء سأفعله بلا استئذان
أموت
لكي أفاجئ راحة الموتى
وأحرم قاتلي من متعة التصويب
نحو دريئة القلب
الذي لم يعرف الإذعان
سأحرم ظالمي من جعل عمري
مرتعاً لسهام أحقاد
وأرضاً أجبرت أن تكتم البركان
أموت وقد نزفت مخاوفي
لم يبق مني غير جلد فارغ
قد صار كيساً فيه بعض عظام».
فكرت أنه في ظرف كالذي كانت تعيشه سوريا تحت حكم نظام حاقد، لم تعرف البشرية له مثيلاً، نظام يستمتع بعذابات الناس ويطرب لسماع معاناتهم على كل الأصعدة، في تلك الظروف يُصبح الموت شعاراً ثورياً «سأحرم ظالمي من جعل عمري مرتعاً لسهام أحقاد». لأن النظام يريد أن يحافظ على حياتك لا كي تعيش، بل ليستمتع بتعذيبك .هو يريدك أن تستمر بالحياة كي يستمتع بسماع أنينك وشكواك فقط . في هذا الوضع ألا يصبح الموت شعاراً ثورياً؟ راية انتصار نرفعها في وجه القتلة الحاقدين.
يروى، والعهدة على الراوي، أنه في بداية الثمانينيات ألقى الأمن العسكري في حماة القبض على شاب ثبت انتماؤه للجماعات المسلحة. وبدأ التحقيق مع الشاب. كانوا يخضعونه لتعذيب مكثف بعدها يسأله رئيس الفرع « ي/ ز» الذي يحضر التعذيب بنفسه.
من الذي نظّمك؟
فيرد الشاب كل مرة بجواب واحد لا يتغير:
حافظ أسد.
تنتهي جولة التحقيق عندما يفقد الشاب وعيه بسبب التعذيب، فيعالجه أحد أطباء الفرع لتبدأ جولة جديدة من التعذيب أشد من سابقتها. ليعود السؤال نفسه.
من نظمك؟
ويرد الشاب بالجواب نفسه
حافظ أسد.
لكن في احدى الجولات التعذيب انتصر الشاب على الجلادين انتصاراً نهائياً فغادر الحياة. نقول انتصر لأن الموت كان ممنوعاً في فترة التحقيق. يسمحون للجلاد أن يصل بالمُعتقل إلى حافة الموت فقط. وبعدها يحضرون طبيباً ليفحصه ويعالجه لأنهم يريدونه حياً. وكان الهدف المعلن هو انتزاع المعلومات، أما في السر فلا بد أنهم كانوا يستمتعون بالتعذيب وأنين الضحايا وصراخهم، يحولون الجسد إلى «مرتع لسهام أحقادهم». عندما تأكد رئيس الفرع من موت الشاب بسبب التعذيب انفجر غضباً وصفع كبير الجلادين، ولم يترك شتيمة لم يشتمه بها. ثم صرخ:
كيف سمحتم له بالموت. كيف سمحتم له بالموت؟ لقد بصق في وجوهنا جميعاً.
كان النظام يُكن حقداً شديداً لممدوح عدوان لأنه يعرف أن ممدوح من ضمن قلة من الأشخاص يعرفون طبيعة النظام العميقة الوضيعة المشبعة بالحقد واللؤم والطائفية. وقد عبّر عن ذلك شعرياً في أكثر من مكان، ومنها القصيدة السابقة. كما أن بعض جُمل مداخلته الشهيرة في اجتماع اتحاد الكتاب العرب، مع القيادة القطرية عام 1979 تحولت إلى أيقونات يرددها معارضو النظام مثل عبارته الشهيرة «أنتم تكذبون في الإذاعة من الحرية إلى درجة الحرارة» أو سؤاله الشهير عن سرايا الدفاع «أنا عندي سؤال أريد الجواب عليه الآن: اشرحوا لي ما هي سرايا الدفاع هذه؟ لماذا امتيازاتها؟ لماذا امتيازات جندي في سرايا الدفاع أكثر من ضابط في القوات العاملة؟ ولماذا لا نجـــرؤ على الحديث عنها؟ لماذا يتحدث الناس عنها وشوشة وهمساً فقط، وأنتم تعرفون هذا، بل إنكم أنتم أنفسكم تتحدثون عنها وشوشة وهمساً؟ فالمأزق الطائفي مثلاً ضمن المآزق الوطنية، التي نصل إليها مسألة تحتاج الى مواجهة مباشرة، تحتاج الى صورة أشعة واضحة ليعرف الطبيب الدواء وشكرا»..
لكل ذلك كان النظام يكره ممدوح كراهية شديدة، وقد عمم هذه الكراهية على أتباعه، الذين لا يرتاحون لمجرد ذكر اسمه دون أن يعرفوا السبب، و لظروف معقدة اكتفى النظام بمعاقبته عقوبات صامتة من قبيل المنع من النشر في الصحف السورية في فترات متباعدة . كان هذا المنع مرتبطاً كل مرة بحادثة محددة كنشر مقال في الصحافة الأردنية عن شخصية الديكتاتور، أو التوقيع على بيان معارض، أو العلاقة مع جهة لا يحبها النظام، لكن العقوبة الأكبر على ممدوح وقعت بعد موته بعقدين تقريباً وتحديداً في عام 2022.
في ذلك العام أعلنت فجأة مديرية الثقافة في حماة وبرعاية من وزيرة الثقافة عن «جائزة ممدوح عدوان الشعرية»، بإشراف شعراء وأدباء خارج التصنيف الأدبي، ولو كان للأدباء دوري يلعبون به مثل كرة القدم، لكانوا ضمن فرق الأحياء الشعبية، وبجوائز تافهة لا قيمة لها، حيث لا تتجاوز قيمة الجائزة الأولى 50 دولارا، وسرعان ما احتضن تلك الجائزة قائد الدفاع الوطني في محافظة حماة (ع عدوان) وهو لا يمت بصلة قرابة إلى ممدوح، رغم أن الكنية واحدة، كما أنه لا ينتمي إلى قرية ممدوح «قيرون». رفع قائد الدفاع الوطني قيمة الجوائز المالية للمشاركين في مهرجان ممدوح من ثروته الخاصة، التي جناها من عمليات التعفيش والنهب والخطف والقتل والتهريب، وأظهرته الصور الملتقطة يقدم دروع التكريم للمشاركين، هو ومدير الثقافة في حماة.
كان المشهد غريبا، رجل مدجج بالسلاح المخصص للقتل والخطف والسرقة يقدم نفسه استمراراً لمثقف متعدد المواهب، قضى حياته لا يحمل سوى سلاح الكلمة. رجل عقيدته «الله وسوريا وبشار وبس»، يقدم نفسه استمراراً لرجل كان يؤمن بالحرية والشعب ويعارض آل الأسد .
يذهب تفسير ذلك في عدة احتمالات أولها العقدة القديمة لدى ضباط ومسؤولي النظام تجاه الثقافة، وتتجلى بإصرارهم على أن تتم مناداتهم بكلمة «دكتور»، فقد أصر بعضهم على حمل شهادات دكتوراه منحولة، أو كتبها آخرون. وقصة كبيرهم رفعت الأسد معروفة حين حصل على شهادة دكتوراه من موسكو. أما الاحتمال الثاني فهو إجراء غسيل رمزي للذات وللأموال، التي حصلوا عليها من القتل والسلب والنهب، وعبر كل الموبقات التي عرفتها البشرية منذ فجر تاريخها، وموبقات أخرى انفردوا ببراءة اختراعها، فقد كانوا مبدعين بكل ما هو شرير. في هذه الحالة تصبح الثقافة نوعا من العطر يُخفي رائحة الموبقات السابقة التي تفوح منهم ، أي هو يريد أن يغسل موبقاته عبر الاحتفاء بممدوح عدوان، دون أي مبرر منطقي سوى صدفة الكنية المتشابهة، وربما في العقل الباطن الانتماء إلى الطائفة نفسها. في الاحتمال الثالث للاحتفاء بممدوح عدوان بمهرجان ريفي صغير، ضمن الظروف التي ذكرناها، نجد رغبة خفية بتصغير قامة ممدوح عدوان الكبيرة. لقد عرفت الحياة الثقافية ممدوح كاتباً ومترجماً، وشاعراً ومسرحياً وكاتب دراما تلفزيونية على المستوى العربي. فباتت قامته أكبر من أن يتم تصغيرها لإدخالها في ثقب الطائفة الصغير، لكن لا بأس من المحاولة.
لم تتوقف محاولات تصغير حجم الرجال الكبار، وتحويلهم لرموز طائفية صغيرة، قبل وبعد سقوط النظام البائد. بعد أحداث الساحل تعرض شاعر العروبة بدوي الجبل للمحاولة نفسها. فقد خرج أحد أحفاده بشريط فيديو مطالباً بالحماية الدولية، واصفاً نفسه بأنه حفيد شاعر العلوية الأكبر بدوي الجبل. وهكذا يُصغّر الحفيد جده من شاعر العروبة، أي شاعر 400 مليون، إلى شاعر طائفة صغيرة!
في محصلة كل ما ذكرنا سابقاً يكون المهرجان عقوبة متأخرة لممدوح على تحديه وعدم انصياعه والتحاقه بقطيع النظام، وربما هذا سر رعاية وزيرة الثقافة، ومن خلفها الأجهزة الأمنية لذلك النشاط.