قبل سنوات، وتحديدا عام 2007، وفي معرض قيامه بإعداد برنامج وثائقي لصالح القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني تحت عنوان «القصة الخفية للمسيح»، كان عالم اللاهوت الدكتور روبرت بيكفورد يحاول تتبع الحكايا المختلفة التي يتناقلها أبناء الديانات المختلفة، السماوية وغير السماوية، حول السيد المسيح عليه السلام. تضمن البرنامج، المتوافر بالمناسبة على موقع «اليوتيوب»، مقابلة مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب. خلال المقابلة يسأل الباحث الضيف الدكتور الطيب السؤال الوحيد التالي: «أظن أن علينا إيجاد طرق تمكننا من الاستعانة بالمسيح لمساعدتنا على أن نعيش معا بصورة أفضل. هل تعتقد أننا نستطيع الاتفاق بشأن تعاليم المسيح الرامية إلى نشر السلام والعدالة وتمكين البشر كافة من التمتع بحياة أفضل؟».
عندما شاهدت البرنامج منذ سنوات، أي قبل وقوع الانقلاب، ومع أن الإجابة جاءت فيما أقدّر بعيدا عن موضوع البرنامج الذي لم يكن يركز على الأبعاد السياسية، أكبرت موقف شيخ الأزهر وقتها، إذ وجه للسائل، الممثل للحضارة الغربية المسيحية، درساً قاسياً للغاية، عندما أجابه بما يلي: «نحن المسلمين ننصح المسيحيين والغربيين أن يعيروا الاهتمام لتعاليم السيد المسيح، وبدون الاهتمام بتلك التعاليم، فإن السلام لن يوجد بين شعوب العالم. إن الحضارة الأمريكية الآن، التي ترفع لافتة المسيحية الانجليكانية، هي حضارة إبادة وحضارة استعمار وتسلط، ولا حاجة لي بتذكيرك بما يحدث في العراق وأفغانستان، حيث تسيطر أمريكا على هذه الشعوب، وتعيث فسـادا وتقـتل النـاس وتشـرد الأطفـال والنسـاء وتـهدم البيـوت عـلى أصحـابهـا باسـم الديــن».
تذكرت ذلك الرد المزلزل وعدت إليه لتذكر تقاصيله عندما صفعت مؤخرا برؤية صورة لشيخ الأزهر نفسه مع سيئة الذكر مارين لوبان، زعيمة حزب اليمين الفرنسي المتطرف (الجبهة الوطنية)، خلال زيارة لها للقاهرة. ووجدتني أسائل نفسي: ما الذي سيقوله شيخ الأزهر لتلك المرأة التي تجاهر غير هيابة بمعاداتها للإسلام والمسلمين وتطالب صباح مساء بطردهم من فرنسا! أتراه سيدعوها إلى الإسلام، أم أنه سيوبخها، ولو ضمنيا، عقابا لها على مواقفها العنصرية السفيهة، كما فعل مع ذلك الدكتور المسكين الذي استأسد عليه وكأنه المسؤول عن جرائم أمريكا ضد المسلمين! إن سجل لوبان هذه زاخر بالتعابير العنصرية المسيئة للإسلام والمسلمين، فقد سبق وأن شبهت صلاتهم في الميادين العامة وعلى الأرصفة ــ لقلة المساجد المتاحة لهم – وبخاصة في أيام والجمع والأعياد، بالاحتلال النازي. أما الإسلام نفسه فقد ساوته بالسرطان المتعارض مع القيم العلمانية الفرنسية، كما عنفت أولئك الذين يطالبون بتوفير الأطعمة الحلال في المدارس بقولها: «كل لحم الخنزير أو ابق جائعا، لن نقبل أي طلبات دينية في قوائم الطعام في المدارس».
تصريحات لوبان خلال زيارتها للقاهرة، التي غمرت عبرها السيسي زعيم الانقلاب العسكري بالمديح والثناء، توحي بأن شيخ الأزهر قد أحسن وفادتها ولم يجرؤ على انتقادها أو حتى نقدها، حتى وإن زعم بيان صدر عن الأزهر أن شيخه قد تحفظ بشدة أثناء اللقاء على آرائها المعادية للإسلام. والواقع إن موقف الأزهر، الذي انبطح أمام الانقلاب وصاحبه، لا يختلف من حيث الجوهر عن موقف لوبان. فالإسلام الذي يدعو إليه السيسي، ومن بعده أزهر الطيب، والذي يتأهب لإعلان «اتحاد علماء المسلمين» الذي يضم آلاف العلماء جماعة إرهابية، هو الإسلام الذي تدعو إليه لوبان ويمكن أن تتقبله وتتعايش معه. أي الإسلام الذي يعبر عن مجرد شأن شخصي يمكن للمرء أن يمارس طقوسه الروحانية في فضائه الخاص، دون أن تكون له أي علاقة فعلية أو جدية بالحياة العامة وما فيها من شؤون سياسية واقتصادية.
من الخطايا القاتلة لجماعة الإخوان، التي وصلت إلى الحكم في سياق ثورة يفترض أنها جاءت للقضاء على نظام مبارك الفاسد، أنها لم تمتلك الجرأة للإطاحة برموز ذلك النظام جميعهم، ومن أبرزهم شيخ الأزهر، الذي ما كان له، بحكم تاريخه الطويل في خدمة النظام والعمل على منحه الشرعية، إلا أن يكون عدوا للثورة وكل من ينادي بها.
وقد ظهر هذا جليا في فتاواه التي حرمت الخروج على مبارك، والله وحده يعلم لمَ حللت الخروج على مرسي، وهل يمكن أن تحلل في يوم من الأيام الخروج على السيسي! تاريخيا، تم العمل التدريجي على إخضاع مؤسسة الأزهر لهيمنة النظام منذ أيام عبد الناصر. والكل يعلم أن تلك المؤسسة ليست إلا ألعوبة بيد النظام، ومن البؤس أن ينظر إليها بوصفها المرجعية الأولى وربما الوحيدة المعبرة عن الإسلام والمسلمين. فإسلام السيسي وأزهره المتخبط الذي تشيد به واحدة من غلاة المتطرفين العنصريين من أمثال لوبان، لا يمكن أن يكون هو الإسلام الذي أنزل على محمد!
د. خالد سليمان – أكاديمي عربي مقيم في كندا