كنت سعيدة حين طرحت عليّ الكاتبة سهير عبد الحميد فكرة التقديم لكتابها عن ناحوم أفندي، فقد كان شخصية عظيمة ومحط احترام الجميع، خاصة أننا عثرنا بمحض الصدفة على مقبرته، بعد أكثر من خمسين عاما على وفاته. هذا ما تقوله ماجدة هارون رئيسة الطائفة اليهودية المصرية، في تقديمها لكتاب الكاتبة سهير عبد الحميد «ناحوم أفندي.. أسرار الحاخام الأخير ليهود مصر» الصادر مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، وفيه تقول هارون إنها كانت مصادفة لها وقع جميل في نفسها، أن يصدر كتاب عن الحاخام بعد العثور على مقبرته، غير أن أحداث الصراع القديم الجديد في الشرق الأوسط اشتعلت، فوجدت نفسها تترك القلم وتتبدل غبطتها أسى وحزنا وخوفا، خاصة بعد الاعتداء على الإسرائيليين في الإسكندرية، معلنة ذعرها وهي تمشي في شوارع بلدها الذي احتضنها وسكنت فيه على حد قولها.
أما الكاتبة سهير عبد الحميد فتقول إنه ما بين شارع عزيز أباظة في الزمالك، وشارع عدلي في وسط القاهرة، وشارع خليل أغا في جاردن سيتي، وقراءة أعداد مجلات يهودية صدرت في مصر في فترة الثلاثينيات والأربعينيات وحتى الستينيات، والاطلاع على أرشيف الصحافة المصرية في الفترة ذاتها، سيرة تقصيت خيوطها لرجل غير عادي عاش حياة غير عادية في فترة زمنية غير عادية، انقلبت خلالها موازين الشرق الأوسط بأكلمه، فقد ألغيت اخلاف كانت عبر قرون مظلة الشرعية للحكم في العالم الإسلامي، وانهارت إمبراطورية بني عثمان، بعد أن سادت وتسيدت لسنوات وسنوات، انتهى زمنها وملكها بقرار أصدره قطبا العالم آنذاك إنكلترا وفرنسا لتقسيم أملاكها في ما بينهما، ووضعت إسرائيل شوكة في الجسد العربي، فمنح من لا يملك «الأرض» لمن لا يستحقها، فأصبح وعد بلفور المشؤوم 1917 كرة النار التي أحرقت الخريطة العربية بلهيب الحرب والقهر، وتوغلت الصهيونية فصار الباطل في لمح البصر حقاً.
علامات استفهام
كذلك تذكر الكاتبة أن حايم ناحوم أفندي الحاخام الأكبر ليهود مصر عاش حقبة من الدم والنار سادتها علامات الاستفهام واللغط، الذي لم يَرْسُ جزء كبير منه على مرفأ اليقين حتى يومنا هذا، ونال هذا الرجل من اللغط ما ناله، مشيرة إلى أن خلف وجهه الهادئ وابتسامته الرصينة التي جعلته يحظى بلقب الحاخام المبتسم، كثيرا من الغموض والريبة في يقين البعض الذين يعتبرون ناحوم رجلا لم يعرف أحد مع من كان وفي صف من، فالأقوال تناقضت والشهادات تضاربت، ذاكرة أن حايم ناحوم أفندي «حاخام باشي» اليهود في بلاط السلطان العثماني، ثم الحاخام الأكبر في بلاط الملك فؤاد، منذ عام 1925 ومن بعده ابنه الملك فاروق، وأخيرا جمهورية الضباط الأحرار حتى توفي عام 1960، مؤكدة أنه الحاخام التاسع والأربعين، أو قبل الأخير في تاريخ حاخامات مصر، وإن كان فعليّا الحاخام الأخير، إذ لم يكن خليفته حايم دويك سوى رئيس للطائفة التي تقلص حجمها كثيرا، ولم يكن له النفوذ الذي تمتع به سلفه. هنا تذكر الكاتبة كذلك عددا من التساؤلات التي حامت حول ناحوم أفندي، أهمها وأخطرها: هل تآمر ذلك اليهودي العثماني المولد والنشأة مع بني جنسه وموطنه في «أزمير»، التي شهدت فورة التمرد على السلطان عبد الحميد الثاني بوصفه العدو اللدود للصهيونية؟ هل ساهم ناحوم في منح الأراضي الفلسطينية للصهيونية بدوره في إلغاء «الجواز الأحمر»، وهل هبط مصر ليتابع مهمته ويمضي باليهود المصريين إلى أرض الميعاد؟ وإلى من انحاز ذلك اليهودي العثماني، الذي استقر في مصر قرابة نصف قرن، فكان حاخاما لطائفتها اليهودية، وعضوا في مجلس الشيوخ ومجمع اللغة العربية، ومات ودفن فيها؟ من كان هذا الحاخام الذي لم يكن حازما في رفض الصهيونية ولم يكن حاسما في مؤازرتها؟ ولماذا لم يغادر مصر مع من خرجوا منها: هل هو الانتماء أم المرض الذي جعله ضعيفا واهنا كفيفا في الثلاثة عشر عاما الأخيرة من عمره؟
ذروة النشاط
هذه التساؤلات حاولت الكاتبة جاهدة أن تجد لها إجابات شافية، وأن تقلّب في أخباره التي كانت ملء السمع والبصر، اتساقا مع مكانته الروحية، متفرسة محاضراته الدينية بين طيات الأوراق الصفراء، لصحف ذاك الزمان، أو وهي تسير في طرقات حي جاردن سيتي، حيث عاش الحاخام وأقام معبده الصغير في إحدى البنايات التي ظلت تشهد صوت «الحزان» المرتل يتلو أسفار التوراة، حتى توقفت الصلوات تماما عام 1948، مؤكدة أن سيرة الحاخام ناحوم أفندي هي سيرة رجل مليئة بالتساؤلات والأماكن والشخوص والأحداث، فتبدو الإجابات غائمة أحيانا، واضحة في أحايين أخرى، لافتة الانتباه إلى أن سيرته قد تُلجئ إلى دراسة تاريخ اضطهاد اليهود في أوروبا ونزوحهم إلى الدولة العثمانية حيث ولد حايم ناحوم وعاش وتعلم. سهير عبد الحميد التي تكتب هنا قائلة، إن الصهاينة رغم جهودهم في شتى بقاع الأرض، إلا أن ذروة نشاطهم كانت على ضفاف النيل التي اعتبروها البوابة، التي سيعبر منها الآلاف إلى أرض الميعاد المزعومة، وكانت ذروة النشاط أثناء تولي ناحوم أفندي منصب الحاخام الأكبر ليهود مصر، تذكر هنا ما قاله ليفي أبو عسل، من أن ناحوم أفندي وصف بأنه أفضل حاخام بين الدبلوماسيين، وأفضل دبلوماسي بين الحاخامات، ولهذا بعثته تركيا العثمانية متحدثا باسمها ومفاوضا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث ظل عاما كاملا في لاهاي، مفاوضا عن الحكومة التركية ومقربا بينها وبين الحلفاء، ثم إلى لندن فإلى باريس ومنها إلى سويسرا، وحين عاد استقبلته الجماهير التركية كمنقذ للقومية التركية، كما تقول، إن حكاية اليهود مع مصر ليست كأي حكاية، فحكايتهم ما زالت ترويها أسماؤهم التي وسمت عددا من أحياء وشوارع مصر: حارة اليهود في الموسكي، وفي وسط القاهرة بيوت ومعابد ومدارس يهودية. هنا وفي كتابها الذي يضم في نهايته عددا من الحوارات الصحافية التي أجريت معه، حاولت فيه سهير عبد الحميد، أن تقتفي أثر ناحوم أفندي، وأن تتبع خطواته، متعرضة لبداياته وكيف وصل إلى مصر وتبوأ فيها هذه المكانة، متحدثة فيه عن فترات حياته المختلفة إلى أن رحل في الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1960، تذكر أخيرا ما قاله ألبرت موصيري الصحافي والكاتب والطبيب اليهودي الصهيوني عن ناحوم أفندي متسائلًا: كيف يمكن للإنسان أن يكون مواطنا مخلصا لبلد مولده، في حين يكون مواطنا مواليا للوطن القومي اليهودي!
كاتب مصري