كيف طبّق الفلاسفة أفكارهم على أنفسهم؟

كانت هناك مجموعة من أطباء العصور القديمة تسمّى «المنهجيين»، وكانوا، كما يصفهم ينس زونتغن مؤلف «فكّر بنفسك: عشرون تطبيقا للفلسفة»، «عقولا على أعلى درجة من التنظيم» هدفها «تنظيم فوضى الطب» باختراع طريقة واحدة تعالج كل الأمراض!
رغم انقراض هؤلاء من دون أن نعرف اختراعهم «العبقري»، فإن «الفلاسفة المنهجيين» ما زالوا موجودين، وهم يحملون أسماء أكثر تعقيدا مثل، الفينومينولوجيا، والهرمينوطيقا، أو التفسير المنطقي، و»كلما كان الاسم غامضا، كان ذلك أفضل»، أما إذا لم يناسب المنهج موضوعا ما لمرة «اعتبر الموضوع غير ذي فائدة». بخلاف المنهج لا يشترط التطبيق فلسفة تحدد الاتجاه المطلوب، ويمكن استخدامه في مناقشات الأفكار، سواء كانت جدلا فلسفيا حول معنى الحياة، أم رأيا سياسيا حول نزاع معاصر، أو خلافا أسريا حول مكان العطلة التالية.
يبدأ الكاتب بتطبيق يسميه الاستفزاز، وفي تطبيقه لهذا، اختار سقراط، أن يكون «فضيحة علنية» بمظهره الخارجي الفقير ومشيه حافيا بقصد التشكيك في القيم الاجتماعية التقليدية، مثل النجاح أو الرفاهية، والسخرية منها، وحين اتهمته المحكمة بالتجديف، اتهم المحكمة بعدم الكفاءة وطالب ان يكرّم لا أن يحكم عليه ثم فضل أن يموت على أن يقرّ بخطأ لا يؤمن بأنه خطأ.
صعّد ديوجين السنوبي، أسلوب الاستفزاز للمجتمع إلى أقصاه، وحوّل القناعة السقراطية البسيطة إلى حدث يضجّ به الناس، وحين وصف الأثينيون الفيلسوف، الذي كان يرتدي معطفا من الصوف (أو يمشي عاريا) ويقتات بالأعشاب وخبز الشعير ويتبول في الشارع، بالكلب اعتبر الشتيمة لقبا تشريفيا، وحين مات بنى له تلاميذه نصبا تذكاريا، بل صارت مدرسته الفلسفية تعرف «الكلبية» التي تعتبر السخرية من الواقع بشكل وقح أحد مظاهرها (هناك قصّة تروى عن سؤال الإسكندر له عما يريد فطلب منه أن يتحرك لأنه يحجب عنه الشمس).

الكلبيون وكومونة برلين

يجد زونتغن تطبيقات معاصرة لمدرسة الكلبيين، منها «كومونة» يسارية ألمانية كانت أجندتها تقوم على الاحتجاج والثورة والحرية الجنسية، وحين سيق قائدان فيها للمحاكمة بتهمة الدعوة لإضرام الحرائق احتجاجا على حرب فيتنام حوّل المتهمان المحاكمة إلى فضيحة علنية تسخر من المجتمع ومؤسساته.
طبّق آخرون ما اعتبروه حقائق، لكن زونتغن يرى أن «خيمياء الفلاسفة» تستطيع من خلال قدرة الأفكار وطاقتها، أن تقلب الحقائق وتحول الفقر إلى غنى والسواد إلى بياض إلخ. يستشهد الكاتب بمعركة أثارتها رواية «موت ناقد» لمارتن فالسر، حين رفض ناشر صحيفة «فرانكفورته الغماينه» نشرها، لأنه اعتبرها معادية للسامية بسردها قصة تتعلق بقتل ناقد يهودي. يعاين الكتاب النصّ ليجده أقل حدة من سياق الاستياء الغاضب، الذي حشره فيه الناشر، وأن كاتبه جعل نصّه حمّال أوجه لأسباب أدبية، خالصا إلى أنه «لا توجد حقائق وإنما فقط صياغات مختلفة». يعمد زونتغن إلى كشف طريقة شغل هذه الخصلة السيئة لدى بعض الفلاسفة، كما فعل يورغن هابرماس، الذي شنّ هجوما على مؤرخ مرموق وتلاعب بنصوصه ليصل إلى أن لديه أفكارا فاشية، ويبدو أن المؤلف يقودنا إلى التشكيك، ليس في المناهج فحسب، بل في تطبيقاتها أيضا، وفي هذه الحالة فإن التلخيص والتركيز على بعض العناصر وترك أخرى، يصير النقد أكثر شبها بالأعمال الكاريكاتيرية التي تولد الانطباع بالاستهزاء و»الاختصار المغرض الخبيث».
بعد تشكيكه بنقد أحد قادة مدرسة فرانكفورت الشهيرة، يفكك الكاتب تطبيقا آخر يزعم أصحابه أنه «يعتمد على القرائن والأدلة»، فيحكي قصة طبيب سويسري عاش في الفترة بين القرنين السابع عشر والثامن عشر، واعتبر كشف هيكل عظمي دليلا على الطوفان الذي تتحدث عنه التوراة، واعتبر اكتشافه «هيكلا عظميا لبشريّ حل الشر على العالم بسبب آثامه»، بل قام بتحديد دقيق للحادث وهو «سنة 4032 بعد الطوفان»، ليكتشف عالم تشريح لاحقا، أن هذه بقايا لحيوان سمندل ضخم لينقلب «الآدمي الآثم» حيوانا برمائيا!

السحر الأسود غير موجود!

فوجئ كريستيان توماسيوس وهو أستاذ جامعي ألماني، كان يؤمن بالسحر بتفنيد جامعته تقريرا له يوصي بمعاقبة إحدى الساحرات، فانقلب على أفكاره السابقة، وينشر كتابا عام 1702 يطلب وقف كل المحاكمات «لأن السحر الأسود غير موجود»، وهو ما وضعه على طريق طوّر خلاله نظرية عن سوء الأحكام المسبقة التي تعتمد على الإيمان بسلطة ما، «فإذا قام أحدهم مرة بسبب الحب النظري للسلطوية البشرية، بابتلاع رأي خاطئ فإنه يصعب التخلص منه، لدرجة أن أذكى الناس لا يريدون الاعتراف بالخطأ»! يعتمد المؤلف هذه الحكاية ليناقش سلبيات الاعتماد على السلطات في التفكير، فيشير إلى أن السلطات الكلاسيكية هي «منتجات صناعية»، يزداد تعظيمها من قبل الأجيال اللاحقة، فيكشف مثلا أن أقوالا لفلاسفة مثل كارل ماركس، مثل «الدين أفيون الشعوب»، أو «يا عمال العالم اتحدوا»، هي استشهادات عن كتاب آخرين ابتكروها قبله، أو من شهرة كتاب «البابالاجي» الذي ينقد الأوروبيين، لأن كاتبه الأوروبي زعم أن كاتبه زعيم قبيلة في أقصى العالم.
يتابع المؤلف رحلته «التفكيكية» الكاشفة لفوائد التطبيقات، والتطورات الكبيرة التي أنجزها الفلاسفة في سبيل تجويدها وتحسينها وضبطها، وكذلك تفلتها من الحدود وطرق الضبط والتعريف والمقارنة والصور والأنواع غير المحدودة لطرق تقويضها. إحدى مزايا الكتاب أنه يناقش كل المواضيع الجادة التي أوصلتها عقول المفكرين الفذة إلى هذه القدرات المعرفية الهائلة، بإطار دائم من السخرية والشك والنقض المتواصل، فخلال نقاش، مثلا، حول أهمية الصورة للتعبير عن الفكرة، يورد تعريفا من كتاب تعليمي حول «دلالة الجملة الألمانية»، ثم يقدّم تعريفا آخر لمارك توين قال فيه: «إذا ما بدأ كاتب ألماني جملة، فإن ذلك يبدو كما لو أنه يغطس في محيط عميق، وبعد أن يختفي لفترة طويلة لا يرى خلالها يظهر أخيرا وفي فمه فعل»، أما في موضوع الحرفية في الجدل فيستعيد قولا لأرسطو يقول إن المرء يمكن أن «يرهق الخصم بأخذ ما يقوله حرفيا»، وبعدها يذكر نكتة لغوية: «أعطته أذنيها‘ فهل أعادهما إليها حقا؟»، وباستشهاد من بريخت يقول: «الإسكندر الشاب احتل الهند: بمفرده؟ هزم قيصر الغاليين، ألم يكن معه ولو على الأقل طباخ؟».
تتناسب خاتمة الكتاب، المفاجئة، مع سياق الجدل الفلسفيّ العميق الساخر والمتشكك في الأفكار والمناهج والتطبيقات، بالانقضاض على الجبل الهائل الذي وضعه الفكر الغربي الحديث، والثقافة العامة البشرية، بين ما هو معقول وغير معقول، وبين الفلسفات والخرافات والأساطير، التي يقول إن لها دائما بذرة حقيقية، وإن حكايات الغيلان والجبابرة التي تدور حول الكائنات الخرافية والتي تمت السخرية منها في عصر التنوير، لم تعد موضع سخرية في روايتنا المعاصرة، خالصا إلى أنه لا يوجد شيء أكثر معاداة للفلسفة مثل رأي من يرى أن فلسفته الخاصة هي الحكمة الأخيرة.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية