أي تربية في فكر ابن خلدون ؟

كلام في التربية: ماهي سمات التصور التربوي الخلدوني؟ وهل يُمكن توظيف هذه الآراء في الراهن التربوي؟
كان عصر ابن خلدون انبعاثا وتقدما في العالم الغربي، ولم يكن هذا المفكر ثابتا مستقرا مكتفيا بما حصله معرفة ومكانة اجتماعية، ولكن كان متحولا مؤثرا في سياق أحداث عصره، بكتبه وهي خير شاهد على أفكاره وثقافته وعلمه في مجال فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع وعلوم التربية، وهذا ما دفع المؤرخين إلى ترجمته، فقال ابن الخطيب فيه: «رجل فاضل حسن الخلق، جم الفضائل، باهر الخصال، رفيع القدر، طامح لقنن الرئاسة، متقدم في عقلية ونقلية، مفخر من مفاخر التخوم المغربية». وقال السخاوي: «كان فاضلا صاحب فضل ونوادر، ومحاضرة حسنة، وله تاريخ مليح «.
التربية والتعليم عند ابن خلدون: انتقد ابن خلدون بعض طرق التدريس في عصره، ويدعو إلى الترفق بالأطفال عند تأديبهم ويشير إلى نجاعة تعليمهم وتأهيلهم على قدر طاقتهم واستعدادهم القبلي، ما يبين لنا أنه يتحدث بمنطق علم النفس التربوي يقول: (ذلك أن إرهاف الحد في التعليم مضر بالتعليم، لاسيما في أصاغر الولدان، لأنه من سوء الملكة). ويعتقد أن تربية المتعلمين بالعسف والضرب تؤدي إلى فساد أخلاقهم فيتخذون الكذب وسيلة للتوقي من بطش المعلم ويتحلون بالنفاق صفة ذميمة يظهرون به خلاف ما يبطنون، وهي مهالك ومفاوز خطرة حذر منها النبي محمد في سيرته، وعجت بها جهود العلماء وأطروحات الباحثين.
الفضيلة غاية التعلم عند ابن خلدون: يثير ابن خلدون موضوع البرامج التربوية والعلوم المعروضة للتدريس، ويقرن التربية بالتعليم، في علاقة متينة لا تفصل الدور التربوي للأستاذ مع طلبته عن الدور التعليمي، فالأستاذ قدوة صالحة. والغاية من التعليم في أي فن الفنون عند ابن خلدون هي تحصيل المتعلم ملكة فن، أو علم تجعله قادرا على إتقان العلم أو الحرفة أو الفن الذي اختاره، ورغب في التفوق فيه، فالمَلَكةُ هي أداة التفوق والتألق والعطاء والابتكار. كما اعتبر ابن خلدون الفضيلة الغاية العليا من التعلم، فالإنسان يتعلم ليكتسب العلوم والمهارات ويزكي نفسه، ولذلك يصعب الفصل بين التربية والتعليم، ويشير إلى بشاعة الشدة عند ممارسة مهنة التدريس، يقول: «و كسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخُلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، في ما يكتسب وعاد أسفل سافلين». ويعتبر أن العقل إذا حذق موضوعا محددا وبرع فيه تزداد حذاقته في فهم موضوع ثانٍ، وكأنه يشير إلى أهمية التخصص وإتقان فن من فنون المعرفة، أو الحرف والمهن، فهو يربط بين متطلبات المجتمع وملكات الإنسان، فلا تكون المهنة أو الحرفة أو المعرفة بعيدة عن الإنسان، بل يتم توظيفها في مصالحه وحاجات المجتمع، ما يجعل منه عنصرا صالحا، والحال أن اليوم نرى بعض المتعلمين الحاصلين على شهائد علمية، لا يقدرعلى توظيف مكتسباته ومهاراته في الانتفاع الشخصي ولا النفع المجتمعي، والحاصل أن دور مشاهير المعلمين الحاذقين لمهنة التدريس، يبدو استراتيجيا في بناء أجيال مفكرة منتجة ومتآلفة ومتفائلة، تحب الحياة والبذل والكد بهمم عالية وعقول متوقدة، لأنهم سند المجتمعات والأمم في تنشئة رجال المستقبل وقادة الجماهير نحو الرقي والعمار والسلام العالمي، يقول: «ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة يفتقر إلى مشاهير المعلمين فيها، مُعْتَبَرا عند كل أهل أفق وجيل».

كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية