توظيف الصورة سياسياً… أو «عندما ينقلب السحر على الساحر»!

صارت الصورة مُتسيِّدةً في عالم السياسة اليوم، لأنها حمّالة رسائل وخطابات وتصورات، وعبرها يقع تمرير مواقف، وتُستعمل أحيانًا كسلاح وكحجج أو حجج مضادة. ومن ثم، فهي بمثابة شهادة على الحاضر وشخصياته، ووثائق مفيدة لقراءة الأحداث مستقبلاً.
بيد أن الصورة ليست دائمًا انعكاسًا للحقيقة، بل قد تكون خلاف ذلك تمامًا، تُضمر أكثر مما تُظهر، وتُلمّح أكثر مما تُصرّح. إلى هذا المعنى تقريبًا يذهب عالم الاجتماع الفرنسي الشهير بيير بورديو، إذ يرى أن الصورة تُنتج واقعًا اجتماعيًا، وتُعيد تشكيل الواقع أكثر من مجرّد عكسه.
الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب أدرك أهمية الصورة، أو ربما أُوحيَ إليه بأهميتها من لدن مستشاريه وخبرائه المقربين. ولذلك، فالحدث السياسي ـ عنده ـ لا يكتسي قيمته في حد ذاته أو في موضوعه والفاعلين فيه، بقدر ما يكون الهدف من ورائه إنتاج صور فوتوغرافية وتلفزيونية من لدن وسائل الإعلام التي يُصرّ ترامب نفسه على استحضارها في تلك اللقاءات المباشرة.
وبالتالي، فالمشهد مُعَدٌّ سلفًا بجميع حذافيره، والرئيس الأمريكي يهيّء ذاته على جميع المستويات، من كلام وحركات تعبيرية وسينوغرافيا الصورة وهلم جرا… ويبقى لضيوفه «الكبار» الذين يكونون عادة حُكّامًا لبلدانهم، أن ينتظروا المفاجأة التي لم يستعدّوا لها كما ينبغي الاستعداد.
اللقاء الذي جمع ترامب أخيرًا بعدد من القادة الأوربيين لم يكن هدفًا في حد ذاته، ولا حتّى مضمونه، وإنما كان الهدف تمرير صورة معيّنة سار بذكرها الرّكبان، من خلال جلوسه هو على المكتب، وأمامه المسؤولون الأوربيون مُصطفّين على الكراسي بشكل خطّي، كما لو أن الأمر يتعلق بطُلاّب أمام أستاذهم في الفصل.
لا مكان للنِّدّية في ذلك اللقاء، فهو ليس لقاء رؤساء دول من العالم «متساويي الأكتاف» كما نقول في التعبير المغربي الدارج، ولكن المسألة تتعلق بشخص يرى نفسه متفوقًا على الجميع، أي إنه رئيس الرؤساء، ملك الملوك، حاكم العالم… يكاد يقول عن نفسه ما ردده فرعون: «أنا ربّكم الأعلى» أو كما قال أيضًا: «مَا أُريكُم إلاّ ما أَرى وما أَهْديكم إلا سبيل الرشاد»، كما ورد في القرآن الكريم.
فلا غرابة، إذًا، أن دونالد ترامب يتخيّل ذاته هذه الأيام جديرًا بجائزة «نوبل» للسلام، نظير ما يعتقد أنه أسداه لصالح البشرية، فقد أوقف ست حروب على حد زعمه، والحال أنه يقف وراء الكثير من شرور العالم، على غرار أسلافه من حُكّام أمريكا، لدرجة أن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش لخّص الشرّ الأمريكي في قصيدته «مديح الظل العالي» قائلا: «وأمريكا على الأسوار/ تهدي كل طفل لعبة للموت عنقودية/ يا هيروشيما العاشق العربي/ أمريكا هي الطاعون/ والطاعون أمريكا».
لقد تفطّن ترامب إلى سلاح الصورة، فصار يستعمله ضد ضيوفه (الكبار) الذين يستقبلهم في البيت الأبيض، محاولاً أن يجعلهم يبدون أشخاصًا (صغارًا). إن الأمر يتعلق بتوظيف الصورة لممارسة نوع من «العنف الرمزي» (بالعودة مجددًا إلى مفاهيم بيير بورديو). وهو سلوك يحتاج إلى الدراسة في نطاق علم النفس تحديدًا، أكثر منه في علم السياسة، من أجل تحليل هذه «الشخصية الإشكالية» التي تسعى لأن تكون متمركزة على ذاتها ومحور العالم بأسره.

مروان البرغوثي
في مواجهة «الوزير المرعوب»!

نموذج ثانٍ لتوظيف الصورة، تجسّد مع وزير ما يُسمّى بـ «الأمن القومي»، الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي أصرّ خلال اقتحامه لزنزانة المقاوم الفلسطيني مروان البرغوثي، على تكليف مَن قام بتصوير المشهد في ثوانٍ قصيرة، من أجل تمرير رسالة تهديد إلى الشعب الفلسطيني ككل.
المشهد اختُزل في عبارات فظّة يحاول فيها الوزير الإسرائيلي أن يبدو بمظهر القوة والبطش، كما اختُزل في حالة الهزال والنحافة التي ظهر بها مروان البرغوثي نتيجة أهوال الأسْر الجسدية والنفسية.
غير أن هذا الفيديو المصوّر لا يمكن إلا أن يُنتِج رسالة عكسية، خلافًا لما أراد أحد رموز الاحتلال الصهيوني. فهو من جهة يظهر للعالم اختلال موازين القوى، بين شخص سجين لسنوات عديدة في ظروف قاسية، يواجه «وزيرًا» من الكيان المحتل متبجّحًا بجبروته وقوته. ومن جهة ثانية، يقتصر الفيديو القصير على كلام «الوزير» دون إدراج كلام الأسير، والذي لا شك في أنه كان مُفحِمًا وعميقًا، لأنه صادر عن شخصية غير عادية ليس لديها ما تخسره، فهي في حكم السجن المؤبد.
هكذا انقلب السحر على الساحر، فتلك المحاولة البئيسة أثبت عكس النتيجة المرجوة منها: كون الوزير الإسرائيليّ الإرهابيّ مرعوبًا ومهزوزًا، لا يقوى على مجابهة المقاومة الفلسطينية، في حين أن البطل مروان البرغوثي ظهر في الفيديو القصير ـ رغم الهزال ـ ذا شخصية صامدة قوية بوقفته الشامخة ونظرته الحادة ورأسه المرفوع.
وتلك حقيقة تلخّص القضية برمّتها: قضية شعب ذي شرعية تاريخية في أرضه ووطنه، مقابلَ كيان مصطنع من طرف قوى إمبريالية، سعت باستمرار إلى غرس نبتة غريبة وهجينة في قلب الوطن العربي!

صورة رئيس حكومة إلى انحدار!

ونصل الآن إلى النموذج الثالث في المغرب، حيث يتابع الناس «حرب الصورة» بين الأغلبية والمعارضة، والتي بدأت بتداول صور فوتوغرافية لعزيز أخنوش، رئيس الحكومة المغربية، وهو يقضي إجازته في جزيرة سردينيا الإيطالية.
أنصار الرجل دافعوا عن حقه في حياته الخاصة وفي اختيارات عطلته باعتباره من كبار رجال الأعمال الأثرياء. والمعترضون استندوا إلى الخطاب الحكومي الذي يدعو إلى تشجيع السياحة الداخلية أوّلاً عوض ضخّ الأموال في سياحة بلدان أخرى.
أخنوش بذل جهدًا لامتصاص الغضب الناتج عن تلك الصور، فرجع إلى مدينته أغادير، حيث نزل إلى إحدى حدائقها متجولا، ومتحدّثًا مع أحد المواطنين. لكنه لم يسلم من الانتقاد مرة أخرى. فالبعض قال إنه عوض التنزه في حدائق مدينة أغادير، كان عليه الالتزام بحضور دورات مجلسها البلدي باعتباره رئيسا. والبعض الآخر اعتبر أنه كان الأَوْلَى برئيس الحكومة زيارة مدينة شفشاون التي عانت من حرائق الغابات في الآونة الأخيرة، أو زيارة قرية «أيت بوكماز» وسط الجبال التي احتجّ أهلها على انعدام الخدمات الأساسية الضرورية للسكان. واعتبر مدوّنون أن هذه الخطوة كانت ضرورية، على غرار ما يفعل المسؤولون الحكوميون في البلدان ذات التقاليد الديمقراطية العريقة.
لم يحصل ذلك، لكن في المقابل، ولكي تكتمل عبثية الصورة وسخريتها، دخل على الخط عبد الإله بن كيران، أمين عام حزب «العدالة والتنمية» المعارض، ورئيس الحكومة الأسبق، فانتشر له فيديو مُصوّر وهو يتسلق الجبال ويمشي وسط عامّة الناس المُحتَفِين به في أحد المنتزهات الطبيعية البسيطة. الطريف في المسألة أن بن كيران كان يرتدي قميصًا أبيض وربطة عنق، وليس لباسًا رياضيًا يقتضيه السياق. مما يعطي الانطباع بأن الرجل في مهمة إدارية، خاصة وأنه كان مُرفقًا ببعض رجال السلطة، على الرغم من كونه لم يعد يحمل أي قبّعة رسمية.
تلك كانت رسالة غير مباشرة إلى عزيز أخنوش، الذي لم تُجْدِ كل الإمكانيات المُتاحة نفعًا في تلميع صورته، أمام حالة تذمّر شعبية متزايدة، والبلاد مقبلة على الانتخابات التشريعية بعد حوالي سنة من الآن!
كاتب من المغرب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية