لندن ـ «القدس العربي»: اشتعلت موجة من الجدل على شبكات التواصل الاجتماعي في الأردن بعد أن أعلنت السلطات إعادة ما تسميه «خدمة العَلَم»، وهو الخدمة العسكرية الإلزامية لكافة المواطنين الذكور الذين تنطبق عليهم الشروط، حيث سيتم استدعاؤهم من أجل المشاركة في تدريبات عسكرية، ومن يتخلف عن ذلك من دون عُذر يتعرض لعقوبة السجن.
وأعلن ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبد ﷲ الثاني، عن إعادة تفعيل برنامج خدمة العلم على أن يبدأ العمل به اعتباراً من مطلع عام 2026، وذلك لضرورة «تهيئة الشباب ليكونوا جاهزين لخدمة الوطن والدفاع عنه»، على حد تعبيره.
وجاء إعلان الأردن عن إعادة تفعيل الخدمة العسكرية الإلزامية لمواطنيه بعد وقت وجيز من تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن مشروع «إسرائيل الكبرى» والذي يشمل الأردن كاملاً ولبنان كاملاً، إضافة إلى أراضٍ من عدة دول عربية أخرى، وهو ما اعتبره الأردنيون تهديداً باحتلال بلادهم، وتسبب تبعاً لذلك بموجة غضب واسعة ضد الاحتلال الإسرائيلي حيث سارع الأردنيون إلى توجيه سهام النقد إلى دولة الاحتلال وتوعدوا بمقاومة أي عدوان عسكري إسرائيلي قد يستهدف الأردن.
لكن الناطق باسم الحكومة الأردنية محمد المومني أوضح أن العمل على برنامج «خدمة العلم» يجري منذ نحو سنة وليس حديثاً، وأهدافه واضحة بـ«خدمة الوطن والدفاع عنه والجاهزية لمختلف التحديات»، وهو ما يُشكل نفياً غير مباشر للمزاعم التي تقول بأن هذه الخدمة تشكل رداً على تصريحات نتنياهو واستعداداً لمواجهة احتلال إسرائيلي محتمل للبلاد.
ويرتبط الأردن بمعاهدة سلام مع إسرائيل منذ العام 1994، ومنذ ذلك الحين تم إلغاء وزارة الدفاع وبات رئيس الوزراء في الأردن هو وزير الدفاع لكنها لم تعد وزارة قائمة بذاتها، أما «خدمة العلم» أو «التجنيد الإلزامي» فكان قد تم إلغاؤه في الأردن منذ العام 1990 وذلك بالتزامن مع توجه الأردن للمشاركة في مسيرة السلام بالمنطقة، حيث في العام 1991 شارك الأردن في مؤتمر مدريد للسلام وبعدها بدأ في مفاوضات مباشرة للتسوية مع إسرائيل انتهت بإبرام اتفاق وادي عربة في أواخر العام 1994.
وانشغل الأردنيون طوال الأيام الماضية بالجدل الواسع حول أسرار وأسباب عودة «الخدمة العسكرية الإلزامية» وما إذا كان الأردن يستعد بالفعل لمواجهة إسرائيل ويريد أن يتصدى لإحتلال محتمل أو عدوان إسرائيلي متوقع، فيما تباينت ردود الفعل بين من رآى أن هذه الخدمة بوصفها الحالي لا قيمة لها، وبين من رآى بأنها سوف «تصقل شخصيات الشباب على الأقل» وتُعد الأردنيين لمواجهة أي تهديد خارجي.
المشروع قديم
وكتب الناشط الأردني المعارض إبراهيم خصاونة معلقاً على «فيسبوك» بالقول: «وزير الاتصال الحكومي في مؤتمره الصحافي بخصوص خدمة العلم بذل جهده لتوضيح أن لا علاقة لتصريحات نتنياهو بمشروع خدمة العلم. رغم تأكيد الوزير أن المشروع قديم ومعد له مسبقاً إلا انه ذكر انه ليس له مخصصات هذا العام في الموازنة وسيتم تغطيته من موازنة الطوارئ».
أما الناشطة رزان العمد فكتبت على شبكة «إكس» تقول: «الترويج لخدمة العلم على أنها لصقل الهوية الوطنية وهم كأي وهم وسلعة أخرى تحاول الدولة جاهدة للترويج لها، فلا أعلم من يشير عليهم ولكن على ما يبدو أن مستشاري الدولة كلهم من رواد موقع أكس». وأضافت: «خدمة العلم ضرورية ومهمة ولكنها ليست الأداة الوحيدة ولا يمكن أن تعمل بمعزل عن الحالة العامة. هل فكَّر صاحب القرار السياسي بالمعطلين عن العمل الذين يقضون أيامهم على الطرقات يناشدون لتوظيفهم، هل فكر بأب لا يجد عملاً وأماً غارمة؟ هل فكر بعائلة حمزة بني عيسى الذي فقد عينه لمجرد أنه فكَّر يعبر عن رأيه بقضية ما؟! هل فكر بأبناء الشهداء وذويهم؟ هل فكر بأبناء معتقلي الرأي وعائلاتهم؟! كيف لشخص لم يحقق أساسيات الحياة في وطنه أن تشكل هويته؟! فالعلاقة أساسها عقد اجتماعي بين الدولة والفرد على أن توفر الدولة الأمان للفرد ويقصد به الأمان الاجتماعي والوظيفي والصحي والتعليمي فهو منظومة كاملة وبعد تحقيق احتياجات الفرد الاساسية سيبدأ بتشكيل هويته النابعة من شعوره بأنه جزء من كل، جزء من وطن يحميه ويعطيه كامل حقوقه ليقوم بالتالي بدور المواطنة الصالحة كاملاً».
وعلق الإعلامي والمذيع عامر الرجوب قائلاً: «خدمة العلم تعني: تدريب الشباب على حمل السلاح، والعدالة المجتمعية في التدريب بين ابن عبدون وابن قريقره، وترسيخ مفهوم (شو يعني الوطن)، وهو رسالة واضحة بأننا جاهزون».
وكتبت أحمد بلاونة: «كل اللي مبسوطين على خدمة العلم غداً هم أنفسهم (الأغلب) سيبحثون عن واسطات عشان ولادهم ما يروحوا عليها وحتى يحصلوا على إعفاء منها».
لا تشمل خدمة العلم النساء
وقالت مرح كنعان: «أنظمة خدمة العلم: لا هواتف محمولة في خدمة العلم. لا تشمل خدمة العلم النساء. راتب شهري مئة دينار لكل شخص. عقوبة على من يتخلف عن خدمة العلم ولا تستبدل. البقاء داخل المعسكر أربع أسابيع ثم إجازة لمدة يومين نهاية كل أسبوع».
وكتب حليم: «بعد تصريحات قيادات إسرائيل الخطيرة التي تتضمن التوسع في المنطقة بدأ الأردن برنامجاً لتأهيل الشباب عسكرياً». أما الكاتب الصحافي حسين الرواشدة فكتب تدوينة على شبكة «إكس» يقول فيها: «لدي قناعة أن لحظة المواجهة بين بلدنا والكيان المحتل قادمة، وربما تكون أسرع مما نتصور، كما لدي قناعة أن الدولة الأردنية تدرك ذلك، وتسخّر إمكانياتها للتعامل مع أي أحداث أو مستجدات بمزيج من الحكمة والقوة والحزم».
أما الناشط لدكتور محمد القضاة فكتب يقول: «الناشط محمد عودة اعتقلوه بسبب هتافه في المظاهرات المتضامنة مع القطاع، واعتدوا عليه بالضرب في السجن ليكسر إضرابه عن الطعام.. ما جدوى عودة خدمة العلم والإنسان في بلادنا يُهان؟ وكيف لمجتمعٍ تُهدر كرامتهُ أن يُدافع عن ذاته؟».
وعلق محمد الغامدي: «خدمة العلم أو التجنيد الإجباري في الاردن: لا هواتف لمدة ثلاث أشهر مع تدريب عسكري ومحاضرات وطنية مكثفة بمعنى تعبئة معنوية وعسكرية وإعداد لحياتك العامة التي تبدأ بعد ثلاثة أشهر».
إذا أردتَ السلام تأهب للحرب
وعلق الأكاديمي الدكتور علي الطراونة: «أهم ما تحتاجه المرحلة اليوم هو الوعي بخطورتها فإذا أردتَ السلام، تأهب للحرب.. خدمة العلم يجب أن تكون وسيلة للتأهيل والجاهزية لأي مواجهة محتملة مع هذا العدو الغادر، المرحلة تفرض جّدية برنامج خدمة العلم، لا كما سخفتها حكومة الرزاز إلى أداة شكلية للتغطية على فشلها في إدارة الاقتصاد».
وكتب خالد المجالي: «مع احترامي لقرار عودة خدمة العلم، لكني أعتقد أن ثلاثة أشهر غير كافية إذا أردنا فعلاً ان نؤثر في جيل الشباب ونهيئه للقادم.. يجب أن لا تقل المدة عن ستة شهور وعلى أن تكون نصف المدة تدريبا عسكريا كاملا، والنصف الآخر الالتحاق بالوحدات العسكرية القتالية وليس الوحدات المركزية والإدارية».
وكتب الوزير السابق سميح المعايطة يقول: «يحتاج بعضنا إلى العمق عند تحليل تعامل الدولة مع الأزمات، فالأردن ليس دولة انفعالات، ومن يتصدى من خبراء استراتيجيين لقراءة تعامل الأردن مع أي أزمة عليه أن يقرأ تعامل الأردن مع أزمات الحراك وسوريا والعراق وحرب غزة.. وحتى عودة خدمة العلم فالدوافع داخلية وليست رداً على ثرثرة نتنياهو».
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أعرب خلال مقابلة مع قناة «i24News» الإسرائيلية عن طموحاته بإقامة «إسرائيل الكبرى»، وهي الدولة العبرية التي تضم معها الأردن ولبنان بشكل كامل، إضافة إلى أراضٍ من مصر وسوريا والعراق والسعودية، وتبدأ حدودها من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في العراق.
وخلال المقابلة، وأثناء تقديم المذيع له تميمة على شكل خريطة لما يصفه الإسرائيليون بـ«الأرض الموعودة»، صرّح نتنياهو بأنه يرى نفسه في مهمة «تاريخية» و«روحية» لتحقيق هذه الرؤية.
وعلى الرغم من أن نتنياهو لم يُحدّد أراضي بعينها يسعى إلى ضمها ضمن ما يُسمّى «إسرائيل الكبرى»، فإن هذه الرؤية معروفة بتضمّنها مناطق يُفترض أن تكون جزءاً من الدولة الفلسطينية المنتظرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب أراض تقع شرقاً وغرباً من نهر الأردن، ومناطق من مصر تشمل شبه جزيرة سيناء، وصولاً إلى الضفة الشرقية لنهر النيل.