المناضل الفلسطيني عبد الجواد صالح.. “ليس لنا غير هذا الوطن”

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

رام الله- “القدس العربي”:

يتذكر مواطنون فلسطينيون كثر، من أجيال وخلفيات فكرية مختلفة، مواقف كثيرة تبرز حجم الخسارة برحيل المناضل الوطني الفلسطيني عبد الجواد صالح الذي وافته المنية، يوم السبت، عن عمر ناهز 95 عاما.

وقد جاء نعي نجله المؤرخ والأكاديمي في العلوم السياسية صالح عبد الجواد على شكل يشبه إلى حد كبير خطابات بيانات الثورة الفلسطينية حيث قال: “أنعى إلى جماهير شعبنا الفلسطيني البطل وفاة والدي عبد الجواد صالح”، في إشارة ودلالة تعكس الفترة الزمنية التي عاش فيها وخاض نضالا طويلا ضد سياسات الاحتلال الإسرائيلي وصولا إلى آخر لحظات حياته.

ومما تذكره المواطنون من قصص وتفاصيل تعكس جانبا من نضاله وأفكاره وخياراته النضالية أنه عندما نزل في قائمة في انتخابات المجلس التشريعي الأول 1996 كانت حملته الانتخابية تحمل شعارا بسيطا وعميقا: “ليس لنا غير هذا الوطن”، وعليه فاز بأعلى الأصوات عن دائرة رام الله.

ويبدو الشعار هذا تحديدا مصدرا تتقاطع فيها استعادة رحلته النضالية مع واقع الحال الفلسطيني الذي أصبح أكثر تشظيا وأشد تهديدا مع تداعيات حرب الإبادة على غزة وسياسات الاحتلال في الضفة الغربية والقدس المحتلة.

لقد أمن الراحل بإمكانية التغيير والفعل من داخل النظام السياسي وخارجه أيضا، فقد عين أول وزير للزراعة في عهد السلطة الفلسطينية، بيد أنه استقال عام 1998، ليرفع راية الاستقامة والاستقلالية ويرفض أن يكون شريكا في نزاعات المنصب.

رحل المناضل الكبير وفيا لثالوث رسالته: “ابنوا المؤسسات، حاربوا الفساد، ولا تخافوا سلطانًا جائرًا مهما علا شأنه أو غلُت قيمته”. وعليه كان من بين الموقعين على “أول بيان علني ينتقد فساد السلطة الفلسطينية، في تشرين الثاني 1999 حيث عرف البيان بـ”وثيقة العشرين”، تحت عنوان “صرخة من أرض الوطن”.

كما تجسدت استقامته الوطنية في لحظة فارقة، حين قدم استقالته من المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في 12 كانون الثاني 2020، معلنا رفضه لكل انحراف عن المسار الوطني. ومستنكرا التنسيق الأمني والتفرد بالقرار، وتجاوز مبادئ الشفافية والمساءلة، وهو ما جعل من استقالته إعلان ضمير فلسطيني لا يساوم، ورسالة أخلاقية وسياسية، لقد كان معيارا للالتزام بالمبادئ، ودرسا للأجيال حول الشجاعة في مواجهة الانحراف والمهادنة.

لقد شكل الفقيد، (مواليد مدينة البيرة عام 1931)، نموذجاً نادراً للثبات والمبدئية الصلبة في الدفاع عن فلسطين وحقها، وهو ما يجعل من رحيله خسارة لقامة شجاعة وحرة، حفرت طريقها بالنضال والمواقف النبيلة.

تلقى تعليمه الجامعي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة حيث حصل عام 1955 على بكالوريوس في الاقتصاد السياسي. وانخرط في مطلع شبابه بصفوف حزب البعث، الذي رفع شعارات الوحدة والتحرير، قبل أن يشكل وجهه الخاص في العمل الوطني المستقل.

وحتى آخر أيامه، ورغم كبر سنه وإصابته بالمرض، إلا أنه بقي مشتبكا من خلال عملية النشر على صفحته الشخصية على فيسبوك. وبالعودة إلى الصفحة سيصاب المتابع بالدهشة، حيث ظل حتى أواخر عام 2024 يكتب حول قضايا متنوعة يقول فيها رأيه ويخاطب المسؤولين مباشرة في قضايا خدماتية وفي أمور تخص القضية والدولة الفلسطينية.

وفي آخر منشور له 26 نوفمبر 2024 كتب متحسسا مؤامرات استهداف “الأونروا” وتساءل: “هل لدى القيادة الفلسطينية اليوم الاستعداد لوضع النقاط فوق الحروف والقيام بدور يعبر عن قمة المسؤولية الوطنية بإجراء انتخابات شاملة لفرز قيادة جديدة تعالج الوضع الفلسطيني وتنقذ قضيته من العبث بها واندثارها”.

وفي منشوراته الأخيرة، كان يركز على المأزق الذي وصلته القضية الفلسطينية حيث كان يرى أنه لا بد أن يستعيد الشعب الفلسطيني روحه، وتساءل: “ترى لو كانت القيادة الفلسطينية منتخبة، حسب الدستور أو ما يسمي بالقانون الأساسي الذي رحب به العالم، لتغيرت وجهة النظر العالمية ومنحت فلسطين اعترافا جماعيا من قبل أمم العالم. لكن البعض منا، اختار اغتصاب الحكم بعد أن دمر الدستور وألغى المجلس التشريعي ودمر النظام الديمقراطي الفلسطيني والذي أدى مؤخرا الى انتكاسة سياسية، كان مظهرها المعيب لنضال هذا الشعب، انتكاسة ديمقراطية”.

وسيجد من يبحث في سيرة هذا المناضل تفسيرا لإصراره على الكتابة والحديث ومتابعة أمور القضية في عز أزماتها الكبيرة حيث كان يرى نفسه “شاب ومحب تسعيني” بحسب أصدقاء ونشطاء ظلوا يتواصلون معه.

حكاية الإبعاد والعودة

قصة أخرى يتذكرها محبوه، ففي ساعات العصر من أحد أيام شهر نيسان عام 1993 كان في حديث صحافي على إذاعة “مونت كارلو” قال عبد الجواد صالح القادم من إبعاده الطويل ردا على سؤال: ماذا ستفعل فور عودتك؟، وجاء الجواب مباشرا: “لقد اعتقلوني وأنا أقوم بتنظيف شوارع البيرة، عندما أعود سأعاود تنظيف هذه الشوارع”.

وتضيء تلك الوقائع البسيطة على جانب مهم في حياته حيث كان صاحب عزيمة لا تكل، ومناضلا شرسا ومفكرا بطريقة غير تقليدية حيث تقوم فلسفته على العمل والمزيد من العمل والابتعاد عن التسليم والتراخي. صفحته الخاصة تقدم في منشورات رشيقة كتبها بنفسه جانبا من قصص وحكايات حدثت معه في سنوات ماضية ويسردها على أمل ان تجد من يلتقطها ويقوم بمحاكاتها والاقتداء بها.

توفي أبو صالح، هو يشاهد ما حذر منه وقاد حملة عالمية في التسعينات لوقفه، أي الزحف الاستيطاني، رحل وهو يرى ما كان ما حذر منه بالكلمة والحقيقة والخريطة يتحول إلى حقيقة وواقع.

في فترة الستينات، شكل أبو صالح لأبناء جيله ومن هم أصغر سنا بعد حدوث نكسة حزيران (1967) قيادة فاعلة، فقد أصبح مرجعية وطنية، أخذ بيد الشباب وقادهم في مسار استنهاض طاقتهم للعمل على استئناف الحياة، ليبدأ فعل الصمود، ومن ثم الفعل الهادف، حيث لا مجال للهزيمة الداخلية واسقاط الحقوق.

لقد تقلد رئاسة بلدية البيرة في العام 1972، وبعد عام من ذلك قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإبعاده بالقوة مع سبعة من القادة الفلسطينيين للأراضي الأردنية عبر وادي عربة. وأدى الإبعاد إلى اندلاع مظاهرات عفوية في سائر أنحاء الضفة الغربية والقدس، وتحوّلت التحركات الاحتجاجية إلى انتفاضة صغيرة، شكلت الحدث الأهمّ جماهيرياً منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967.

في اليوم الثالث للإبعاد، وصل القادة الثمانية إلى جسر الملك حسين، وكان برفقتهم أيضا عدد من المبعدين السابقين. كانت هذه أول مرة منذ عام 1967 تقوم فيها مجموعة من المبعدين بمحاولة العودة عبر الجسر، حيث تقدموا نحو الجسر وكان كل واحد منهم يحمل يافطة كرتونية، تحمل شعارات أذكر بينها “نحن عائدون”، نجح ثلاثة منهم من اختراق صفّ الجنود، وكان منهم عبد الجواد صالح.

وبحسب ابنه المؤرخ صالح عبد الجواد، فإن الجماهير ثارت في الضفة الغربية وتعاظمت حركة الاحتجاجات وصولاً لما يمكن تسميته بانتفاضة مصغّرة استمرت لعشرين يوماً.

وكان الهدف من سياسة الإبعاد بالنسبة للإسرائيليين هو حرمان المجتمع الفلسطيني من قادته الحقيقيين والمخلصين ومن ثمّ خلق حالة فراغ يشغلها قادة إما غير وطنيين (أو أقل فاعليّة).

وفي ظل الابعاد، أسس وترأس “مركز القدس للدراسات التنموية” في عمّان بهدف تحويل الألم إلى بصيرة، والمعاناة إلى مشروع فكري لقيادة الجمهور وبناء الوعي المعرفي، حيث حوّل تجربته ومعايشته للاحتلال إلى نصوص بحثية وتوثيقية. لقد أصدر عمله الضخم “الأوامر العسكرية الإسرائيلية” عام 1986، كما وثّق المجازر الصهيونية في النكبة، وكتب في الذاكرة الجماعية الفلسطينية. وفي حركة فتح وجذورها الاجتماعية. ووقف أمام ظواهر مثل العملاء والاغتيالات خلال الانتفاضة.

إنه من جيل القيادات التي أسّست العمل التعاوني والتطوعي والخيري والبلدي والسياسي في الستينيات والسبعينيات، من أمثال: بسام الشكعة وحيدر عبد الشافي. هو من تلك الشخصيات العامة التي كانت تنتصر دومًا للمصلحة العامة، وتلتزم العمل المؤسساتي بصدقٍ ومسؤولية.

وبعد قدوم السلطة واصل أبو صالح العمل السياسي بصوت وطني وحدوي داعياً إلى الإصلاح بهدف ترتيب البيت الفلسطيني وتحصينه من الداخل لكي تبقى قضية فلسطين متوهجة حتى إحراز هدف الاستقلال والحرية والسيادة على أرض فلسطين.

أما المشهد الأخير فهو عن حياته قبل أن توافيه المنية بأيام، ويجود بها حفيده الذي يحمل اسمه حيث يقول: “ذهبتُ إليه قبل أيام، وجلسنا لساعات. كان يضحك في وجهي كثيرًا، ثم يغفو قليلًا، قبل أن يطلّ من شرفته التي يرى منها المستوطنة وبعض بقايا بيوت البيرة القديمة. وبين لحظة وأخرى، كان يعود إلى رواية غسّان عائد إلى حيفا، يقرأها كما لو كانت المرة الأولى، بتمهّل وتأمّل، في زمنٍ يبدو فيه كلّ شيء وكأنّه يؤول إلى نهاية ما”.

يتابع: “كان يتأمل الرواية لا كحكاية بعيدة، بل كجزء من سيرته، من بيته، من المدينة التي تتغيّر أمام عينيه. وحتى حين كان جسده يخذله، ظلّ عقله يتشبّث بما وجده في النص: ذلك السؤال الملحّ عن الفعل، عن الطريق، عن معنى أن نحاول ولو في لحظة الهزيمة؛ تلك العودة إلى حيفا في ظل انتصار العدو عام 1967. كان يبحث، وكأنّه طفل، عن حقيقةٍ يقولها، عن موقفٍ يتّخذه، عن شيءٍ يمكن أن يفعله، عن اشكال مع سلطة ما يمكن له أن يؤججها”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية