فاروق يوسفأكنا قد عشنا من قبل؟ أكان العيش معنيا بنا يوم كنا نحيا؟ عاش اجدادنا، آباؤنا. رأينا الصور. الذكريات تسيل بزئبقها على الحيطان، تتنقل بين المرايا. كنا هناك. على الطريق حفاة. كانت الطريق حافية. سنكلم العشب كثيرا. سيهذي العشب بأصواتنا. الديكة نحن. نحن الثعالب. في اللعبة هناك لصوص، في الحكاية هناك مجانين. ننزلق على الابرة ونمر من خلال ثقبها. نلهو في الحديقة السرية. الاميرة لا تزال نائمة والاقزام المرحون يغسلون صحون حفلة الليلة القادمة. النبوءة تبني مثل القندس جسرا على ساقية غير مرئية. ‘أنت حبيبي’ يقول الراهب للكتاب ويقبله. كاد المعنى ان يقع في البئر لولا اقدام المارة الهلعة، لولا نظرات العشاق المرتبكين، لولا اسئلة الليل المنسي على حبل الغسيل. كدنا نختفي. في القصائد التي لا تلهم شيئا بعينه، في الحكايات التي لا تقول شيئا مقصودا لذاته. في التفاق الحزبي وفقه الائمة ورسائل التسول التي تمجد احفاد ميكافيلي من غير ان تشرق باللوعة. وفي الطريق محيت مرؤتنا. نحن شعب بلا مرؤة. نسينا الرحمة حتى نسانا الله. صرنا انكشاريين على الجسور ومغولا في الافئدة وخرافا ضالة بين نهرين يبست على ضفافهما الادعية. شربنا حبرا صينيا، فامتلأت عيوننا بالصور المائية. ماء ليس هو بالماء وسراب مرتاب من وقع أقدامنا. سيقال ‘لم يعد النخل أشرف الشجر’ سيقال ‘الجالغي نوع من التبسيط لفكرة الغناء’، سيقال ‘الباميا بعد ان طالت أصابعها يمكنها ان تكون جزءا من الدولمة’، سيقال ‘الرشيد لم يكن الا عدوا لاهل البيت’ سيقال ‘زهور حسين ايرانية بدليل الدشت’، سيقال ‘لم يكن السومريون والبابليون والاشوريون الا عبدة اوثان’، سيقال ‘ارض السواد كانت تعبيرا تصويريا عن مشهد العمائم السوداء، وهي عمائم السادة القادمين من الحجاز، غرباء واسرى ومريدي فتنة وتقية’ سيقال ‘تحت كل سنتمتر من الارض قطرة دم تنادي بالثأر’ سيقال ‘دجلة لم يكن الا ساقية وحبر هولاكو كذبة’، صدقوا ان الارض لم تمتزج بتنهدات زبيدة وان الحلاج لم توجعه وردة وان الساعة كان خيال شارلمان قد الهمها دقاتها وسكتاتها وان ابا نؤاس كان عبدا حبشيا وان مصطفى جواد كان فرية كردية، ولكنكم وقد تعرفتم على الباذنجان الابيض وصرتم تسمون الشجر كوسة والمخلمة اومليتا وصارت مرقتكم بيضاء اقتربتم اكثر من الهامش واستبدلتم العنبر بالبزمتي الباكستاني. انحسرتم في الزوايا وتخليتم عن المتن. لم يكن هناك منتصف طريق في حياتكم. اما كل شيء او لا شيء. وها انتم تحصدون اللاشيء. انتم الان لا شيء. مثلكم انا لا شيء. ولأننا جميعا لا شيء فقد صار ممكنا بالنسبة لنا ان نرى العالم من ثقب. نحصي ايام الخلق كما لو انها عيدان ثقاب. نرج العلية لنتأكد من ان الشيطان ليس نائما. كنتم على موعد مع رخاء اسطوري وانتهيتم الى مزبلة.كنتم على شفا حفرة من اليابان وصرتم صومالا.الا يزال ديككم واقفا على سياج الجيران؟مرت عشر سنوات من التطبير وضرب الزناجيل. عشر سنوات من ركضة طويريج. عشر سنوات من الحسينيات. عشر سنوات من قبور الائمة واهل البيت. عشر سنوات من الفتاوى وجلال الصغير ومقتدى الصدر وابو ريشة وابو سدارة الدليمي وزواج المتعة، عشر سنوات من الديمقراطية الكئيبة والانتخابات التي تدخل قوائمها في بابي الحلال والحرام، عشر سنوات من فساد الضمائر والعقول والقلوب والايدي. عشر سنوات من القتل المجاني الذي فضح الكذبة التي تقول انكم شعب عاطفي، كريم وحنون. هل صرتم اوغادا فجأة؟ بعد هذه العشر سنوات اعتقد انكم بلغتم مسعاكم: أدعياء، مرائيين، تضرب سخريتكم الارض بقدميها لتستخرج فيلا ومهراجا وملكا افريقيا من غير ان تلهم الواقع شيئا من واقعيته. كنتم بكائيين. ألا يزال فيكم شيء من البكاء القديم؟ أتحتاجون الى سنوات عشر اخرى من الذل والجوع والحرمان والعزل لكي تعترفوا بالفشل؟ بعد ان تواطأتم مع الالم لعقود، لقرون، أكان ضروريا أن تتواطأوا مع خيانة ذلك الالم؟ حتى الانتظار يبدو زائفا. فمن ينتظر عليه ان يفتح عينيه على الافق لا ان يغلقهما على دمعة يابسة. من ينتظر يمد يده مستفهما لا متسولا. واخيرا فان من ينتظر لابد ان يتعلم مع الوقت ان الانتظار ليس عملا ولا عادة، بل هو نوع من تزجية الوقت. بالنسبة لكم فقد كان الانتظار ولا يزال نوعا من العبادة. كما لو ان الله (حاشاه) خلقكم منتظرين. ‘ضحكوا علينا بالانتظار’ وهي عادتكم في انكار اخطائكم. في العراق، ما من حزب، ما من حكومة، ما من وزير، ما من زبال، ما من طبيب، ما من مراقب انواء جوية، ما من عسكري، ما من مذيع، اعترف انه قد اخطأ يوما ما. يقال ان عبد المحسن السعدون، وهو رئيس حكومة في العهد الملكي فعلها وانتحر. ولان كل شيء تمام فقد صارت الارض تصغر من تحت اقدامكم وصارت الدروب تضيق بكم. جفت انهاركم ويبست حقولكم وتصحرت احلامكم، ضاع بلدكم وضعفت دولتكم وصار جيشكم اشبه بفيل مريض، لا مدارس ولا مستشفيات ولا مكتبات ولا متاحف للفن ولا كهرباء ولا مسارح ولا ماء نقيا للشرب ولا قاعات سينما ولا شوارع تصلح للمشي ولا حدائق يلعب فيها الاطفال ولا متنزهات للعشاق والمشائين.لا يزال هنالك شيء عظيم من النفاق تعبر عنه تلك الـ(تمام)، وهي تقال مهزومة ومخذولة ومقنعة وخائفة. في الحقيقة ما من شيء في حياتكم له علاقة بالتمام ولا بعشره. ولا بالواحد بالمئة منه. اعرف ان التاريخ قد خذلكم. استباحكم مثقفوكم مثلما استباحتكم حكوماتكم. خذلتكم نخبكم المتنورة مثلما استعمركم رجال الدين. عبثت بنهاركم الديكة مثلما عبثت بليلكم الذئاب. ولكن لا تفرحوا. لن اصل الى الاستنتاج الذي يسركم. لم تكونوا ضحايا. كنتم الديك والذئب مجتمعين في الجثة ذاتها. غير ان الامر لا يخلو من صناعة. ‘الطبيعة تكذب’ لنصدق ذلك على مضض. ولكن مثقفيكم ورجال الدين وسياسييكم وعسكرييكم ومعلميكم وشيوخكم وسجانيكم وزعماء احزابكم كانوا من نتاج صناعتكم الوطنية. لذلك لم يكن مرعبا لكم ان تكتشفوا ان عباقرتكم العائدين مع المحتل (2003) كانوا عبارة عن حفنة دجالين، مرتزقة وصيادي فرص بلهاء، كانوا طوال عقود يخططون للاقتصاص من اهلهم. ربما لو لم يكونوا كذلك لغضبتم. في هذه النقطة سيكون التاريخ قاسيا معكم. فما من شعب عبث بالحقائق الاخلاقية مثلكم. فالاحتلال ليس تحريرا، والخيانة ليست وفاء، والبزنس لا علاقة له بالمبادىء. اعترف انكم دفعتم الثمن. وهو استحقاق، ولكنكم للاسف ما زلتم تنظرون الى ذلك الاستحقاق من جهة كونه قدرا ‘فيا سيوف خذيني’. انطلت عليكم اللعبة بعد ان كنتم تمثلون الدور على المسرح. كان الحسين بطلا ذات مرة، ولكن اعادة انتاجه قد لا تؤدي الى النتيجة نفسها.في عصركم الحجري الخاص جدا، حيث تلمع شاشات الكومبيوتر وترن الهواتف النقالة بالأذان والبرتقالة هناك من ينتظر بتشف اشارة البدء من جديد، حين تفصل الواقعة بين زمنين وتقع المسافة على الارض مثل حجر يسقط من السماء. لقد حللتم على هذه الارض باعتباركم ضيوفا مؤقتين وسيحل شعب آخر محلكم في اللحظة التي تنطفىء فيها شاشات الكومبيوتر وتكف هواتفكم النقالة عن الرنين. ‘عابرون’ قال لي صديقي قاسم الساعدي وهو يصف احوال العراقيين بعد زياراته الحزينة الى بغداد. فهل انتهينا فعلا الى ان نكون شعبا عابرا؟