أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة حقيقية في حياة الإنسان، وبات يكاد يحل محله في العديد من المجالات. لاسيما الإنسانية منها والإبداعية، وبرزت تساؤلات جدية حول مستقبل المهن التي طالما ارتبطت باللمسة البشرية. وفي هذا السياق، استوقفني مقطع فيديو، عبّر فيه الفيلسوف والوزير الفرنسي السابق لوس فيري عن موقف حاد من مستقبل الترجمة، معلنا نهاية هذه المهنة بعد ما سماه «الانتصار الكاسح لأدوات الذكاء الاصطناعي». وقد استند فيري إلى تجربته الخاصة كمترجم محترف سابق توقف عن ممارسة الترجمة أمام المنافسة التي فرضتها الأدوات الرقمية الحديثة، التي تتميز بكفاءة عالية وغياب شبه تام للكلفة المادية والزمنية.
وإذا كان من المشروع أخذ هذا التصريح باعتباره شهادة شخصية تعبر عن واقع جديد في الترجمة الآلية، فإن تعميمه على كامل الحقل الترجمي، وخصوصا ترجمة الأدب، هو بمثابة إعلان لموت المترجم الأدبي، ما يثير جملة من التحفظات النظرية والفكرية. هل يمكن حقا لآلة تعمل وفق «خطاب الحسم» وخوارزميات صارمة، أن تحل محل إنسان يمارس «فعل التأويل» لفهم أسرار النص الأدبي؟ وللبحث في هذه الإشكالية، ستقارب هذه المقالة تصريحات لوس فيري من منظور نظري، مستندة إلى مبادئ التلقي والتأويل وبعض نظريات الترجمة، لبيان ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا حقا على استيعاب جوهر ترجمة الأدب.
الترجمة ليست مهنة فقط: إشكالية الاختزال
إن ما يغفل عنه لوس فيري في تصريحه، وهو فيلسوف متمكن من الحقل الأدبي، هو أن ترجمة الأدب تتجاوز كونها عملية نقل لغوي، لتصبح فعلا تأويليا جماليا لا يمكن للذكاء الاصطناعي بلوغه. إن موقفه يختزل الترجمة إلى مجرد وظيفة قابلة للاستبدال، متجاهلا أبعادها الجمالية والثقافية التي انتبهت إليها جمالية التلقي، التي بلورها منظّرون مثل فولفغانغ إيزر وهانس روبرت ياوس في ستينيات القرن الماضي.
يرى فولفغانغ إيزر، أن النص الأدبي لا يقدّم معناه مكتملا على طبق من ذهب، بل يقوم على ما يسميه بـ»الفراغات أو «المواضع المسكوت عنها»، وهي مناطق من المعنى متروكة عمدا مفتوحة على الاحتمال. هذه الفراغات أو البياضات ليست نقصا في النص، بل هي آلية جمالية تجعل القارئ شريكا فعليا في إنتاج المعنى، إذ يُجبر على أن يملأها بخياله وتجربته الخاصة. وهنا يكمن جوهر العملية الأدبية، ذلك أن النص لا يكتمل إلا في لحظة تلقيه.
وإذا كان القارئ العادي يملأ هذه الفراغات ضمن أفقه الثقافي الشخصي، فإن المترجم يعيش تجربة أكثر تعقيدا. فهو قارئ مزدوج، يملأ فراغات النص الأصلي أولا، ثم يعيد فتحها لملئها مجددا في لغة وثقافة أخرى. بهذا المعنى، لا يكون المترجم مجرد وسيط لغوي، بل مبدعا ثانويا يساهم في إعادة خلق النص، لا في استنساخه. فكل قرار ترجمي، مهما بدا صغيرا، هو في جوهره فعل تأويلي يستدعي إدراك المعنى الكامن وراء الكلمات، والقدرة على نقله بطريقة تحافظ على ديناميكية النص وأفقه الجمالي. إن هذه الديناميكية القائمة على الفراغات والتأويل المستمر هي بالضبط ما يعجز الذكاء الاصطناعي عن محاكاته. فالآلة تُحاول سدّ كل فجوة آليا عبر استدعاء بيانات سابقة، أو أنماط متكررة، لكنها لا تستطيع أن تنخرط في تجربة النص بوصفه حدثا مفتوحا على احتمالات متعددة. وبذلك، فإن «خطاب الحسم» الذي تمثله الترجمة الآلية يتعارض جوهريا مع روح الأدب كما فهمها إيزر باعتبارها نصا مفتوحا مفعما بالثغرات، لا يكتمل إلا بفعل القارئ/المترجم الذي يُعيد تشكيله باستمرار.
أما ياوس، فشدّد على أن التلقي هو عملية تاريخية متغيرة باستمرار. فكل ترجمة لا تنتج فقط أفقا جديدا للتأويل، بل تُعيد بناء النص في ضوء أفق الانتظار الخاص بقارئها. وبالتالي، فإن ترجمة الأدب ليست فعل تكرار، بل هي فعل تاريخي وجمالي معقّد، يُعيد بناء التجربة الأدبية في ضوء شروط تلقي مغايرة، وهو ما لا يمكن اختزاله في معالجة لغوية آلية مهما بلغت دقّتها. إنها عملية إبداعية تتطلب من المترجم أن يكون مؤرخا للقراءة، وناقدا للنص، ومبدعا في آن واحد. وإذا كانت جمالية التلقي قد بيّنت استحالة اختزال الترجمة إلى مجرد نقل آلي، فإن الفلسفة المعاصرة والنظرية السيميائية قدمتا أبعادا أخرى تؤكد عمق هذا الفعل الإنساني، وهو ما يتجاهله خطاب لوس فيري عن نهاية المهنة. على هذا الصعيد، ينظر الفيلسوف بول ريكور إلى الترجمة باعتبارها فعل «ضيافة لغوية». فالترجمة ليست فقط عبورا من لغة إلى أخرى، بل هي استقبال للغريب داخل اللغة الخاصة. هذا العبور مشحون بالتوتر والانفتاح على الآخر، حيث يتنازل المترجم عن بعض من سلطة لغته الأم ليُتيح للغة الغريبة أن تُقيم فيها. هذا ما يجعل ترجمة الأدب فعلا أخلاقيا بقدر ما هو لغوي، يتطلب حسا تأويليا لا يُختزل في مجرّد «تطابق مع الأصل»، بل يتغذى من اللايقين ومن الإمكانات المتعددة للنص.
أما أمبرتو إيكو، الذي جمع بين التنظير السيميائي والممارسة الترجمية، فيقدّم تصورا دقيقا لدور المترجم بوصفه «مفاوضا مع المعنى». فالترجمة عنده ليست «قول الشيء نفسه بلغة أخرى»، بل هي قول ما يمكن قوله بطريقة تُنتج الأثر نفسه الجمالي الذي يُحدثه النص الأصلي. وقد بلور هذا الموقف بوضوح في كتابه الشهير» أن نقول الشيء نفسه تقريبا»، حيث يؤكد أن الكتاب ليس تنظيرا مجردا للترجمة، بل هو دراسة لحالات واقعية تكشف أن كل نص يحمل عمقا مخصوصا يتطلب مفاوضة حقيقية. هذه المفاوضة ليست لغوية فحسب، بل جمالية وثقافية، إذ يُعيد المترجم خلق النص ضمن أفق جديد من خلال التنغيم، واللعب الأسلوبي، والاختيارات الثقافية الدقيقة. ولهذا، فإن ترجمة الأدب عند إيكو فعل تأويلي خالص، يحقق «المعادلة المعنوية» لا عبر الكلمات ذاتها، بل عبر إعادة إنتاج الأثر. وهنا يتجلى الفرق الجوهري مع الذكاء الاصطناعي، الذي لا يفاوض ولا يختار، بل يحسم وفق بيانات وخوارزميات، في حين أن ترجمة الأدب قائمة في جوهرها على الانفتاح والتأويل والمساومة المستمرة مع المعنى.
الترجمة من منظور شخصي: شهادة حية
بناء على تجربة شخصية في ترجمة أعمال الكاتب روبير فالزير، يتضح أن الترجمة ليست مجرد نقل للكلمات والحروف، بل هي فعل تقمص واستبطان لمنطق المؤلف. كل نص يحمل شظايا متعددة من المعنى، وتصبح عملية الترجمة بمثابة رحلة اكتشاف داخلي، حيث يتعين على المترجم أن يعيش النص من الداخل ليتمكن من إعادة إنتاجه بلغة تنبض بروحه الأصيلة. ولعل خطاب فيري، الذي انطلق من تجربة اللغات الأوروبية المتقاربة كالفرنسية والألمانية، يغفل خصوصية اللغات الأخرى، وعلى رأسها اللغة العربية، فبينما تتطور خوارزميات الذكاء الاصطناعي بشكل ملحوظ في تلك اللغات، لا تزال تواجه تحديات كبرى في اللغة العربية، التي تتميز بثرائها المورفولوجي وتعدد دلالات الكلمات، وعمقها الثقافي والتاريخي. إن ترجمة نص أدبي عربي، أو نص أجنبي إلى العربية، تتطلب إدراكا دقيقا للسياقات الثقافية والدينية والاجتماعية، التي لا يمكن للآلة التقاطها. وهنا تتجلى الفروق الجوهرية مع خطاب الحسم الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي. ففي حين تعتمد الآلة على المعادلات والخوارزميات، فإن المترجم يمارس انخراطا إنسانيا عميقا، وفعل تأويل مستمر يجعل من كل ترجمة تجربة إبداعية فريدة لا يمكن لأي برنامج محاكاتها بالكامل. وبالتالي، فإن خطاب الحسم الذي تبنّاه فيري لا يمثل نهاية للترجمة، بل يبرز بشكل صارخ الحدود الفاصلة بين الأداة والروح الإنسانية؛ فالأولى تحاكي وتستنسخ، أما الثانية فتبدع وتؤول وتعيد خلق النصوص في أفق جديد. ومن ثم، فإن مصير ترجمة الأدب لا يُقاس بقدرة الخوارزميات، بل بقدرة الإنسان على أن يظل صانعا للمعنى وحارسا للجمال.
الذكاء الاصطناعي: أداة وليس نهاية
إن خطاب الحسم الذي تبنّاه لوس فيري عن «نهاية الترجمة» لا يعبّر عن وعي بالتحوّل الجذري في هذا المجال، بقدر ما يعكس سوء فهم لطبيعة الفعل الترجماتي في بعده الأدبي والفلسفي. نعم، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة فعّالة في التحرير، والتدقيق، وحتى في محاكاة الأسلوب، لكنّه لا يستطيع أن ينوب عن المترجم القارئ، المؤوّل، والكاتب الثاني. فبينما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم خيارات متعددة وبدائل مستنبطة من بيانات ضخمة، فإن هذه الخيارات تفتقر إلى الوعي التأويلي والقصد الإنساني، إن دوره لا يتجاوز كونه مُحفزا للتفكير أو مقدما لمسودات أولية، بينما يبقى القرار النهائي، المدفوع بفعل التأويل البشري ووعي المترجم الثقافي والجمالي، هو جوهر ترجمة الأدب ورهانها الأصيل.
في نهاية المطاف، ليست ترجمة الأدب تكرارا للنص، بل هي تجديد له داخل ثقافة أخرى ولغة أخرى. وما دامت هناك نصوص تُكتب بعمق إنساني وجمالي، فستظل هناك ضرورة لترجمة تُنصت إلى هذا العمق وتعيد ترجمته باستمرار، ولا تكتفي بترجمته حرفيا. وبهذا، لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون نهاية للترجمة، بل قد يكون فصلا جديدا في تاريخها يبرز فيه الدور الفريد للإنسان كصانع للمعنى ومؤوّل للجمال.
٭ كاتب ومترجم من المغرب