د. عمّار البرادعي بعيدا عن الحساسيات وما يمكن أن يسجّله هذا الطرف أو ذاك من ملاحظات على الاتفاق الأخير القاضي بتوحيد الثوار العسكريين والمدنيين من أبناء شعبنا تحت قيادة الجيش الوطني السوري، فإنه لا يسع أي وطني شريف إلا أن يُبارك هذه الخطوة على طريق التحرير وإسقاط النظام الذي لم تر البشرية كلها مثيلا لممارساته الإجرامية الفريدة في التاريخ.لا شك أن هذه الخطوة الوطنية المستقلة قد جاءت معبّرة عن تطلعات شعبنا وتضحياته، وعن قدرات ثورتنا التي أصبحت ـ رغم حمام الدم الذي يراق يوميا ـ رقما صعبا في المعادلة السياسية السورية والإقليمية، يُقابلها على الجانب الآخر حلف غريب بأطرافه السرية والعلنية، بتكوينه وأهدافه التي تتلاقى مصلحيا مع هدف بقاء النظام بأي ثمن، حتى ولو على جماجم كل أبناء سورية. حلف تجهد فيه كل من روسيا وإيران ومن خلفهما إسرائيل وعدد من الدول الأخرى إلى ضرب هذه المعادلة لإجهاض ثورة شعبنا واغتيال إرادته.لم تأت خطوة التوحيد بقرار فردي ولا من طرف أو فصيل عسكري أو سياسي واحد بمعزل عن غيره من رفاق الدرب النضالي، بل جاءت حصيلة لقاءات عديدة عُقد آخرها في تركيا يومي 28 و 29 آب، وكان من نتيجته الإتفاق على قرار توحيد البنادق الثائرة تحت قيادة عسكرية واحدة، وتشكيل مرجعية ثورية واحدة للمرحلة الإنتقالية، تعمل على حفظ أمن البلد وأهله، وتسعى لملء الفراغ الذي شكّله فشل ‘المجلس الوطني’ في تأمين الدعم اللازم للثورة بالسلاح والعتاد.طبعا يعود فشل المجلس إلى أسباب وعوامل عديدة تنبع من داخل تركيبته بالدرجة الأساس، ومن شخوص من نُصّبوا لإدارة دفّته طوال الفترة الماضية. فليس سرا أن جماعة الإخوان المسلمين هي التي سارعت إلى تشكيله، وأنها تمثّل مع ‘المستقلّين’ ـ المحسوبين عليها أصلا ـ الأغلبية فيه. لذلك لم تتورّع منذ البداية عن استعمال هذا المجلس كغطاء لتحركاتها السياسية الخارجية وفق أجندتها الخاصة ـ كجماعة ـ، وخدمة لأولوياتها التي تختلف عن الأولويات الأساسية لشعبنا وثورته، الأمر الذي سرعان ما أدّى الى بروز حالة التخبّط في مواقف هذا المجلس و تحركاته منذ الشهور الأولى لتشكيله.وحتى لا ندخل في سرد التفاصيل والأمثلة على ذلك، نكتفي بالتذكير كيف سارعت الجماعة في البدايات إلى مدّ الجسور مع بشار الأسد عبر وزير الخارجية التركي إلى جانب الحضور الفاعل لطهران عبر اختراقها للمكتب التنفيذي للمجلس الوطني ولا ننسى الإشارة هنا إلى المدى الذي وصل إليه هذا التخبّط في المواقف والتعامل مع صناع القرار، حتى وصل الأمر بوزيرة الخارجية الأميركية إلى رفض الإلتقاء بهم، وحتى توبيخهم على جنوحهم المتأخر نحو طلب التدخل الخارجي، في الوقت الذي كان فيه هذا التدخل حتى الأمس القريب يمثّل خطا أحمر بالنسبة إليهم.هذا على الصعيد العام. أما على الصعيد الداخلي فلا تختلف الصورة عن سابقتها، وقد ظهر ذلك للعيان في العديد من المواقف العلنية لجماعة الإخوان، لعلّ أبسطها ترددها بداية في المشاركة بالتظاهرات الشعبية المنددة بالنظام، كما حدث في حلب وإدلب. أما عندما ارتأت التدخل والمشاركة فيما يجري مع الآخرين، أخذت تتعامل مع الثوار بعقلية المخاتير، تماما كما لو كانت تخوض معركة انتخابات مجلس بلدي، مما أدى إلى خلق شقاق سياسي سرعان ما انعكست ترجمته على الأرض ولم تكتف الجماعة بذلك بل أخذت تطوف بالمال في مسعى منها لمقايضته بولاء وذمم الثوار.في ظل هذه العقلية الفئوية المتعصبة كان التعامل بنفس الروحية مع العسكريين المنشقين الذين التزموا بقضية شعبهم وتمرّدوا على النظام، ووصل أمر الجماعة إلى محاولة شراء ولاء بعض الضباط، الأمر الذي سرع بالإعلان عن تشكيل الجيش الوطني في الثالث من أيلول الجاري.يبقى القول، إذا كان المجلس الوطني المتمثل بجماعة الإخوان المسلمين قد فشل في إرساء مرجعية سياسية مقنعة للداخل السوري، وللرأي العام الدولي، بالرغم من الإمكانات الضخمة التي توفرت له، كما عجز عن توحيد العسكريين بمعزل عن الولاء للجماعة، فبأي منطق يجري وضع العصي أمام عربة الجيش الوطني لمنع سيرها على طريق إسقاط النظام المجرم وعصابته، وما صحّة ما يتردد على ألسن البعض من حكايا حول تكليف أحد الضباط برتبة عميد بتشكيل ‘جيش خاص’ لجماعة الإخوان؟هل يُعقل ذلك، وما رأي الإخوان؟’ كاتب سوري يقيم في باريس