قلما تُساءَل الموسيقى كما تُساءَل الأفكار، ربما لأنها تُعامل بوصفها بريئة، نحبّها أو نرفضها بناء على الذائقة وحسب. وبينما يُحاسَب الفنان أخلاقيا، لا تُحاسَب موسيقاه، فهي ببساطة جميلة أو غير جميلة، وكثيرا ما تُجمَع مع مؤلفها في محاكمة واحدة، دون طرح سؤال: هل يمكن للموسيقى أن تقول عكس ما يقوله مؤلفها؟ الإجابة ليست بسيطة، لأن فكرة فلسفية قديمة لا تزال سائدة، ترى أن الموسيقى تحمل مضمونا أخلاقيا يُحدِّده المؤلِّف، وليست حرّة أو مستقلة. لكن التحوّلات المعرفية والسياسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر غيرَّت هذه الفكرة، فصارت الموسيقى فضاء مستقلا، يُدرَس ثقافيا وجماليا، فلا تخلو الموسيقى من قول سياسي، ولا ترتبط بالضرورة بقول المؤلِّف.
كان آرثر شوبنهاور الأشدّ جذرية بين الفلاسفة في رؤيته إلى الموسيقى، إذ رأى أنها تجسيدٌ مباشر للإرادة المطلقة. هذه الإرادة ليست عقلانية، بل قوة عمياء يمكن أن نحسّ بها في الموسيقى. تركت هذا الرؤية أثراً عميقا، خصوصا في التحليل النفسي، الذي أعاد صياغتها عبر مفهوم «الرغبة» غير القابلة للإشباع، والمشحونة بما يعرف بـ»اللذة المؤلمة». لم يُعمِّم شوبنهاور رؤيته على أشكال الموسيقى كافة، بل حصرها في أنماط معينة. وهنا يلتقي جزئيا مع ثيودور أدورنو، الذي رأى أن جزءا كبيرا من الموسيقى المعاصرة، خاصة الشعبية، هو سلعة هدفها الإشباع الفوري، لا إرادة حرّة فيها. هكذا، قد تبدو بعض الأغاني العربية، من منظور أدورنو، وربما شوبنهاور، أنماطا جاهزة تُقدِّم العاطفة كسلعة، لا كفن يعبِّر عن إرادة حقيقية.
الفكرة الأساسية في فلسفة شوبنهاور، كما نُقِّحَت لاحقا، هي أن كل موسيقى تنطوي على توتر بين شكلها ومضمونها (اللحن والكلمة في الأغنية)، وعندما تعبّر الموسيقى عن الإرادة الحقيقية، فإنها تتحرَّر من الاثنين معا، ما يسمح للمستمع بالتحرُّر، واختبار لحظة وجودية أصيلة. لكن، مع تطوُّر فلسفة الموسيقى، نُقِدَت هذه الفكرة لافتقارها إلى الحسّ التاريخي، وأصبح في إمكاننا تفسير «الإرادة» عند شوبنهاور بأنها مرتبطة بالموسيقى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث عبَّرت الموسيقى آنذاك عن روح تلك المرحلة الثقافية المميزة، وما شعر به الناس، فكانت «تحرّرية» بمعنى أنها سمحت لنا بأن نسمعها بطريقة معينة، فبدت ثورية متحررة، حتى من الشكل والمضمون اللذين حدّدهما المؤلف لها. ربما يكون ريتشارد فاغنر، المثال الأوضح لتجسيد الرؤية الشوبنهاورية؛ فهو موسيقيّ اشتهر بمواقفه المعادية لليهود، ومع ذلك قدّم أعمالا وُصفت بأنها تحرّرية وثورية، لأنها استطاعت الانفصال عن نزعاته العنصرية وامتلاك قولها الخاص. ويمكن أن نجد شيئا مشابها، وإن بدرجة أقل، في بعض الأغاني أو الموسيقى التجارية؛ فرغم افتقارها إلى الحرية الكاملة، تظلّ حاملة لإرادة ما، وناطقة بذات ما. وحين تسيطر الألحان أو الكلمات، يخضع المستمع لتأثيرها، لكن ذلك لا يحول دون قراءة هذا الخضوع وتمييز طبيعة الإرادة التي تفرضه.
يُعرَف أن الموسيقى هي الفن الوحيد الذي يُولَد في الزمن ويعيش فيه. غير أنها تعبث به أحيانا، تُبطِّئه أو تُسرِّعه، فتقذف بالسامع إلى الماضي، إلى المستقبل، أو تثبّته في زمن معين. هكذا، تصبح قراءة الموسيقى شكلا من أشكال قراءة الزمن، وبصورة أدق، قراءة الزمن النفسي للذات التي تسمعها. ومن هنا، تغدو قراءة الموسيقى التي نسمعها أكثر قدرة على كشف ذواتنا. ويصبح من المشروع أن نسأل عن الأغاني الشعبية: هل تعبّر أعمال جورج وسوف وفضل شاكر مثلا عن إرادة معينة؟ للإجابة، علينا أن نضع مواقفهما السياسية جانبا، لنتبيّن ما إذا كان ما تقوله أغانيهما يختلف عمّا يصرّحان به. فعندما ينجح الفنان في التحوّل إلى «حالة»، فهذا يعني أنّ ثمّة «إرادة» بات يعبّر عنها.
نسمع فضل يغني «معقول أنساك معقول؟»، «نسيت أنساك»، «أنا عمري ما نسيتك»، «انسى اللي راح»، ولا يقتصر الأمر على الكلمات، بل تأتي ألحانه مطابقة. ألحان دائرية متشابهة ومتكرّرة، تعود إلى نقطة البداية دون تغيّر واضح، فيشعر المستمع وكأنه عالق في دوران مستمر. هذا الدوران يشبه عملية «نسيان»، إذ يعود المزاج إلى النقطة نفسها بدل أن يتطور، حتى ليصعب الجزم إن كانت الأغنية تنتهي فعلا. تخلق هذه التقنية إحساسا بأن الزمن في الأغنية غير محدَّد، وكأن ما فات، أو ما سيأتي قد تلاشى. حتى حين عاد فضل مؤخرا، بعد انقطاع، في «أحلى رسمة»، جاءت ألحانه وكلماته لتؤكد ما سبق، وتقول: «إلا وأنا معاك نسّيتني القسوة ديا»، ويغني مجددا للنسيان..
أما حين نسمع جورج، فنجد أنفسنا في زمن آخر، بلا نسيان، بل تذكّر. ثمة خط سردي واضح في أغانيه، فألحانه تقف عند الحدث، وتعيد سرد تفاصيله. بداية محددة، مسار متصاعد، وخاتمة. الكلمات تطابق اللحن. يغني: «وأنا بعدك إيه فاضلي»، «سلف ودين»، «اللي اديتهم زماني نسيوا زماني بثواني»، «خسرت كل الناس علشانه». التذكّر يتطلب إعادة النظر في ما جرى، وهذا يُترجَم موسيقيا إلى شدّ وجذب بين الكلمة واللحن، الكلمة قد تحمل شجنا، بينما اللحن يبرز هذه الانفعالات، أو يقاومها ليخلق كثافة عاطفية، ما يشبه عملية تقليب الذكريات في الذهن. لا انسياب هنا، بل سلسلة من العقد تُربط وتُفكّ، بتوزيع معقّد، وصوت باريتونيّ (رجوليّ) يُكثِر من العُرَب والزخرفة، ويغني القرار والجواب. على عكس صوت فضل الناعم والعذب، الذي كثيرا ما يوصَف بأنه أنثوي، ما يجعله مفضلا لأغاني الحب والرومانسية. النشوة عند جورج ليست مؤجَّلة كما عند فضل، بل تنفجر: كما في «ما جاش في بالك تيجي تطمّن عليّا؟» أو «حموت وأشوفك بين إيديا يا حبيبي». أما عند فضل، فنسمع تصعيدا وإحماء بلا انفجار، كما في «الله أعلم» التي تستمر إلى ما لا نهاية. المرأة، التي هي كناية عن الجسد والواقع، عند جورج ليست حلما معلقا كما عند فضل، بل هي جسد خائب تحقّق ثم انكسر، وهي مشاركة في اللعبة، ليست صورة بعيدة نلوّح لها من شرفة الأغنية. الأغنية عند جورج هي إعادة تذكير وإعادة تمثيل لما حدث، لا حلم كما عند فضل. إن جسدية جورج التجريبية نقيض هوائية فضل التي تبقى في مرحلة ما قبل التجربة.
غير أن هذه الأغاني ليست بلا سياق ثقافي أو تاريخي، أو بلا ذات تتلقّاها وتُسقِط عليها معنى معينا كما نفعل في هذه المقالة. فعندما نضعها في سياق سوري راهن، تتجلى «الإرادة» الكامنة فيها، ويتضح أن النسيان والتذكّر ليسا حالتين نقيتين، بل يرتبطان بذوات معينة، وعواطف ذات بُعد سياسي وشخصي، فيتحوّلان إلى إرادة نسيان وإرادة تذكّر. لذلك، لم يكن مستغربا أن تُقرأ عودة فضل الفنية، من خلال موسيقاه، كمسعى لمحو أربعة عشر عاما من الذاكرة والعودة إلى لحظة ما قبل التجربة، ما قبل النضج السوري، قبل مواجهة الجسد والواقع، بما يحمله من صدمة وجرح ودم، حيث الحب الأول والأحلام والمستقبل الزاهي الممكن، حيث لا تَبعات لما حدث، وحيث الخير المطلق ما زال معلّقا. بذلك، يمكن وصف موسيقى فضل بأنها «تريد» أن تنسى، أقرب إلى لذّة مُعلّقة، تخدّر الحاضر، تتوهم مستقبلا بدل أن تصنعه. أما جورج الذي يخوض التجربة حتى النهاية، فالعودة إليه اليوم ليست بلا معنى، فكما يدخل الأغنية مثقلا بالذكريات، يدخلها سامعه مثقلا بما كان قبل أربعة عشر عاما، يرفض نسيان ما كان قبل ذلك، فيتذكّر. ليست أغنية جورج مهربا من أربعة عشر عاما، بل استدعاء لما قبلها، فلا أجمل ولا أفضل مما كان، ولا أسوأ مما صار. أما أغنية فضل، فهي لا تنكر أربعة عشر عاما إلا لتستأنف من حيث توقفت، فلا أسوأ مما كان، ولا أجمل ولا أفضل مما سيكون.
وبقدر ما تبدو الحالتان متناقضتَين، فهما في الواقع ليستا كذلك؛ إذ إن الذوات التي تصغي إليهما تكاد تتطابق. فما المستقبل المرتجى من زمن توقّف كليا عام 2011 مع جورج، وأخذ حامله يتذكّر الماضي ويسير إلى الوراء؟ وما المستقبل الممكن من زمن تفاؤلي يتجاهل أربعة عشر عاما ويواصل المسير وكأنها لم تكن، مندفعا إلى مستقبل متوهَّم، دون أدوات التفكير في صنعه؟ تقول الفيلسوفة ريبيكا كوماي: «النسيان ليس نقيض التذكّر، بل يثبت هنا أنه إنجازه الأكثر جذرية: النسيان يدفع الذاكرة إلى نقطة تتجاوز بدايتها ذاتها. أن تنسى، أن تمحو الماضي، أن تجعل كل ما حدث وكأنه لم يحدث قط، هو بالتحديد أن تتذكّر لحظة ما قبل أن يحدث كل ذلك». وفي الحالتين، لا إرادة حرّة، ولا وجود لمسار حقيقي إلى الأمام، أيا كان نوعه.
كاتبة سورية