كيف عاد توتنهام إلى الحياة على يد العراّب الاسكندينافي؟

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: تصدر المدرب الدنماركي توماس فرانك، عناوين الصحف والمواقع الرياضية البريطانية على مدار الأسبوع الماضي، وذلك ليس فقط لنجاحه في قيادة فريقه توتنهام لتحقيق الفوز على مانشستر سيتي في عقر دار الأخير بثنائية نظيفة ضمن منافسات الجولة الثانية للدوري الإنكليزي الممتاز، بل أيضا وهو الأهم، لظهور بصمته السريعة على الأداء الفردي والجماعي للديوك اللندنية، استنادا إلى ما يشاهده ويلاحظه ألد الخصوم قبل عشاق النادي من تحول جذري في شكل وشخصية الفريق داخل الملعب، من فريق أقل ما يُقال عنه «مفككا» على المستوى الدفاعي وبالتحديد تحت قيادة المدرب الأسترالي السابق أنجي بوستيكوغلو، إلى منظومة شبه متكاملة دفاعيا وهجوميا، والمثير للدهشة والاستغراب، أن الطفرة الواضحة في الأداء الفردي والجماعي للسبيرز، جاءت تقريبا بنفس العناصر التي بصمت على واحد من أسوأ المواسم في تاريخ النادي على المستوى المحلي، بل كان من الممكن أن يصبح الموسم الأسوأ في كل العصور، بعد حجز المقعد السابع عشر في جدول ترتيب أندية الدوري الإنكليزي الممتاز مع إطلاق صافرة النهاية، إلا أن خطف كأس اليوروبا ليغ من أنياب الغريم المحلي مانشستر يونايتد في المباراة النهائية، ما ساهم بشكل أو بآخر في حفظ ماء وجه اللاعبين والمدرب السابق أمام المشجعين، والسؤال الذي يفرض نفسه في الأسابيع والأيام القليلة الماضية هو: كيف استطاع المدرب الاسكندينافي في إحداث هذا التأثير الهائل على مشروعه الجديد في البريميرليغ بهذه السرعة والتكاليف البسيطة؟ تابع الأسباب الجوهرية في هذا التقرير.

الاحتواء والواقعية

كان واضحا أن توتنهام، يملك ما يكفي من الجودة والكفاءة في مختلف المراكز، أو في أضعف التقديرات، يملك في تشكيلته بعض الأسماء والمواهب المؤهلة للعب مع ناد بطموحات أكبر من معقل «الليلي وايتس»، لكن مشكلة هؤلاء اللاعبين، أو حجر العثرة الذي كان يحول دون ظهورهم بمستواهم الحقيقي، هو غياب ما يُعرف بنظام اللعب المتوازن بين النواحي الدفاعية والهجومية، وهذا يرجع في الأساس إلى أفكار المدرب الأسترالي، التي كانت ترتكز على المبالغة والتطرف الهجومي على حساب أمان الفريق الدفاعي، فكانت النتيجة إنهاء الموسم، كخامس أسوأ خط دفاع في البريميرليغ، متفوقا على الثلاثي الهابط إلى دوري «تشامبيون شب» (ليستر سيتي وإيبسويتش تاون وساوثهامبتون)، بالإضافة إلى ولفرهامبتون صاحب المركز السادس عشر، أما الآن، فمن الواضح أن الأمور بدأت تتغير وتتحسن إلى الأفضل مع المدرب الجديد، الذي بدوره أحسن استغلال الدفعة المعنوية التي تحصل عليها اللاعبون بعد كسر عقدة النادي مع الألقاب والعودة إلى دوري أبطال أوروبا، ليضرب عصافير عدة بالجملة بحجر واحد، منها إعادة الحافز وخلق دوافع جديدة للاعبين، ومنها تحريرهم من القيود والضغوط التي أثرت عليهم بشكل سلبي طيلة الموسم الماضي، ليبدأ سريعا في جني ثمار عمله واستثماره في عقول هؤلاء اللاعبين، باستعادة روحهم القتالية ونزعتهم الهجومية التي تعكس التحول الكبير في عقلية المجموعة، من فريق كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه حصالة بالنسبة للفرق التي تطمح في المنافسة على أماكن أوروبية، والأسوأ أنه فريق أقل ما يُقال عنه «سيئ السمعة» على مستوى الانضباط والالتزام الدفاعي، إلى قوة جماعية لا أحد يتمنى مواجهتها، وفي رواية أخرى منظومة جماعية من الصعب هزيمتها على مدار 90 دقيقة، حتى لو كان المنافس اسمه بطل دوري أبطال أوروبا باريس سان جيرمان، والإشارة إلى مباراة الكأس السوبر الأوروبية، التي كانت شاهدة على البداية المبشرة لفرانك مع الفريق، بما أظهره من تفوق تكتيكي على نظيره في «بي إس جي» لويس إنريكي، وهذا باعتراف الأخير في حديثه مع الصحافيين بعد المباراة، التي كانت في طريقها للانتهاء بفوز بطل اليوروبا ليغ، لولا صحوة عملاق العاصمة الفرنسية في الدقائق الأخيرة، التي أسفرت عن ثنائية لي كانغ وغونسالو راموس، وبالتبعية ذهبت بالمباراة إلى ركلات الجزاء الترجيحية، التي ابتسمت لعثمان ديمبيلي ورفاقه، لكن في الوقت ذاته، أعطت رسائل مبكرة حول هوية توتنهام الجديدة تحت قيادة توماس فرانك.

صلابة ومرونة

أثبت حاكم «توتنهام هوتسبر» الجديد، أن أصحاب المواهب الحقيقية والعقول التدريبية العبقرية، عادة لا يستغرقون وقتا طويلا لإظهار بصماتهم وتأثيرهم على الأداء الفردي للاعبين، وأكبر دليل على ذلك، أن نفس رباعي الدفاعي الذي استقبل ما مجموعه 65 هدفا في 38 مباراة على مستوى البريميرليغ الموسم الماضي، وآخر مباراة بشباك نظيفة يرجع تاريخها إلى الـ16 من فبراير / شباط الماضي أمام مانشستر يونايتد، هو نفسه الذي خرج بشباك نظيفة في أول اختبارين في حملة البريميرليغ الجديدة، في ليلة اكتساح بيرنلي بثلاثية نظيفة، ثم بفرض الأمر الواقع على بيب غوارديولا وفريقه في قلب ملعب «الاتحاد»، والإشارة إلى قلبي الدفاع كريستيان روميرو وميكي فان دي فن، بالإضافة إلى الظهيرين بيدرو بورو وسبينس، ومن خلفهم حامي العرين المتألق للموسم الثاني على التوالي غويرمو فيكاريو، ما يدعم الفرضية التي كانت تشير إلى افتقار هؤلاء اللاعبين إلى الطريقة أو الأسلوب المناسب لمساعدتهم على الظهور ككتلة دفاعية صلبة، وهو ما يعمل توماس فرانك على توفيره لخط الدفاع، بإلغاء فكرة «الدفاع مسؤولية المدافعين»، وجعل «الدفاع مسؤولية مشتركة بين الجميع»، بداية من صاحب القميص رقم (9) ريشارليسون، مرورا بمحمد قدوس وفي ساحة الوسط جواو بالينيا، وهذا ما ساهم حتى الآن في إعادة الكثير من التوازن والانضباط للخط الخلفي للديوك بنفس التركيبة الدفاعية التي كانت في بعض فترات الموسم الماضي مادة دسمة للسخرية في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي نفس الوقت، وهو الأكثر أهمية، جعل الفريق يبدو أكثر حدة وشراسة في عملية الضغط لافتكاك الكرة واسترجاعها في الثلث الأول للمنافس، بتلك الطريقة التي سجل بها القادم من بايرن ميونيخ على سبيل الإعارة الهدف الثاني في شباك السكاي بلوز، مع لمسة فنية واضحة في سرعة تنفيذ التحولات من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، من دون أن يظهر الفريق أي مؤشر أو علامة على تأثره برحيل القائد سون هيونغ مين الى الدوري الأمريكي، ولا بصدمة غياب ماديسون لمدة ستة أشهر على أقل تقدير، بعد خضوعه لعملية جراحية في الرباط الصليبي، وهذه السرعة تعكس فلسفة فرانك ونهجه المؤيد للمقولة المأثورة لمدرب ليفربول السابق يورغن كلوب، الذي قال عن الضغط أنه «أفضل صانع ألعاب في كرة القدم»، وما يُكمله هو التعامل بكل حدة ووحشية مع هدايا الخصوم في اللمسة الأخيرة، وهو ما يعمل على تطبيقه في مشروعه الجديد في الجزء الأبيض لشمال العاصمة.

كشاف ومُلهم

بخلاف إستراتيجية توماس فرانك التي تجمع بين المرونة التكتيكية والصلابة التنظيمية، وقدرته على إدارة المباريات، بتلك الطريقة التي أرهق بها بيب غوارديولا في الشوط الثاني، بتحويل المباراة إلى ساحة صراعات ثنائية، تفوق فيها ثلاثي خط وسط توتنهام الذين يغلب عليهم الطابع البدني بالينيا، وباب سار وبينتانكور، ليحكموا سيطرتهم على كل متر في وسط الملعب، فهو أيضا من القلائل الذين يُجيدون فن إزالة الغبار عن المواهب المدفونة أو الأسماء الطامحة في الوصول لأعلى مستوى تنافسي في اللعبة، وذلك منذ تجربته المميزة مع برينتفورد، التي كانت شاهدة على نبوءة بيب غوارديولا له، بأن «وصوله لقيادة أحد كبار البريميرليغ أوروبا مجرد مسألة وقت»، بعد فوزه على السكاي بلوز مرتين في الدور الأول والثاني للبريميرليغ، وأيضا كانت شاهدة على نجاحه في اكتشاف أسماء بحجم ووزن أوليفر واتكينز، وسعيد بن رحمة، وبعدهم آيفان توني وبرايان مبويمو ويوان ويسا، ما يعني أنه لن يجد صعوبة في إخراج أفضل ما لدى قدوس وباقي مفاتيح لعبه. يبقى فقط الاختبار الأكثر أهمية في المرحلة القادمة، هو مدى قدرة الفريق على الاستمرارية بنفس القوة والزخم لفترة أطول، منها سيعطي رسائل واضحة ومباشرة، بأنه لم يأت كمدرب عابر مثل أسلافه الذين تناوبوا على نفس المنصب بعد رحيل ماوريسيو بوتشيتينو، ومنها أيضا سيثبت بشكل عملي أنه أعاد تشكيل هوية الفريق، وحوله على أرض الواقع من فريق يعاني من تقلبات مفرطة على مستوى الأداء والنتائج، إلى قوة تكتيكية لا أحد يتمنى الوقوف أمامها، حتى بعد سلسلة الضربات الأخيرة، التي اكتملت بتمنع نجم كريستال بالاس إيبيريتشي إيزي على أصحاب القميص اللندني الأبيض، من أجل العودة إلى بيته القديم آرسنال، بعد رحيل سون وإصابة ماديسون، كأن توماس فرانك، يتفنن في تحويل هذه التحديات إلى فرصة لصناعة فريق يعتمد على منظومة جماعية لا على الأفراد، كواحد من أسرار توحش السبيرز وظهوره في صورة آلة تكتيكية مرعبة تجمع بين الالتزام والانضباط التكتيكي دفاعيا وبين المعنى الحرفي للجرأة والشراسة في الثلث الأخير من الملعب، فهل يا ترى سينجح فرانك في البناء على هذه البداية النارية؟ أم سيتأثر قليلا بالضغوط والأعين التي ستبدأ في مراقبته أكثر من أي وقت مضى في المرحلة القادمة؟ هذا ما سيجيب عنه المدرب الدنماركي ورجاله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية