شهدت منطقة الخليج في الآونة الاخيرة تصاعد كبير للدور التركي على الصعيد الاستراتيجي تمخض عن هذا الدور الجديد تبلور توازن استراتيجي لم يتحدد شكله لحد الان وذلك لاستمرارية التصارعات الاقليمية والدولية في هذه المنطقة الحساسة من العالم، فبعد عجز تركيا عن الانضمام الى الاتحاد الاوروبي ادركت ضرورة التنفذ والتمدد نحو منطقة الخليج التي تعد (رخوة استراتيجيا) بسبب تراجع الاقطاب العربية وتصاعد الدور الايراني فيها، فراح التفكير الاستراتيجي التركي يعيد قراءة مواقفه بشكل متأن تجاه الواقع الاقليمي، فنتج عن هذه الدور استراتيجية محورية صاغ معطياتها منظرو الاستراتيجية التركية وابرزهم رئيس الوزراء احمد داوود اوغلو والذي يعد عراب الاستراتيجية التركية، فاليوم تركيا طرف فاعل في المنطقة وليس في الخليج فقط، فهي تزاحم النفوذ الايراني المتصاعد باستراتيجية غير ظاهرة للعيان من خلال تحالفاتها مع الاحزاب الاسلامية (جماعة الاخوان) فضلاً عن علاقاتها الوطيدة مع قطر وقوتها العسكرية وثقلها الاقتصادي وتأثيرها الناعم. كل هذه الوسائل اتاحت لتركيا أن تلعب دورا كبيرا في الخليج وتشارك برسم ملامح التوازن الاستراتيجي المرتقب في المنطقة، ويمكن اجمال اهم الاهداف الاستراتيجية لتركيا في الخليج بما يأتي:
1 ـ ملء الفراغ الاستراتيجي: ثمة عامل مهم يدفع تركيا إلى التحرك صوب الخليج تحديداً وهو محاولة ملء الفراغ الاستراتيجي في المنطقة، فالمتغيرات الإقليمية الراهنة التي يعيشها النظام الاقليمي من انقسام حاد في المواقف والرؤى، والاخلاف في ميزان القوى الاستراتيجي نتيجة احتلال الولايات المتحدة العراق، وهشاشة التحالفات العربية العربية، وانكشاف النظام الاقليمي أمام التدخلات الخارجية، وعجزه عن التعامل بحيادية مع الأزمات كالدور الايراني المتصاعد، كل ذلك أعطى تركيا، التي تتمتع بعلاقات جيدة مع جميع الأطراف العربية وأيضا مع إسرائيل والولايات المتحدة، أعطاها دفعة قوية للتغلغل المنطقة والانغماس في قضاياه المصيرية، ورسم استراتيجــــية مختلفة تجاه الخليج على خلاف سياساتها القديمة أثــــناء الحرب الباردة، إذاً من الواضح أن تركيا تمارس دورها كقوة إقليمية كبرى في المنطقة، ولديها مصالح سياسية واقتصادية واسعة تريد تحقيقها ومن ثمّ الحفاظ عليها، وذلك من خلال نسج شبكة من العلاقات والتحالفات الدولية والإقليمية وعلى هذا الأساس، يجب النظر إلى تركيا التي تعيد رسم توجهاتها الخارجية، وترسيخ نفوذها في المنطقة لا من خلال كونها عضواً في محاور وأحلاف مع دول أخرى فقط، ولكن من خلال تعزيز موقعها كقطبٍ إقليمي مستقل ومؤثر، ويحتفظ لنفسه بمسافة واحدة من الجميع وفي الوقت نفسه يتواصل مع الجميع.
2 ـ اعادة التموضع: بفعل الأحداث والتطورات السياسية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر عام 2001، وجدت تركيا نفسها أمام تحديات حقيقية، وأمام اختبار حقيقي لموقعها ودورها في المنطقة، خصوصاً وان احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة خلق واقعاً جديداً على حدودها الجنوبية الشرقية، متمثلاً في التمدد الايراني السريع والمهدد لمصالحها في العراق والخليج خصوصاً بعد التقهقر الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة التي باتت تعاني انكشافا استراتيجيا، إن تركيا في المرحلة الراهنة تصوغ سياسة خارجية تختلف كلياً عن السياسة التقليدية التي مارستها سابقاً فتركيا بزعامة التيار الإسلامي تبدو فاعلة دبلوماسياً واستراتيجياً عبر التحول الناشط لإعادة التمركز بعد تراجع دورها كقاعدة غربية متقدمة في الحرب الباردة في مواجهة المعسكر الشرقي والاتحاد السوفيتي آنذاك ومن الواضح أن تركيا اليوم ترمي بكل ثقلها الاقتصادي والسياسي لممارسة ولعب دور قوي ومؤثر في الخليج والمنطقة.
3 ـ التحولات الاستراتيجية في المنطقة: تدرك تركيا تمام الإدراك أنه كلما زاد تأثيرها ونفوذها في الخليج التي تعد بؤرة ساخنة للصراعات والنزاعات الإقليمية والدولية، كلما عززت مكانتها في النظام العالمي الجديد طور التشكل في السنوات القليلة الماضية، وبالرغم من الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي أجرتها حكومة رجب طيب أردوغان مسايرةً للشروط الأوروبية من أجل الانتساب على عضوية الاتحاد الأوربي، إلا أن أوروبا بدت وكأنها تماطل تركيا في المفاوضات التي من شأنها أن تعطي تركيا في نهاية المطاف بطاقة انتساب، فتركيا اليوم هي أكبر اقتصاديات المنطقة، وبحجم يفوق الاقتصاد السعودي النفطي، وهي الدولة رقم 17 في العالم من حيث كبر حجم الاقتصاد فضلاً عن ذلك، تحاول تركيا عبر تزايد انغماسها في أزمات المنطقة وقضاياها أن توصل رسالة إلى الأوروبيين والأمريكيين على حدٍ سواء، بأنها قادرة على ممارسة دور سياسي واقتصادي قوي ومستقل في الخليج والمنطقة وبالتالي فعلى الغرب أن يعلم أنه لا يمكن استبعاد تركيا من أي معادلة أو تسوية تخص المنطقة فتركيا إن لم تكن قادرة وحدها على تكريس ورسم تفاعلات سياسية من نوعٍ جديدٍ في المنطقة، ولكنها على الأقل قادرة على عرقلة أي ترتيبات أو مشاريع غربية خاصة في الخليج والشرق الاوسط تتم بمعزل عنها.
4 ـ احتواء ايران: ان الاستراتيجية التركية تجاه إيران شهدت أيضا تغييرا في ظل حزب العدالة والتنمية فالدور التركي في العالم الإسلامي السني سيكون محجماً للدور الإيراني الشيعي من دون حاجة لتدخل الولايات المتحدة العسكري ضد إيران، بل ان السياسة التركية في الخليج من خلال عمقها السني قادرة على تحجيم الدور الإيراني، فتعمد تركيا اليوم على بسط نفوذها في سوريا من خلال دعم المعارضة المسلحة والتأكيد على ضرورة رحيل بشار الاسد وهو ما يتنافى مع التطلعات الايرانية في سوريا فتحاول تركيا اليـــوم استرجاع النفوذ التركي المفقود في سوريا ولبنان، اما في العراق فتحرص تركيا على دعم السياسيين السنة من اجل احتواء النفوذ الايراني في العراق وتؤكد على ضرورة انشاء حكومة تمثل جميع اطياف المجتمع العراق، كما لتركيا اليوم علاقات قوية جداً مع قطر الدولة القريبة جغرافيا من ايران وهو ما يشكل تهديدا حقيقيا للمصالح والنفوذ الايرانية في الخليج.
5 ـ الازمة السورية: لسوريا تاريخ طويل من العداء تجاه تركيا فكان للبلدين نزاعات حدودية مريرة وخلافات حول حقوق المياه بسبب بناء السدود التركية على نهر الفرات، وبعد الأحداث التي حدثت في المنطقة وما نجم عنها من حركات تغير استغلت تركيا قيام مثل هذه الحركات من اجل توسيع نفوذها الإقليمي فعمدت إلى دعم المعارضة المسلحة في سوريا من اجل اجهاض المد الايراني نحو البحر المتوسط ومع ذلك، ونتيجة للصراع في سوريا، كانت الرؤية الاستراتيجية لتركيا مختلفة عن تلك الخاصة بكل من ايران وسوريا، وقد ترك ذلك آثارا سلبية على أشكال الانخراط التركي على المستوى الإقليمي بدرجة تفوق تلك الآثار على المستوى الدولي ولذلك كانت تركيا حائرة في دوافعها لحل القضايا الإقليمية بين ربط نفسها بالأطراف الدولية الكبرى من ناحية، وممارسة دور اللاعب الإقليمي الرئيسي من ناحية أخرى.
6- التحالف مع قطر: تتطلع قطر من تركيا ان تقوم بدور التكامل والتوازن في الخليج، دور يساعد على رسم ملامح التوازن الاستراتيجي المفقود في المنطقة، دور لا يتيح لإيران الهيمنة وفرض ارادتها على الدول الخليجية خاصة الصغيرة ومنها، وان تكون تركيا حلقة وصل بين دول الخليج واوروبا في اطار علاقة متوازنة يستفيد منها الجميع وضمن نسق علاقات دولية متعارف عليها دون هيمنة طرف على اخر واستفادة طرف على حساب اخر كما ترغب قطر ان يكون لتركيا دور في اطار التكامل ايضاً لحل مشاكل المنطقة في مقدمتها سوريا والعراق خاصة ان لتركيا مصالح في هذه المنطقة ويهمها امنها واستقرارها حسب رؤيتها، وعلى ضوء التقارب القطري التركي ما تم تشكيله من لجان لتفعيل التعاون المشترك وتوقيع اتفاقيات التعاون يستطيع الجانبان تسريع وتيرة هذا التعاون وابداء رغبة مشتركة للانتقال من مرحلة تقنين التعاون ووضعه في قوالب الاتفاقيات واللجان المشتركة الى مرحلة التعاون الفعلي والواقعي في الجانبين الاقتصادي والسياسي لأثبات القدرة المشتركة على ترجمة هذه الاتفاقيات وتحويلها على مشاريع ملموسة، والانتقال من التعاون النظري في المجال السياسي والامني الى تحرك واقعي يمهد لملء الفراغ الذي خلفه الانساب الامريكي من العراق، وايجاد الحلول العلمية لأمن منطقة الخليج بعيداً عن التصعيد الايراني ورد الفعل الدولي المضاد.
6 ـ احتواء السعودية: بعد احداث حركات التغير العربي وما ادت الى اخلال في ميزان القوى في المنطقة والتي نجمت عنها انبثاق قوى اقليمية كقطر وتركــــيا والتي عمدت هذه القوى إلى تبني استراتيجية تقوم على اساس دعم تيارات اسلامية والتي تتمثل بالإخوان المسلمين، فكان هناك تحرك بعكس الاتجاه من قبل المملكة العربية السعودية والتي عمدت إلى تبني مشروع يقع على عاتقه احتواء المد التركي (الاخواني) في المنطقة والمتمثل بحركة الاخوان المسلمين في سوريا ومصر وليبيا، فيما أخذت تركيا على عاتقها احتواء النفوذ السعودي في مصر وليبيا وسوريا من اجل توسيع افاق التطلع الاستراتيجي في المنطقة وخصوصاً في الخليج وتوسيع نطاق تحالفها مع قطر التي تعد بمثابة الذراع التركي في الخليج .
واخيراً أدركت تركيا أهمية الخليج، بوصفه مجالاً جغرافياً، يقع في العمق الاستراتيجي التركي تركيا، اذ تلعب دوراً إقليمياً محوريا من دون الاصطدام بقوى عالمية ممانعة، لا يجد معارضة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، نظراً لأنها تعتبره يشكل ثقلاً موازياً للدور الإيراني في المنطقة الذي يلقى معارضة الولايات المتحدة الأمريكية.
٭ باحث من العراق
علي زياد