المغربي محمد الكغاط… رائد «المرتجلة» في المسرح العربي

حجم الخط
0

الحديث عن محمد الكغاط يأخذني إلى طرح مجموعة من الأسئلة منها: هل سأتحدث عن محمد الكغاط الإنسان، أم الفنان؟ فالحديث عنه صعب، لأنه لم يكن إنسانا عاديا، كما أنه لم يكن فنانا عاديا.
أتذكر ابتسامته الدائمة، وحديثه الهادئ عن أوديب وأنتجونا وغيرهما من عمالقة الميثولوجية الإغريقية القديمة، أما الكغاط الفنان فقد قيل عنه الكثير، ووجدت نفسي في حيرة من أمري، ماذا أكتب و ماذا أترك؟ فكل من سألته أجابني بكلمات إذا كتبت كلمة واحدة منها فإنها ستتطلب مني سنوات من الدراسة، فقد «…عاش محمد الكغاط للمسرح ومن أجل المسرح، كان من الناس القليلين الذين يتفانون في عملهم بصدق وأمانة وجدية لا حدود لها».
فمحمد الكغاط سيظل موشوما في الذاكرة من خلال مسرحياته المتميزة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: «بشار الخير»، «منزلة بين الهزيمتين»، «ذكريات من المستقبل»… وكتبه القيمة: «بنية التأليف المسرحي في المغرب من البداية إلى الثمانينيات»، «المسرح وفضاءاته»… فهو كما قالت عنه الفنانة ثريا جبران:» أستاذ من أكبر الأساتذة، متواضع، متميز كأستاذ جامعي، وباحث، ومخرج، ومؤلف، وممثل سينمائي ومسرحي، صفات لا توجد في أي فنان مغربي، هرم نفتخر به داخل المغرب وخارجه»، أعطى للسينما المغربية والتلفزة الشيء الكثير، فقد مثل في العديد من الأفلام نذكر منها: «شهر العسل بالمغرب» سنة 1962 إنتاج ألماني فرنسي، «صلاة الغائب» لحميد بناني سنة 1992، وفي التلفزيون مسلسل «الواد» من إخراج حميد بناني، سنة 1995، «دواير الزمان» لفريدة بورقية سنة 2000، كما أنتج برامج إذاعية في إذاعة فاس منها: «روائع المسرح العالمي»، «دنيا المسرح»، كما شغل مناصب مهمة منها: عضو اتحاد كتاب المغرب، رئيس جمعية هواة المسرح الوطني في فاس، ومدير مديرية الفنون في وزارة الشؤون الثقافية.
يعتبر الكغاط من أبرز المسرحيين التجريبيين سواء على المستوى المغربي أو العربي، تميزت تجربته باستنادها إلى خلفية معرفية وجمالية جعلته يبحث ويفكر، ويجدد أدواته باستمرار، فالتعددية التي تميز بها باعتباره مؤلفا ومخرجا وممثلا وباحثا وأستاذا لمادة المسرح، فتحت له آفاقا واسعة للتعامل مع الظاهرة المسرحية بنوع من الشمولية والتنوع في آن، فتجربته المسرحية ضمت أنماطا مسرحية مختلفة عربية وغربية، كل هذه المعطيات ساهمت في تعميق البحث لديه وانفتاحه على آفاق جديدة منها أفق الارتجال، حيث تكاد تكون تجربته في كتابة المرتجلة، الأولى من نوعها في مسار المسرح العربي، ومما زاد تميزه، كتابته لثلاثية ضمت ثلاث مرتجلات هي: المرتجلة الجديدة، مرتجلة فاس، مرتجلة شميشة للا.
هذه المرتجلات التي حاول من خلالها محمد الكغاط التعبير عن موقفه من بعض القضايا الشائكة التي يتخبط فيها مسرحنا العربي، وصاغ عبرها منظوره الخاص إزاء المسرح، باعتباره فنا مكرسا لخدمة قضايا الإنسان، يقول في مقدمة مرتجلته الجديدة وفاس: «ولأن مسرحنا يعاني من كل أنواع المصائب والعراقيل فقد لجأت إلى كتابة المرتجلة من أجل طرحها أمام الجمهور، وذلك بعد أن تبين لي أن الحديث عن المشاكل ليس كمعايشتها أو رؤيتها مجسدة، ولجأت في المرتجلة الجديدة إلى السخرية والضحك وتضخيم المواقف سعيا مني لخلق ما يعرف بالكوميديا السوداء، وقد بالغت في سوداوية هذه الكوميديا لأصل لا إلى أن من الهم ما يضحك ولكن إلى أن الهم إذا زاد عن حده صار مضحكا». فمحمد الكغاط قدم لنا المرتجلة في وقتها المناسب، حين أحس أن المسرح المغربي في حاجة إلى هذا النوع من المسرح، ليستيقظ من نومه العميق، ولكي يدرك المتفرج أن ذلك الرجل الذي يشاهده على الخشبة، والذي يناقش قضاياه ويطرح حلولا لها أحيانا، هو أيضا يعاني مشاكل لا تقل صعوبة عن مشاكله التي تعود أن يجعلها بينه وبين نفسه.
ففي المرتجلة الجديدة حاول أن يوضح لنا صراع المسارح بشكل آخر، يوضحه صراعا يملك كل طرف فيه وسائله ومبادئه الخاصة.. تيار يؤمن بأن الغاية الأساسية هي الضحك فقط، وتيار آخر يحاول أن يؤسس فرجة قائمة على قيم معرفية وجمالية، يتبين لنا هذا في حديث المتسلط المؤلف للمتسلط المخرج: «المتسلط المؤلف: خصك تفهمني…إحنا ماغاديش نديرو مسرحية من ذاك النوع اللي ما كيدخللوش الناس، مكاين نعاما سيدي غير التكعكيع»… والتكرديس، والتشقليب، والركيع والتكوميك.. حتى يبقى الجمهور كيبكي بالتكوميك…خليني من اللغة العربية الفصحى… والشعر والهدور… والتاريخ…والتراث… وبنادم غير حال فمو مافاهم والو… اشرط علي ما كاين غير التكعكيع…والتكوميك…» أي»يجب أن تفهمني، نحن لن نقوم بمسرحية من ذلك النوع الذي لا يدخل إليه الناس، سنقوم بالضحك المفرط، وسنقول كل شيء وأي شيء، لن نتحدث باللغة العربية، ولن نستعمل الشعر والتاريخ والتراث، لن نقدم ذلك المسرح الذي يكون فيه الجمهور غير واع بما يقدمه الممثل».
فالتسلط وحصر دور المسرح في الضحك هو في الأساس إنكار للرسالة السامية التي يحملها المسرح، والتعبير عن هذا بلغة عامية مبتذلة هو تعبير عن المستوى الذي أصبح عليه المسرح، لذلك فمحمد الكغاط حاول من خلال هذه المرتجلة أن يبين أن المسرح ليس هو الضحك أو قول كلمات قد تكون دون المستوى، بل المسرح هو التراث، هو التاريخ، هو اللغة العربية بكل ما تحمله من دلالات.
أما في مرتجلة فاس، فقد قدم لنا الميتامسرح بصورة مختلفة عما قدمه في المرتجلة الجديدة، فقد قدم لنا صراع المسارح، لكن هذه المرة على شكل محاكمات أقيمت في مسرح الظل أحيانا، وأحيانا أخرى يستحضر شعراء عظماء في هذه المحاكمات.
كما تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه المرتجلات قد طبعت في كتاب واحد، وتم عرضها في العديد من المهرجانات والملتقيات الثقافية نذكر منها:
المرتجلة الجديدة:
المهرجان الصيفي الدولي في فاس بتاريخ 29/06/1987.
الأسبوع الثقافي في مركز تكوين المعلمين في فاس بتاريخ 04/02/1988.
الأيام المسرحية الوطنية الثانية في المحمدية بتاريخ 10/09/1988.
مرتجلة فاس:
الأيام المسرحية في فاس بتاريخ 24/04/1989.
المهرجان الدولي الثاني للمسرح الجامعي في البيضاء بتاريخ 05/09/1989.
وهذا إن دل، فإنه يدل على أن المرتجلة رغم أنها نوع جديد في المسرح المغربي، إلا أنها تركت صدى ولو بسيطا داخل النخبة المثقفة في المغرب خاصة.
لتأتي في الأخير مرتجلة شميشة للا التي لم يكن حظها جيدا، سواء على مستوى طبعها وتداولها بين الناس، فمازالت عبارة عن مخطوط، أم على مستوى العرض، هذه المرتجلة التي جاءت في الوقت الذي كان فيه مسرح محمد الكغاط يعاني من خلال وصفه بالغموض وعدم تواصله مع الجمهور.
فالمرتجلات الثلاث يمكننا أن نعتبرها وبكل صراحة، مغامرة من طرف محمد الكغاط، فالجمهور المغربي اليوم لا يستطيع فهم المسرح العادي، فكيف له أن يفهم المرتجلة، فدوره كان دورا كبيرا من خلال محاولته تقريب هذا النوع من المسرح من المجتمع المغربي الذي لا زال إلى يومنا هذا لا يؤمن برسالة المسرح.
وأخيرا يمكننا أن نسجل، أن تجربة محمد الكغاط تجربة جاءت بمثابة الصفعة التي حاولت إيقاظ المسرح المغربي من سباته العميق، والأمل كل الأمل في تجارب أخرى تنهض بالمسرح المغربي والعربي بصفة عامة، وتنقذ مسرحنا من هذا المستوى الذي يتراجع يوما بعد يوم، ونكمل الطريق الذي بدأه بخلق مسرح جديد يكون الخطوة الأولى لتغير كل شيء.
فمحمد الكغاط سيظل دائما في الذاكرة، ذلك الرجل الذي وضعنا على أول خطوة من خطوات بناء مسرح مغربي متميز.
«من وحيك ألهمني يا ربة الشعر…
لأنظم قصصا تحرك أصم الصخر…
ومقامات تؤرخ في سجل عصري…
إن إلهامي نبراس ليل…ودفء شتاء…
….إلى محمد خارج مدار حروف (الميم، الواو، التاء)

أكاديمية مغربية ـ باريس

نجوى خالدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية