الخُلُق والتعاطي: هل تقدّم ثقافتنا المعاصرة مثلاً أعلى؟

أثارت جودي دين أستاذة العلوم السياسية الأمريكية، جدلاً في أوساط اليسار الغربي، بسبب نظرياتها غير المألوفة حول الذات الفردية والحزبيّة والديمقراطية. فبينما يتهم كثيرٌ من النُقُّاد أنصارَ اليسار، خاصة الطلبة والأساتذة الجامعيين، بأنهم يعيشون في «غرف صدى»، أي في «مساحات آمنة»، يكررون فيها الآراء نفسها، دون أن يقبلوا التعرّض لأي نقد جدي، أو سماع وجهات نظر قد تجرح حساسياتهم، أكدت دين أن ما يفتقرون إليه فعلاً هو غرف الصدى الحقيقية، أي حيّزاً يبنون فيه مفاهيم سياسية، وتصورات عن الذات الجماعية، تمكّنهم من أن يكونوا سياسيين حقاً. ما يدور الآن ضمن ما يسمى «اليسار الأكاديمي» ليس أكثر من أنماط من الحمائية الذاتية، أي ذوات فردية هشّة، غير مكتملة النمو السياسي والاجتماعي والأخلاقي، تحاول البقاء على ما هي عليه، في مساحات قد تكون مدفوعة الأجر؛ وتستهلك رموزاً وعلامات ثقافية، على مستوى سطحي جداً من الوعي واللاوعي.
في «غرفة الصدى» التي تحلم بها دين، لا تبقى الذات الفرديّة على ما هي عليه، بل تتجاوز نفسها نحو أبعاد أكثر رقياً، بفضل الجماعة التي تؤكّد القيم نفسها، فتكتسب الذوات مفاهيم مثل «الرفاقية»، «الجماعية»، «التضامن». وبذلك تصل إلى تصوّر عن «الأنا المثالية» التي تريد الارتقاء إليها. ويمكنها بعدها أن تخوض نزاعات وجدالات الحيز العام، وأن تحقق تغييراً اجتماعياً فعلياً.
وبغض النظر عن اتهام دين من قبل خصومها بالستالينية (هي تعترف، وتفخر، بأنها ماركسية لينينية) فإن ما تعمل عليه أساساً هو مفاهيم معقدة في النظرية السياسية والتحليل النفسي والدراسات الثقافية، من أهمها مفهوم Ich-Ideal العائد لفرويد، ويعني الأنا المثالية، أي المثال الأخلاقي والاجتماعي، الذي تريد الذات الفردية، بشكل غير واعِ غالباً، الوصول إليه، عبر استبطانه في سلوكها وخيالاتها، وقياس نفسها به. يختلف استبطان هذا المثال عن مشاعر الذنب والعار الذي يشعر بها الفرد عند ارتكابه ذنباً ما، حسب الأخلاق الاجتماعية الدارجة، فهو طاقة منتجة أكثر من كونه مبدأً قمعياً يحدّ من رغبات الذات وتطلعاتها. الحالم بالأنا المثالية ليس غارقاً بالذنب، أو ساعياً لإرضاء الآخرين، أو خاضعاً للسلطة الاجتماعية السائدة، بل على العكس، يمتلك القوة لمحاكمة مجتمعه، والسعي لتغييره، ويحقق بذلك استقلاليته الذاتية والاجتماعية. ورغم كل القوة والتمرّد في المفهوم، إلا أنه لا يطابق تماماً مفهوم «الإنسان الأعلى» Übermensch لدى نيتشه، بل ربما يعاكسه، فالأنا المثالية لا يمكن اكتسابها إلا جماعياً، عبر التماهي مع شخصيات ورموز اجتماعية، قد تكون غائبة أو مشوّهة حالياً؛ أما «الإنسان الأعلى» فهو خلق حر، لا يتّبع أي صورة أو مثال، يتجاوز أخلاق الجماعة، ويسعى لتحطيمها، بل أعلى من ثنائية الخير/الشر نفسها.

بالنسبة لدين فإن عقوداً طويلة من «تجاوز أخلاق الجماعة»، لم تفض إلى نتيجة سياسية مرضية، ونحن اليوم نفتقر إلى أي مثال جماعي، ما يجعل الذوات الفردية شديدة الضعف، لا توجّه سياسياً أو أخلاقياً فعلياً لها، ويمكن التلاعب بها ببساطة، من قبل السلطات المنتجة للرموز والعلامات الثقافية. ما يجعل كل شيء، بما في ذلك الدين والتمرّد الثقافي والنزعة اليسارية ذاتها، مجرد سلع يستهلكها الأفراد، في «دوائرهم السحرية» الخاصة. تخاطب الأيديولوجيا السائدة الذوات بوصفها أفراداً، حسب دين، وتبيعها وهم «التمرّد» و»الخلق الحر». هذا يجب إيقافه، عبر مخاطبة الذوات بوصفها أعضاء في جماعة، تمنحهم أنا مثالية غير قابلة للبيع والشراء والاستهلاك. هنا يأتي دور النزعة الحزبيّة الصلبة، وهي في عصرنا، الذي اضمحلّت فيه كل البنى الأبوية، وتراجعت مؤسسات الرعاية الاجتماعية، الطريقة الوحيدة لإعطاء البشر المثال الاجتماعي، الذي يساعدهم على الوصول إلى النضج.
من غير «الأنا المثالية» فإننا سنتعامل دوماً مع أفراد غير ناضجين، وغير أخلاقيين، مهما ثرثروا بالخطابات الأخلاقية عن «المهمشين» و»البيئة» و»مكافحة التمييز»؛ ولا يتمتعون بالاستقلالية والحرية الاجتماعية والسياسية. فالحريّة، في جانب منها، جهد أخلاقي لتجاوز الوضع الراهن، بما في ذلك الوضع الذي نجد عليه ذواتنا، بآلامها وصدماتها وانفعالاتها وشعورها بالضعف وعدم الأمان. لا نحتاج اليوم إلى أفراد، ولا إلى «حلفاء» في مواجهة النزعات اليمينية و»النيوليبرالية»، بل إلى «رفاق»، أي مجموعة متماسكة ومتضامنة، ممن يحملون الأنا المثالية نفسها. لم تفسّر دين، وهذه نقطة الضعف الأبرز في فكرها، من أين ستأتي تلك «الأنا المثالية» والنزعة الحزبيّة الصلبة، وكأنها مجرد إرادة خيّرة، ستحلّ على البشر من الخارج، عبر مجموعة من المعلمين والمناضلين الاجتماعيين، ما يجعلها ربما أحد أعراض «اليسار الأكاديمي» نفسه، الذي تنتقده. إلا أن لأفكارها أهمية كبيرة في الشرط الثقافي والسياسي الذي نعيشه. قد يظن كثيرون أن غياب النزعة الجماعية، والمثال الأخلاقي والسياسي، هو من قضايا «العالم الأول»، ولكن هل توجد «أنا مثالية» في مجتمعاتنا مثلاً، «المتديّنة بطبعها»، و»الجماعية» كما يُفترض؟ وما «الجهد الأخلاقي» الذي يُبذل لدينا، وسط الكم الهائل من المتطرفين والشعبويين العنيفين؟

التجميع القسري

يصعب اليوم فهم المثال، الذي يسعى إليه، أو يستبطنه، المتطرفون في المنطقة الناطقة بالعربية. فحتى من يطالبون بـ»دولة إسلامية» و»حكم الشريعة»، لا يقدمّون أي فكرة أخلاقية أو سياسية قابلة للتحليل أو النقاش، إذ من غير المعلوم ما الأفضلية التي يقدمها «الإسلام» الذي يتحدثون عنه للبشر، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وما القيم العليا التي يمكن أن تجعله مثالاً سياسياً واجتماعياً مرغوباً. كل ما في الأمر أنه يبدو طريقة لنصرة مجموعة ضد بقية المجموعات، عبر منحها السيادة، وإمكانية تقرير أبسط الشؤون الحياتية للآخرين. بدعوى أن تلك المجموعة تستحق ذلك، لأفضلية عددية أو تاريخية. تمتزج هنا «المظلومية» مع «القوة»، في مزيج يولّد شعور الاستحقاق المفرط، ودون أي أفق أو قيمة جديّة: ستخضع لـ»جماعتنا» فقط لأنها قادرة على إخضاعك، أو انتظر الفوضى والإبادة. يبدو هذا أقرب لـ»تطييف الإسلام»، أي تحويله لطائفة مغلقة، تسعى للانتصار في حرب أهلية، وفرض السيادة. إلا أن الحديث عن جماعة/طائفة، الذي يبدو أنه التوجّه الأساسي للإسلام السياسي اليوم، لا يعني أن تلك الجماعة منتجة للقيم والمُثل حتى لأفرادها، إذ يبدو الوضع فوضوياً للغاية من هذه الناحية: لدينا أفراد يقومون بممارسات يصعب تبريرها بأي شرع أو دين (كما نتمنى)، مثل القتل الجماعي على أسس طائفية وقومية؛ الاعتداء على النساء؛ محاولة السيطرة على الحيز العام بأساليب أقرب للبلطجة. لا يوجد أي شيء أخلاقي في هذا، ولكنه فقط قوّة للمجموعة/الهوية، وطريقة لبسط السيادة، ولذلك يُقبل ويُبرر، بل ويُستعمل ورقةً للتهديد، لإخضاع المغايرين والخصوم، على مبدأ أن «لدينا متطرفين أسوأ منّا، فالأفضل لكم أن تخضعوا لنا نحن». وهكذا ينال أفراد الجماعة/الهوية رخصة لتحقيق أسوأ غرائزهم وانفعالاتهم، دون أي شعور بالذنب، بل بطريقة تبدو «ديناً»، أو تُقرّها نصرة الدين بطريقة ما، فتمتزج الغرائزية بما يفترض أنه تسامٍ ديني.

لا علاقة لهذا بمفهوم «الأنا المثالية» من قريب أو بعيد، لقد بات لدينا إسلاميون ومتدينون دون أي طرح أخلاقي، وهذا، عدا عن كونه كارثة اجتماعية، يجعل الصراع على السيادة أقرب لمشاجرة بين مراهقين غير متحضّرين، بلا أي مبدأ سوى القوة والقدرة على الاعتداء. يمكن اعتبار الحديث عن «البراغماتية»، الذي ينتشر مؤخراً في الأوساط الإسلامية، وحتى الجهادية، إشارة مقلقة أخرى في هذا السياق، فتلك «البراغماتية» التي لا علاقة لها بأي مفهوم معروف للبراغماتية (فسّرتها «مؤثّرة» سورية بأنها «التصالح مع الذات») لا تعني أكثر من المساومة والتنازل للقوى السياسية الخارجية المسيطرة، في سبيل نصرة المجموعة/الهوية، وتحقيق سيادتها على الداخل. مع ممارسة أشد أشكال القسوة تجاه الفئات الأضعف، التي لن تحقق المجموعة أهدافها إلا بإخضاعها، وربما استئصالها. وربما لا تكون المشكلة فقط مع غياب القيمة والمبدأ، وإنما مع الجهل الفخور بذاته، الذي يستعمل كلمات ومفردات لا يعرف معانيها، ويقدّمها بوصفها شعارات ومبادئ. نواجه عملياً أفراداً لا يمتلكون، ولا يهتمون، بأي مفهوم عن الحق والحقيقة، ويعتبرون أنفسهم فوق ذلك مناصرين لقيم دين عالمي.
يبدو كل ذلك أقرب لـ»التجميع القسري» منه إلى «الأنا المثالية»، والمصطلح الأول هو من المثالب التي انتُقدت بسببها الستالينية، التي ارتكبت، في سياق «التجميع الزراعي» الاشتراكي، جرائم كبرى ضد الإنسانية. إلا أننا هنا لسنا أمام مشروع تاريخي، يُجمِّع البشر رغماً عن إرادتهم، للوصول إلى يوتوبيا ما، بل مجرّد تجميع قائم على العنف البدائي، المناهض للفكر والقيم أساساً، لتحقيق انتصار في حرب عبثية، وبلوغ ثأر ما.
في «التجميع القسري» الذي نشهده، عليك أن تخضع للمجموعة، وتندمج بها، دون أي غاية أو نظام. وهذا إباحي جداً فعلياً، فلأجل المجموعة/الهوية كل شيء مباح، وربما لذلك يندمج أفراد كثر بهذا «المشروع»: هنالك جماعة تبيح لك إطلاق أكثر غرائزك بدائية ضد المغايرين، لتعوّض بذلك الكبت المروّع الذي تعيشه وسطها. هذا هو النقيض التام للتسامي والمثالية، والجهد الأخلاقي ومفاهيم المنفعة؛ وليس بالتأكيد «براغماتية»، بل هو نوع من الارتكاس، ليس فقط نحو الطفولة، بل خارج كل ما يُعرّف الحضارة الإنسانية.

أزمة أخلاقية

اكتسبت لفظة «أخلاقية»، أو «أخلاقوية» (ربما توضع الواو لتعويض لاحقة ism باللغة الإنكليزية) معاني سلبية في الثقافة السياسية العربية المعاصرة، إذ يرى كثيرون أننا يجب أن لا نكون أخلاقيين للغاية، أو مدّعين للأخلاق، في مسائل الحيز العام، والأفضل أن نكون «واقعيين». إلا أن هذا مفهوم ضعيف عن الحيز العام والواقع معاً، إذ لا يمكن تصور هذين المفهومين دون بناء أخلاقي معيّن.
موضوع السياسة هو بالطبع «السيادة» وتحقيقها، إلا أن هذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال تصورات ومبادئ معيّنة، منها التصورات الأخلاقية. يترجم نظام السياسة كل تلك المبادئ إلى لغته، فيجعل للسيادة مُبرراً ومعنى مضمراً، يكونان أساس الهيمنة الأيديولوجية التي يحاول فرضها. ولذلك فإن «واقعيةً» دون أخلاقيات تعني الهمجية؛ وسيادةً دون هيمنة تعني العنف العاري والاعتداء؛ وحيزاً عاماً بلا نواظم ومُثل ومشتركات ومعايير يصبح ميداناً للصراخ، دون أي قدرة على التواصل.
«الواقعية» الفقيرة، التي يشير إليها كثير من المتحدثين باللغة العربية، ليست أكثر من فوضى مجتمعات مدمّرة ومُفقرة، تكاد تفقد الحد الأدنى من مؤسسات وقيم التحضّر، وتنشر فيها كثير من الأوهام والخرافات والهلاوس، عن الذات والآخرين. وهذا وضع لا يمكن التأقلم معه، بل سيدفع البشر إلى محاولات الهروب، للحفاظ على وجودهم، قبل أي شيء آخر. «الواقعية» تعني هنا إذن المساهمة في تدمير الواقع، بدلاً من السعي إلى إعادة بنائه؛ وهي ليست أكثر من خرافة، تضاف إلى الكم الكبير من الهلاوس، التي تنتشر في المجتمعات المدمّرة.
التعاطي مع هذه الأزمة يحتاج إلى سعي أخلاقي وسياسي، ويعيدنا إلى طرح «الأنا المثالية»، كما قدّمته جودي دين، فكل هؤلاء البشر، من جلادي «الواقع» وضحاياه، يفتقرون فعلاً إلى توجّه، يساهم في منحهم ذاتاً متحضّرة بالحد الأدنى. هم لا يستهلكون رموزاً ثقافية مسلّعة، كما في الحالة الغربية، بل يتعاطون مجموعة من التعاويذ اللغوية، والاستيهامات الذاتية، المأخوذة، دون أي منهج، من الخزان الثقافي المتراكم لـ»الأمة»، بطريقة أشبه بتعاطي أقراص الكبتاغون، التي انتشرت في المنطقة.
لا نملك أيضاً معلمين ومناضلين، لإدخال الوعي من الخارج، إلا أن أزمتنا لا تشبه أزمة «اليسار» الغربي، الذي تنتقده دين، فنحن لا نواجه شرطاً سياسياً واجتماعياً غير عادل، ونحلم بتغييره، وإنما مهددون بوجودنا ذاته. ربما سيدفع هذا الوضع الكارثي فئات متزايدة من البشر للتضامن، والبحث عن «أنا مثالية» أخلاقية وسياسية؛ أو ربما سيستمرون في «التعاطي» وسط كل الانهيارات، ما سيزيد الأوضاع سوءاً. في كل الأحوال لا يملك كثيرون ترف اليأس، ولذلك ستستمر الحركة والجدل والصراعات، وهذا قد يكون إيجابياً من زاوية ما.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية