لاقى تعريف فلاديمير لينين للاشتراكية، في الظرف الروسي، اهتماماً كبيراً من معاصريه، ومن الأجيال اللاحقة من المنظّرين الثوريين والمؤرخين ودارسي النظرية السياسية. جملته الشهيرة الموجزة: «الاشتراكية تعني حكم السوفييت + كهربة البلاد»، بدت شديدة التكثيف، لدرجة فتحت أبواباً لا تنتهي من التأويل والتحليل، وأعيد تفسيرها لاحقاً، انطلاقاً من مفاهيم معقدة، مثل «إعادة الإنتاج»، و»الأولوية الوجودية للعمل»، و»المعرفة العامة»، و»السياسات الحيوية»، وغيرها مما يركز عليه عادة ما يُعرف بـ»اليسار الجديد»، على اختلاف وتضارب تياراته.
بعيداً عن كل تلك المفاهيم، يحمل طرفا تلك المعادلة اللينينية أبعاداً لافتة بالفعل، فـ»حكم السوفييت» مقولة تتعلّق بالسيادة؛ أما «كهربة البلاد» فتتمحور حول التحديث، ضمن ظرف انهيار الإمبراطورية القيصرية في الحرب العالمية الأولى، نتيجة فشلها في التحديث أساساً، سواء تحديث نمط سيادتها، وتعاملها مع شعوبها المتعددة، أو التحديث الاقتصادي والإداري والثقافي. كان لينين يتكلّم من بلد أغلبية سكّانه من الفلاحين المتدينين، تسود فيه كل مظاهر «التخلّف»، مع مركز مديني حداثي جداً، هو العاصمة القيصرية «بتروغراد» (ليننغراد لاحقاً، واليوم بطرسبورغ)، يحوي طبقة عاملة واسعة ومنظّمة، ولكنها «أقليّة» في بحر فلاحي، ووسط شعوب شديدة الاختلاف، ومتعددة الثقافات إلى أقصى الحدود. كل هذا قد يجعل من منظور لينين أقرب إلى هموم منطقتنا، منه إلى منظور وهموم رفاقه وخصومه من الماركسيين والأناركيين الأوربيين الغربيين. فقد خرجت بلداننا في الوقت نفسه من سلطة الدولة العثمانية، الفاشلة بدورها في التحديث، وكانت أسئلة السيادة و»كهربة البلاد» الأسئلة المفتاحية في تفكير أغلبية السياسيين والثوريين والمفكرين، على اختلاف تياراتهم. مع الأخذ بعين الاعتبار أن المنطقة لم تعرف حاضرة بازدهار بتروغراد؛ وهي أبعد، جغرافياً وثقافياً، عن أوروبا.
لم يكن لينين من المؤمنين بعقلانية الدولة أو تعاليها، بل رآها، نظرياً، جهازاً انتقالياً، يجب أن يكون مبسّطاً، مهمته قمع خصوم الطبقة العاملة، ويضمحل تدريجياً مع نجاحه بتحقيق مهمته. السيادة للطبقة إذن، المنظّمة في مجالس (سوفيتات)، وعليها أن تعيد هندسة المجتمعات، وإيصال الكهرباء إليها. بكل الأبعاد الرمزية للكهرباء، فهي الطاقة والعلم والتقنية، التي ستحرّك المعامل وتطور البلاد، وترفع المستوى المادي لسكانها؛ وهي أيضاً، بتأويل رمزي واضح، التنوير، الذي سيضيء بصر وبصيرة الشعوب المتعددة، التي ما زالت غارقة في الجهل والأميّة؛ ومرتبطة بالأرض كالأقنان، رغم إلغاء القنانة قبل عقود؛ وخاضعة لهيمنة كهنتها وملاليها؛ ولديها، في الوقت نفسه، أزمة تجاه المركز القديم المنهار، وضرورات تدفعها لـ»تقرير المصير».
حلم لينين كان تحويل كل تلك الشعوب إلى عمال يشبهون عمال بتروغراد، دون أن يخاف من مصطلحات مثل «الحرب الأهلية»، فكل ثورة في جانب منها حرب أهلية، حسب الإرث الماركسي. كان يفكّر بالحداثة الأمريكية والألمانية، بقدر تفكيره باليوتوبيا الشيوعية. والنتيجة كانت ملحمة دموية وبطولية في الوقت نفسه، أدت لدولة متضخّمة في نهاية المطاف، لا تضمحل، ولكنها ناجحة في تحقيق خططها، أياً كان الثمن. لقد انتهت أحلام المجالس العمالية بدولة بيروقراطية قمعية، تقود التحديث فوقياً، وكأنها قدر لا يمكن تجاوزه، والحل الوحيد لتحويل الفلاحين، و»الشعوب الشرقية»، إلى عمّال سوفييت. المفارقة الساخرة أنها كانت دولة تحمل كثيراً من سمات «الاستبداد الشرقي».
في منطقتنا اتخذت أسئلة «السيادة» و»الكهربة» أشكالاً أخرى، قد يمكن تلخيصها بأن السيادة للشعب الساعي للتحرر من الاستعمار، والشعب مسلم تعريفاً، ما جعلنا نتراوح دائماً بين مفهومي السيادة الشعبية وسيادة «الإسلام» نفسه؛ فيما اتفق الجميع على ضرورة «الكهربة»، ولكن مع تحفّظات متعددة. رأى كثيرون، خاصة من التيارات الإسلامية والقومية، أننا نحتاج إلى تقنية وعلم «الغرب»، مع المحافظة على «خصوصية» ما، وغالباً ما أُسبغت هالة رومانسية على تلك «الخصوصية»، فصارت «الأمة» متفوّقة بجوهرها على ذلك الغرب، الذي لم يهزمها لولا تقنيته وسلاحه، والحل تعويض ذلك الفارق التقني مع الحفاظ على التفوّق والخصوصية، وهكذا باتت للأمة «رسالة خالدة»، ويحقّ لها ادعاء «أستاذية العالم». وبالطبع، الدولة هي من سيحقق الرسالة، ويؤستذ على الداخل والخارج.
يمكن تعداد اختلافات جوهرية كثيرة بين الفكرة اللينينية عن التحديث، واتجاهات التحديث في منطقتنا، رغم انطلاقهما من أسئلة متشابهة:
أولها أن لينين كان صاحب مشروع نظري للسلام، ربما من الأهم في التاريخ، فيما حداثتنا حربية منذ بداياتها، تركز على انتصار الأمة في معركتها؛ وثانيها اعترافه بالتعددية والانقسام الاجتماعي، ضمن صراع طبقي طاحن، أو حتى حرب أهلية. فيما «شعبنا» عليه دائماً أن يكون واحداً، ربما باستثناء بعض الأورام غير الأصيلة، القابلة للاستئصال؛ وثالثها رغبته بتجاوز الدولة، فيما أمتنا لا تقوم وتصل إلى تجسّدها الفعلي إلا بدولة صلبة، تحقق «الرسالة الخالدة»؛ ورابعها ميله للأوربة الشاملة، أي ربط «الكهربة» بنشر فكر تنويري، يوفّر كل منجزات التنوير البورجوازي من جهة، ويطوّره، أو يتجاوزه، نحو آفاق أوسع. فيما «الكهربة» لدينا كانت وسيلة فُرضت علينا لمواجهة الآخر، الغربي غالباً؛ وخامساً، وليس أخيراً، عمله على مبدأ «حق الشعوب في تقرير المصير»، وصولاً لاتحاد من شعوب متعددة، فيما تقرير المصير لدينا كان غالباً باتجاه واحد، أي حق العرب المسلمين وحدهم بتقرير مصيرهم، الذي يصبح سيادتهم على الآخرين. قد تكون هذه الفروقات أقرب للفروقات الكلاسيكية بين البلشفية من جهة، والنازية/الفاشية من جهة أخرى.
اليوم انتهى «حكم السوفييت»، بعد تجربة طويلة فاشلة، لتحل محلّه روسيا البوتينية، المحافظة والقومية والعدوانية في كثير من الأحيان، والمعادية لأوروبا لحساب «روسيا الأم» غير الغربية؛ فيما سقطت مشاريع التحديث العربية، لتعقبها الدول الفاشلة، وأشباه الدول، والميليشيات، والكثير من الإسلام السياسي، إلا أن سؤال السيادة و»الكهربة»، بارتباطاته بمسائل الدولة والتنوير، ما يزال قائماً. وكل تفكير بتجاوز الأوضاع المأساوية القائمة لا بد أن يمرّ به.
خلف الدولة
ما يزال كثير من أبناء المنطقة يريدون «الاصطفاف خلف الدولة»، حتى لو لم توجد فعلاً، بل ربما كلما ضعفت واضمحلت، وتحولّت إلى ما يشبه الميليشيا، أو العصابة، يتضخّم الحلم بها، والحديث عنها وباسمها. فيما يزداد الحديث عن «الوحدة الوطنية» و»الشعب الواحد»، كلما بدا أن المجتمعات على حافة الحرب الأهلية، وكأنها تعويذة تقي من الاعتراف بالتفتت الاجتماعي والفئوي والطائفي، والتعددية الفعلية لشعوب المنطقة. لا يبدو إذن أن الثقافة السياسية السائدة قد تغيّرت بنيوياً، منذ بدايات التأسيس السياسي للأمة قبل قرنين من الزمن. فالسيادة للأمة، أو لشعبها، ودائماً يُطرح «الإسلام» سياسياً، إما بصفته المرجعية الثقافية والهوياتية (ولذلك نتائجه التشريعية، وآثاره على ضبط الحياة اليومية والسياسات الحيوية)؛ أو في الحالات الأكثر تطرفاً، يُعتبر بديلاً عن مبدأ السيادة الشعبية نفسه، الذي يعدّه أنصار «الحاكمية الإلهية» نوعاً من الشرك.
بالنسبة لـ»الكهربة»، فما تزال أيضاً شأناً من شؤون دولة الأمة، التي تُعقد عليها الآمال لتحقيق مهمة «النهضة»، وهي، كما كانت دائماً، من شقين: التقنية المولّدة للثروة الماديّة وكذلك الهيمنة السياسية؛ و»التمكين» وصولاً لتهيئة ظروف انتصار الأمة في معاركها الكثيرة. لا يخرج عن هذا معظم التيارات السياسية في المنطقة، من اليسار المناهض للإمبريالية، وحتى السلفية الجهادية، ربما الاختلاف الوحيد هو أن الأبراج الشاهقة، والأموال المتدفقة من الاستثمارات الخارجية، باتت حلم كثير من الإسلاميين (إلى جانب الصواريخ الفتّاكة)؛ فيما يميل «اليساريون» إلى دور اجتماعي وحمائي للدولة، ضد «النيوليبرالية»، بوصف ذلك تمكيناً أفضل لـ»الجماهير»، في معركتها التاريخية (وطبعاً الصواريخ تبقى حاضرة في المخيّلة المشتركة، اليسارية/الإسلامية).
يمكن فهم «الكهربة» أيضاً بالمعنى الأعمق لـ»إعادة الإنتاج»، أي بالتعبير الماركسي: «إعادة إنتاج قوى وعلاقات الإنتاج»، الذي لا يشمل تجديد وتوسيع الأدوات والهياكل الإنتاجية فحسب، بل أيضاً إعادة إنتاج البشر أنفسهم، بما في ذلك شؤونهم الجسدية والصحيّة والجنسانية، وتعليمهم وأدوات تفكيرهم، والتعاطي مع «معرفتهم العامة»، أي مجموع المعارف، المتضمنة في اللغة والثقافة والخبرة الاجتماعية والتاريخية والعمليّة. كل هذا يبدو، من منظور الثقافة السياسية العربية، احتكاراً للدولة، صاحبة الدين والهوية والمرجعية، التي يجب أن تهندس المجتمعات، لتعيد إنتاجها بما يتفق مع أهداف الأمة، وإعداد أجيال جديدة من المسلمين، أو المجاهدين، أو المقاومين، أو «نازعي الاستعمار».
وسط كل هذا يغيب المنظور الاجتماعي والديمقراطي للفكرة المجالسية، التي عبّر عنها لينين بعبارة «حكم السوفييت». وهذا الغياب لا يشير أساساً إلى انعدام المنظور العمّالي أو اليساري في الفكر السياسي العربي، فالمجالسية لم تكن تاريخياً حكراً على اليسار العمالي، بل أسلوباً لإدارة شؤون الحياة، مترسّخاً في العالم، وفي منطقتنا أيضاً، منذ عصور مغرقة في القدم. عبادة دولة الأمة، والغياب التام للمنظور المجالسي، يشير عملياً إلى ضعف مفاهيم الحق الجماعي والفردي، والعجز عن الاعتراف بالتعددية، والاستقلالية في تقرير المصير والمصلحة والحياة.
في «المجلس» يلتقي البشر المتعددون، ليتفحّصوا منفعة وعقلانية وأخلاقية أي طرح أو دعوة أو مشروع؛ ويتوافقون على «مصلحتهم العامة» بناء على المشتركات التي ينتجونها من جدلهم بلغتهم العمومية؛ ويترجمون عقائدهم ومعتقداتهم الذاتية إلى لغة مفهومة لهم جميعاً. ما يعرقل فرض أي مبدأ فوقي عليهم، سواء كان مُقبلاً من الدين أو الدولة. بالطبع لم تكن المجالس عبر التاريخ بكل هذه المثالية، بل سادت فيها أيديولوجيات وعقائد، وأنماط من الشعبوية، بل حتى الغوغائية، ولكن وجودها بحد ذاته أمّن الإمكانية التاريخية لتجاوز التعالي السلطوي والعقائدي، أو التخفيف من أثره. في منطقتنا يبدو الناشطون والمثقفون، من «اليسار» إلى أقصى اليمين، مصرين على تعالي الدولة والدين والأمة و»القضية»، والذي يهون لأجله كل شيء، بما في ذلك تدمير وإبادة المجتمعات، وعرقلة استمرار الحياة فيها.
يضعنا هذا أمام أزمة تشبه التي عانى منها لينين في مطلع القرن الماضي، مع مجتمعات ذات أغلبية فلّاحية، تسود فيها عقلية الأقنان، رغم إلغاء القنانة: يعوّل القن على تعالي سيده، ويرتبط فيه مادياً ورمزياً وشعورياً، ويخشى من الاستقلالية والتحرر، وينتظر الخلاص من الخارج. سيؤدي هذا دوماً إلى إعادة إنتاج «الاستبداد الشرقي»، وأيضاً إلى قمع ودم كثير.
مشروع السلام
قد يكون السلام أكثر ما تحتاج إليه منطقتنا، التي مزّقتها الحروب الداخلية والخارجية تماماً. والسلام لا يعني فقط وقف الحرب، وإنما إنتاج هياكل استمرار الحياة، بما في ذلك المشتركات الاجتماعية والسياسية والثقافية، والبنى الاقتصادية والإنتاجية. قلنا إن لينين كان قد ربط صيغته للاشتراكية بمشروع سلام متعدد الأبعاد، يحوي «الخبز» و»حق تقرير المصير» و»التحرر الطبقي»، فيما لم يُنتج بالعربية، بكل ما مرّ عليها من تيارات سياسية ومثقفين، أي مشروع فعلي للسلام، فقد كان الجميع على ما يبدو مشغولاً بمعارك الأمة.
السعي لضمان استمرار الحياة، في منطقة تقلّ فيها قابلية الحياة باستمرار، يجعل السلام المفقود الأهم، الذي يجب التفكير به، وصياغته المشاريع والخطابات لأجله. سيتطلب هذا بالتأكيد التخفيف قدر الإمكان من «الأمة» و»الدين»، والدول، أو أشباه الدول، الحاملة لهما. وهذا قد يقودنا إلى إعادة التفكير بالمجالسية، بما فيها من تسيير ذاتي، واعتراف بالتعدد، وتطوير لمفاهيم الحق، بوصفها الوسيلة الأفضل للوصول إلى السلام.
وربما تكون هذه هي الإجابة الأصح عن سؤال «السيادة» و»الكهربة»، الذي يعيد طرح نفسه دائماً: نحتاج، لتأمين استمرارية الحياة، إلى توزيع أقلّ مركزية للسلطة، ودوغمائية أقل، والقبول بحق تقرير المصير، والاعتراف، الذي تأخّر جداً، بتعددية الشعوب في منطقتنا، والسعي لبناء مشتركات جديدة. وهذا يتطلّب كثيراً من «الكهربة»، أي تنويراً شاملاً، لا يمكن عدّه ترفاً ثقافياً، بل المحاولة الأخيرة الممكنة لمنع الانحدار الكامل نحو الهمجية.
كيف يمكن إنجاز كل هذه المهمات وسط انتشار عقلية القنانة في مجتمعات ممزّقة؟ لينين سعى إلى بناء حزب حديدي ومركزي، يقود الناس، ويصبح السيّد الجديد، الذي يحدد ما يجب أن تفعله وتقوله المجالس، ما أغرق مشروعه في تناقضات غير قابلة للحل. وربما علينا الاعتراف باستعصاء الأوضاع، والتعايش مع التناقضات، وإعادة التجريب. احتمالية الفشل وإعادة إنتاج المآسي نفسها حاضرة بقوة، ولكن التركيز على السلام والتنوير ورفض المركزية والتعالي لا يمكن أن يمرّ دون نتائج إيجابية، قد تكسر قليلاً الدائرة المفرغة، التي غرقنا بها لعقود طويلة.
التسيير الذاتي في مجالس قد يكون صيغةً للحل، فالدولة أداة ضرورية بالطبع، ولكنها ليست وحدها حلاً، وبالتأكيد يجب أن لا نكون «خلفها»، بل أن نتعلّم كيف نعمل ونعيش ونفكّر خارجها.
كاتب سوري