لندن ـ «القدس العربي»:حالات طلاق وانفصال وعنوسة وخلافات تصل حد النكران والعداوة بين الأشقاء والأقارب، والسبب هذه المرة اتساع الخلافات السياسية والصراعات الطائفية. أصبح الإنتماء لتنظيم أو فصيل أو حزب سياسي أو طائفة في بعض الأحيان أقوى من الولاء للعائلة.
ومع انتشار الإعلام الاجتماعي الذي أصبح جزءا أساسيا في حياة أغلبية الأسر العربية، وتراجع مستوى التعليم، لا تجد الأسرة دعما متخصصا في استيعاب الخلافات السياسية والطائفية ومنعها من التأثير على تماسك العلاقة بين أبناء العائلة الواحدة.
الربيع العربي
طارق أحمد أبوبكر باحث اجتماعي وخبير إعلامي من أصل سوداني قال لـ«القدس العربي»: إزدادت هذه الظاهرة بعد الربيع العربي وسميت بـ «حروب الجيل الرابع والخامس» التي تهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي مثلما يحصل الآن في العراق من صراع بين الشيعة والسنة والأكراد. قبل الربيع العربي كانت الأسر في الدول العربية أكثر تماسكا نتيجة للقهر الموجود والشعوب كانت محكومة بقوى ديكتاتورية، أما الآن فقد أتيحت الحرية للجميع وقل الخوف، فأصبح الناس يعبرون عن رأيهم بصراحة دون قيود خاصة في إطار الأسرة الواحدة، والأمثلة على ذلك كثيرة.
صراع داخل الأسرة
ويرى أن الصدام في مصر كان دائما بين الإخوان والسلطات المتعاقبة، أما بعد 25 ثورة يناير بعد دخول الإخوان الانتخابات والوصول إلى السلطة فكان لهم مؤيدون كما كان لهم معارضون حتى داخل الأسرة الواحدة، فعندما تغير الحكم في مصر تعمق الإنقسام في الأسرة بين معارض ومؤيد لإطاحة الإخوان، حتى ان البعض أعلن إلحاده والبعض أصبحوا ينتمون إلى «داعش» باعتبار ان العملية السياسية أثبتت فشلها، ما أدى إلى تبرؤ العائلة منهم في بعض الأحيان.
تشويه الإسلام
ويؤكد الباحث ان المشكلة تكمن في ضعف النظام التعليمي العربي، إذ أن هناك مدارس في مصر على سبيل المثال تدرس مفاهيم الشيخ حسن البنا وأخرى تدرس المذهب الشيعي دون الالتزام بالمناهج الرسمية للدولة. مؤخرا شاهدنا فيديو مسربا من مدرسة شيعية لأطفال في سن 5 و 6 كان المعلم يدرسهم كيف «يلطمون» وهو ماينعكس على الأسرة.
ويتابع: انتشرت أفكار متضاربة في الإعلام الاجتماعي الذي لا يخضع لأي رقابة تربوية أو أخلاقية، وساهمت هذه الأفكار في الضغط على الأسرة وبالتالي المجتمع العربي، وخاصة بين الشباب، وأظهرت لنا هذه الوسائل قصصا مؤلمة تسببت فيها الصراعات السياسية والدينية وأثرت بشكل مباشر على الأسرة، مثل تزايد حالات الطلاق وعمليات القتل، كأن يقتل الزوج زوجته لأنها ترفض انتمائه السياسي ودفاتر الشرطة مليئة بهذه الحوادث.
الأسر المهاجرة
ولا يقتصر التهديد الذي تشكله الخلافات السياسية على الأسرة التي تعيش في البلاد العربية، بل يمتد إلى المهاجرة أيضا.
وتقول منى وهي من أصول يمنية تعيش في شفيلد في بريطانيا: أن الحرب في اليمن أثرت على الأسرة اليمنية المهاجرة بشكل كبير. نحن في البيت لا نستطيع طرح رأينا حتى لا يغضب الوالد فهو ضد التدخل العسكري الخارجي في الشأن اليمني، وحين نطرح رأينا بخصوص النزاع والحل لوقف الحرب تحصل معركة وتنتهي بالغضب والزعل. الأمر حقيقة صعب للغاية ولا أحد يتقبل رأي الآخر في البيت الواحد فما بالك بما يمكن ان يكون خارجه.
ولأن الطائفية انتقلت مع المهاجرين من بلدانهم تقول الطالبة الجامعية العراقية هند أنها احبت طالبا يدرس معها في الجامعة نفسها في لندن، واتفقا على الإرتباط ولم تفكر في يوم من الأيام أن تسأله عن انتمائه الطائفي أو السياسي وعندما جاء لخطبتها سأل والدها الشاب عن طائفته، فأجاب أنه من الشيعة، لكنه أشار إلى أن الكل عراقيين ولا يوجد أي تمييز، لكنه قوبل بالرفض الشديد دون ان يفصح والد الفتاة عن السبب.
وتقول هند: اكتشفت بعدها ان أهلي رفضوا العريس لأنه ينتمي إلى الطائفة الشيعية، وهذا أمر غير مقبول وغير عادل اذ يجب على من يعيش في الخارج ان تكون نظرته مختلفة وألا يكون متعصبا لهذه الدرجة، وما زاد من المشكلة أن أهل الشاب رفضوا أيضا ان يرتبط ابنهم بسنية المذهب لكننا ما زلنا نصر على إقناعهم وإذا رفضوا سنتزوج حتى لو أدى ذلك إلى مقاطعتهم لنا وغضبهم منا.
أما أحلام من غزة فتقول: تقدم لي عريس وعند لقائي الأول به سألني لمن تتبعين؟ هل أنت مع فتح أو حماس؟ حقيقة فاجأني سؤاله، فهذه الطريقة في التفكير تنذر بانفجار داخل المجتمع الفلسطيني، فالخلاف السياسي دخل البيوت ليفرق بين الأسر ويمزق النسيج الاجتماعي وهذا شيء محزن.
وتقول فتحية وهي مصرية من الاسكندرية سافرت لزيارة أهلها هناك فوجدت ان الخلاف السياسي والصراع الدائر على السلطة في مصر أثر بشكل كبير على تماسك الأسر فمنهم من التزم الصمت حتى لا يحارب أو يكون عرضة للشبهات والشوشرة ومنهم من يعلن عن آرائه، وبالتالي قد تحدث المشاجرات والصدامات التي تكون عنيفة أحيانا والأخطر من ذلك أن هناك قضايا طلاق في المحاكم سببها أن الزوجة لا تريد أن تلتزم بالتنظيم أو الحزب الذي ينضم إليه زوجها لأن لها آراء مختلفة فيقوم الزوج بالانفصال عنها، وقد تشكو الزوجة زوجها لانها اكتشفت بمحض الصدفة أنه ينتمي لتنظيم إرهابي وللأسف نتيجة ذلك خسرت الأسر الترابط فيما بينها وأصبح انتماء الشباب الحزبي والسياسي أقوى من انتمائهم العائلي وبالتالي خسرت الكثير من الأسر اولادها فإما قتلوا أو هربوا، الوضع حزين جدا.
وتقول سعاد من الجزائر أن أبنها البالغ من العمر 20 عاما يهتم كثيرا بمتابعة أخبار تنظيم الدولة الإسلامية عبر الانترنت والتلفزيون لدرجة أنه يقول لها أن التنظيم يطبق تعاليم الدين الإسلامي وأنه يميل إلى طريقتهم في الحكم والتفكير. وتضيف: أنا جد خائفة وأخشى ان يغسل دماغ ابني بكلامهم ويتأثر بهم. نحن في البيت نحاول مراقبته ومتابعته حتى لا يتصرف بشكل طائش أو يفكر في السفر إلى هناك، ابني متدين ويذهب إلى الجامع للصلاة باستمرار وهذا شيء جيد أما أن يدافع عنهم فهذا أمر غير مقبول، وأخاف أن أخسره وان يكون مصيره بشعا كما حدث للكثير من الشباب المغرر بهم.
وجدان الربيعي