من بيكاسو إلى فاتن حمامة وميريل ستريب: لا البلبل غنّى ولا الغراب رقص كالحجل

حجم الخط
0

وقد صادف ذكرى ميلادها منذ أيّام، فاتن حمامة الّتي مرّ على رحيلها أشهر قليلة، أصبح اسمها غنياً عن التّعريف، فقد نُقش في صفحات تاريخ السينما المصريّة والعربيّة، ولن يُمحى أبداً. التاريخ لا يرحم ولا يُجامل، حتى لو كان يُزوّر أحياناً في السياسة، أمّا في الفن فلا مجال للتزوير، كونه من قلب المُبدع إلى قلب المتلقّي. فحين وقفت سيّدة الشّاشة العربيّة، وهذا ما لُقّبت به، بسبب تميّزها وحضورها الكاريزماتي وموهبتها، أمام الكاميرا، الّتي أظهرت أعماقها المزدحمة بهموم مجتمعها؛ ارتبكت كما ترتبك السيدة في مجتمعها، حين تلتقي برجل يُحرّك شيئاً ما في داخلها. حاولت حيناً الهروب منه، خوفاً من انتقاد المجتمع لها، وحيناً آخر نظرت إليه وهي متوتّرة غير قادرة على إخفاء مشاعرها لتقول له «يا خبر يا سيدي، طبعاً بحبّك..»، في فيلمها «أفواه وأرانب» أمام الممثّل محمود ياسين، وهربت منه محرجة، بعدما كسرت تقاليد مجتمعها بعفويّة وتلقائيّة غير محدودين، كون الإعتراف بالمشاعر من قِبَل المرأة مُعيب. كانت تغلي تلك السيّدة متصارعة مع مجتمعها وهموم المرأة.
وفي فيلم «أريد حلاً» كانت صرختها مدويّة ومؤثّرة مِمّا جعل المحكمة المصريّة، بعد عرض الفيلم، تُعدّل في القانون الذي لا يُقرّ بحقّ المرأة في الطّلاق إن كان الزوج غير موافق على ذلك، فأصبح بمقدورها خلعه. موهبة فاتن حمامة كما أشرنا، وثقافتها وحضورها الكاريزماتي وهدفها في نقل هموم مجتمعها من خلال أعمالها، أوصلها إلى موقع متميّز وإلى النجوميّة، ومع الوقت لن يبقى في الذاكرة الفنيّة، سوى صاحب الموهبة، هو المبدع الحقيقي. أمّا المُتربّعون على عرش النجوميّة اليوم والغارق جمهورهم بمشاهدتهم، فما هي أدواتهم؟ لقد استُبدل النموذج الّذي ذكرناه أعلاه، بنموذج مختلف كلّياً، وقد أوتي بعارضات الأزياء لِيمَثّلن «فلا البلبل غنّى لنا ولا الغراب عَرِف رقصة الحجل» كما يقول المثل. دُمى وعارضات بقين على مهنتهن الأولى في عرض الأزياء، زدْ عليها عرض الأجساد. ووجوه فارغة من أيّة تعابير، مُركّبة بقطع غيار عالميّة، كل قطعة من بلد، تنفع يافطة إعلان لعيادة طبيب تجميل. والأجساد، بالونات وألواح كرتونيّة غير صالحة للتعبير والتمثيل. أمّا الفنّانون الذكور فوضعهم ليس أفضل بكثير.
لِنُكمل مع فاتن حمامة الّتي، برحيلها، عدنا نحنّ إلى الفن الراقي. مشهد، لإمرأة صغيرة الحجم، تروح وتجيء أمام القضاة والمحامين الّذين يُشككون بشرفها كما يوحي الزوج الّذي يُصرّ على إعادتها إلى بيت الطّاعة، كأنها قطعة أثاث يمتلكها، كما علّقت هي بنفسها. تجادلهم بالمنطق وبصوتها الناعم ورقّتها ورباطة جأشها، وبصرخة تخفي الدّموع، تشكو على الملأ أن «لا عزاء للسيّدات».
هي الموهبة، هي الثّقافة، هو الإبداع.
وإن جئنا إلى فن الغناء، فما أحلاك يا غراب وما أجملك يا ببّغاء، الّلذان هما على طبيعتهما، ضفْ إليهما الهرّة والصيصان والدجاج.. اعتبر قارئي العزيز أن ما أقوله مُجرّد طرفة، لو شئت.
وفي العودة إلى الجدّ، اسمع مثلاً صوت المطرب وديع الصافي وهو يصدح آتياً من أعلى الجّبال، من ذا الّذي سيهتم لقميصه إن شرّعه عن صدره كمغنيي أيامنا هذه، الّذين في الـ»كليب» يجمّعون حولهم النساء وكأنهن جاريات، فأعادونا للوضع الّذي رفضته الأجيال السابقة، ويتبخترون بقدّهم وأزيائهم مُطعّمين ببعض من هبل وسذاجة، وصوتهم الغائب عن الحياة، هو ليس أولويّة بالنّسبة لهم، هذا إن كان هناك من صوت أساساً، فتضيع من المستمع حاسّة السّمع.
ولو غرّبنا قليلاً مع المغنّية الفرنسيّة إديث بياف، ما الّذي أسعفها سوى صوتها وموهبتها وحسّها الفنّي الرفيع؟ ما زال يصدح ذاك الصّوت، بعد سنوات وسنوات على غيابها، ورغم تواضع شكلها الخارجي. بالله عليكم تخيّلوا لو وقفت أمامها من تُسمّى بمغنيّة من مغنّيات عصرنا الحديث، كيف كانت ستطير أو تقع بسحبة من سحبات صوتها! اضحكوا، نعم اضحكوا، فنحن في عصر يُثير السخرية فعلاً والبكاء على حالنا، فمعظم ما نشاهده أو نسمعه حولنا من فنون هو مثير للسخرية، والفنّان الموهوب مُغيّب في بلادنا. في الدول الغربيّة، هناك أيضاً تراجع في المستوى الفنّي، لكن ما زال صاحب الموهبة يُعطى الأولويّة رغم الصرعات بصناعة بعض النجوم للأعمال المسلّية ذات المستوى الفنّي البسيط.
وبالعودة إلى السينما، تبقى جوائز كالأوسكار، تحظى بمنافسة والفنّان الأكثر موهبة هو من ينال الإهتمام والتقدير، وبسببه تحصد شركات الإنتاج الأرباح الماليّة. الممثّلة الأمريكيّة جوليا روبرتس، والّتي لا تتمتّع بجمال خارق حسب المقاييس التقليديّة، لكنها تمتلك الموهبة والحضور المميّزين؛ أصبحت من ممثّلات الصفّ الأوّل، وقد وصل أجرها ليكون من بين أعلى الأجور في العالم. وماذا نقول عن الممثّلة ذات الأجر الأعلى وحاصدة الأوسكارات ميريل ستريب، الّتي أصبحت مدرسة من مدارس التمثيل في هوليوود؟ أمّا الممثّل جاك نيكلسون الّذي كان وسيماً جدّاً في شبابه، ليست وسامته من أوصله ليكون إسماً من الأسماء الكبيرة في هوليوود. فقد لعب أدواراً علّمت في السينما الهوليووديّة، كفيلمه الرائع «طيران فوق عشّ الوقواق» وعشرات الأفلام الّتي مثل فيها لِيُصبح نجماً عالميّاً مميّزاً، ويُصبح بعضها، محطّات يتوقّف عندها المهتمّون في تاريخ السينما.
هذا إن حصرنا المجال الإبداعي في السينما والغناء، فكيف إن غصنا أكثر في مجالات إبداعيّة أخرى، كالفن التشكيلي، حيث أغلب الوقت يعمل الفنّان في الظلّ؟ فنّانون عملوا بجهد ومثابرة ليقوموا بثورات فنيّة وبتأسيس تيّارات جديدة ومتعدّدة، ومنهم الفنّان التشكيلي الإسباني بابلو بيكاسو، وهو من أكثر الفنّانين تجريباً وبحثاً في الفن وقد مرّ بمراحل فنيّة عديدة من الواقعيّة إلى المرحلة الزرقاء إلى الزهريّة وصولاً للتكعيبيّة، فأظهر من خلال أعماله موهبة مميّزة، واحتلت أعماله العديد من المتاحف في العالم، ودخلت المزادات العلنيّة بأعلى الأسعار. وقد اشتهر بيكاسو بنظراته الحادة والثّاقبة، الّتي تنمّ عن ذكاء رفيع وموهبة رفيعة.
إذاً ورغم تقصير بعض الدول في رعاية الفن الجّيد، وتوجيه الجمهور الّذي يجهل أحياناً كيفيّة إختياره لنوعيّة أو مستوى الفن الراقي، إلى نهاية المعزوفة، لكن بالتأكيد أن الفن الآني والّذي ترعاه البروباغندا، لن يدوم، والبقاء لأصحاب الموهبة والذكاء. رغم أن هناك، وبكل تأكيد، مواهب لم تَعدل مع أصحابها الحياة ولا حتّى، التاريخ وانطمست أعمالهم ولم يذكرهم الإعلام. فالعدل على الأرض ناقص دون شكّ، وربّما تمكن الباحثون من نفض الغبار عن أعمال لمبدعين لم يُنصَفوا في حياتهم، وما أكثرهم في بلادنا، وحتّى في العالم.
أمّا في وقتنا الحاضر، فلنتّكل على إيماننا بأن الموهبة والذكاء هما الأبقى، في انتظار غودو!

كاتبة لبنانية

سهى صبّاغ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية