عبد الجبار الرفاعي في الجزء الثاني من موسوعة فلسفة الدين: البحث عن الروح بعيداً عن سلطة الدين

حجم الخط
0

 

بغداد ـ «القدس العربي»: حاول الدكتور عبد الجبار الرفاعي في تحريره وإعداده للجزء الثاني من موسوعة فلسفة الدين، والذي عنونه بـ»الإيمان والتجربة الدينية» أن يبحث عن فكرة الإيمان من جوانب عدَّة، أولها الإيمان الروحي وليس آخرها الإيمان بالطبيعة والجمال التي تثبت فكرة وجود الله كداعٍ للمحبة والسلام.
فهو في افتتاح الموسوعة، يرى في دراسة بعنوان (التجربة الدينية والظمأ الأنطولوجي) أن فيلسوف الدين باحث يتحرى الحقيقة، كما هو موقف الباحث في أي حقل من حقول الفلسفة، إذ ربما يكون فيلسوف الدين مؤمنا، مثل إيمانويل كانط، سورن كيركجورد، بلانتنغا… وربما يكون ملحداً، أو لا أدرياً.
أما عن فكرة دراسته، فيشير إلى أن «الظمأ الأنطولوجي» يعني افتقار الشخص البشري إلى ما يُثري وجودَه، ويكرّس كينونته، ويمنحه وقوداً لحياته، حيث تفتقر حياته لوقود يحركها، ويشبع حاجته لمعرفة معنى لها، ويكشف له عن سر الحياة، ويعزز قدراته؛ بالمستوى الذي يجعله قادراً على التغلب على مشكلة وجوده في هذا العالم.. فضلاً عن أن الظمأ الأنطولوجي يجتاح حياةَ كل كائن بشري، بوصف هذا الكائن يتعطش للامتلاء بالوجود، كي يتخلصَ من الهشاشة، ويجعلَ حياتَه ممكنةً في هذا العالمِ الغارق في الآلام والأوجاع، وتكونَ له القدرةُ على العيش بأقلَ ما يمكنُ من المرارات والأحزان، ويخرجَ من حالة القلق إلى السكينة، ومن اللامعنى إلى المعنى، ومن العدمية إلى الحقيقة.. كما أن التجارب الدينية بمختلف مستوياتها وأنماطها هي منهلُ إرتواءِ الظمأ الأنطولوجي.
هذا الظمأ هو ما يغير من طبيعة التجربة الدينية التي أساسها المحبة والقلب الذي يتسع لكل الناس، وبحسب الرفاعي، فإن القلبُ الذي خُطت عليه أسرار الحب هو القلب الذي لا يكف عن إنشاد ترانيم حب الله والإنسان والعالم. مبيناً أن مجتمعاتنا ضحية قراءة فاشية للنص الديني، وتحرير الإنسان يبدأ بتحرير صورة الله، من: الظلام والكراهية والقتل الغارقة فيها، ما لم يغدُ هذا هو حلمنا الذي ننشده معاً؛ سنلبث مصفدين في زنزانات داعش وشقيقاتها.
ويؤكد الرفاعي أن التدين المفرغ من المعنوية أنهك أرواحنا، واستنزف قلوبنا، ويتمنى أن يتخلص دعاة الأديان والمبشرون من الولع برسم صورة مفزعة لله، كي يحرروا حياتنا من الغرق في القنوط والقلق والخوف؛ وكأننا في معركة مزمنة مع الله.
ضم الكتاب تسعة عشر دراسة فضلاً عن تقديم الدكتور الرفاعي، وهي: «التجربة الدينية: ما الذي تعنيه في رحاب الله؟» ميشيل بيترسن وآخرون، «دفاعاً عن التجربة الدينية» شلاير ماخر، «التجربة الدينية» د. أديب صعب، «أعمال المحبة» سورن، «إله الجمال» عبد النور بيدار، «التجربة الدينية وإحياء الدين» محمد مجتهد شبستري، «التجربة الدينية» مصطفى ملكيان ود. محمد لغنهاوزن، «التجربة الدينية» د. علي شيرواني، «التجربة الدينية والنص من التنزيل الأوّل إلى الثاني» د. عدنان المقراني، «الإيمان والفرد عند سورن كيركجورد» د. قحطان جاسم، «الإيمان والتجربة الدينية» مصطفى ملكيان، «الحب والإيمان عند كيركجورد» د. حسن يوسف طه، «التجربة الدينية من منظور السوسيولوجيا الألمانية» د. حسن الضيقة، «الإيمان والتجارب الدينية» محمد مجتهد شبستري، «الإيمان» مصطفى ملكيان، «الإيمان والحرية» محمد مجتهد شبستري، «التجربة الدينية والعرفانية عند ابن عربي» د. قاسم كاكائي، «الإيمان عند كيركجورد» د. نعيمة بور محمدي، و»الإيمان عند جون بيشوب» د. شيماء الشهرستاني ود. محسن جوادي.
في ترجمة زهراء طاهر لنص (أعمال المحبة) للفيلسوف الدنماركي سورن كيركجورد، يتساءل في مطلع نصه «من أين يأتي الحب؟ أين مصدره وأين منابعه؟ وأي مكان سري ينبعث منه؟ فمنبعه خافٍ وسري فعلاً. إن في قلب المرء موضعاً تنبثق منه حياة الحب، لأن مسائل الحياة إنما تنشأ عن القلب، لكن ليس بوسعك رؤية هذا المكان؛ فمهما اخترقت الحجب، فإن هذا المنبع يُرجع الخطى ويتوارى بعيداً موغلاً في الخفاء والسر».
ويضيف كيركجورد أن حياة الحب الخفية تكون في القلب، لا يُسبر غورها، كما أن لها ارتباطاً وثيقاً مع الوجود كله… فالبحيرة الساكنة تجعل أساسها في النبع الذي لا تراه عين، وكذلك الحب عند الإنسان فهو متجذر عميق جداً في حب الله، فلو لم يكن في الأعماق نبع، وإن لم يكن الله هو الحب، فلن تكون هناك بحيرة هادئة ولا حب إنساني.
من جانبه، يتحدث شلاير ماخر في نصه «دفاعاً عن التجربة الدينية»، الذي ترجمه عن الألمانية أسامة الشحماني، عن فكرة الإنسان وأسراره المقدسة، «إنني كإنسان عادي أحدثكم عن الأسرار المقدسة والشيع الغامضة للبشرية، من وجهة نظري، عن منطوق يكشف ذلك المتواري الذي أغراني للبحث عنه عندما كنت في عنفوان الشباب، عن تلك التجربة الباطنية والقوة الكامنة في أعماقي، التي تشعرني بوجودي منذ أن بدأت في تحسس مفاصل الحياة وقيمة الفكر». ويرى شلاير ماخر أن الدين نفاذ نقده ومحضن فكره، ساعده عندما بدأ التدقيق في الموروث من معتقدات آبائه لتنقية قلبه من قمامة العصور القديمة، «كان الماثل في حضوره، كلما تلاشت أمام العين الشكاكة فكرة الرب، واختفت نشوة الخلود. إنَّه دافعي للحياة النشطة، ومنه تعلمت أن أتعاطى مع نفسي بكل ما لها من أخطاء وفضائل، كوجود متكامل غير قابل للفصل أو التجزئة، وجود مقدس بما هو عليه، وحده الدين جعلني أكثر اقتراباً من سبر السلوك الإنساني ومفهوم الصداقة والحب».
الباحث الدكتور حسن يوسف طه، يبين في دراسته «الحب والإيمان.. جدل الأرض والسماء عند كيركجورد»، أن قيمة وجماليات الاتجاهات الفلسفية تتضح مع مرور الزمن، فإذا وجدت أنك تعود لتلك الاتجاهات أو لتلك الفلسفات تدرسها أو تتأملها أو تقتبس منها وتستشهد بها، هنا تتضح قيمتها وحيويتها فنحن لا نعود إلى الأشياء الرديئة أو فاقدة المعنى أو القيمة، نحن نذهب دوماً إلى ما يحمل القيمة والمعنى والدلالة، وكلما مضى الزمن على تلك الاتجاهات والأفكار ثم وجدنا أننا نعود إليها، فهذا دليل على أن تلك الأفكار والاتجاهات حملت قيماً ومعان خصبة استطاعت أن تعبر الزمان وأيضاً المكان.
مضيفاً أنه في الدين لا يكفي أن تحب الله، لكن المهم الإيمان به، وكيركجورد يرى أن عملية الإيمان في غاية الأهمية لأنه يجعل الجزئي يصبح أعلى من الكلي. و»لتفسير ذلك نقول أن العلاقة بين الإنسان والله هي علاقة الجزئي مع الكلي، والعلاقة هنا تعبّر عن الحب؛ حب الإنسان لله، والعلاقة في الحب الإلهي تكون بين الجزئي والكلي، لكن الإيمان أكبر من الحب حيث يتمكن الجزئي أن يعلو على الكلي، وتلك لحظة لا معقولة.. في الحب تكون العلاقة معقولية الجزئي والكلي، أما في الإيمان فيعلو الجزئي الكلي وهنا تكون اللامعقولية أو اللامنطقية وفهم ذلك يسير».
مصطفى ملكيان، يعيد ترسيم مفاهيم الإيمان بترجمة حيدر نجف، فمن وجهة نظره، أن موضوع الإيمان يعد اليوم من أبرز وأهم مواضيع فلسفة الدين واللاهوت، إذ تطرح العديد من القضايا والإشكاليات حول موضوع الإيمان في الكتب والرسائل والدراسات التي تصدر حول فلسفة الدين والالهيات، بعضها إشكاليات تنتمي فعلاً إلى فلسفة الدين والالهيات، وبعضها الآخر مع أنه لا ينتمي لهذين الحقلين بالمعنى الدقيق للكلمة، بل لحقول أخرى كعلم النفس، وعلم المعرفة، وما بعد الطبيعة، إلا أنه يظهر في كتابات تختص بفلسفة الدين والإلهيات.
وفي دراسته، يقدم ملكيان تساؤلات من عمق بحثه عن الإيمان: ما هي طبيعة العلاقة بين الإيمان والتعقل؟ هل في المستطاع إثبات القضايا المبثوثة في النصوص المقدسة، أو أهم القضايا الراصدة للواقع في النصوص المقدسة على الأقل، ومنها القضايا الخاصة بالله وصفاته وأفعاله، أم لا؟ إن كان ذلك ميسوراً، فماذا سيكون معنى الإيمان وفاعليته وفائدته وضرورته حينئذ، بالنسبة لمن استطاعوا البرهنة على ذلك، ولمن تقبلوا براهينهم على الأقل؟ هل يصح القول إن هذه القضايا إذا أثبتت عقلانياً، انحسر الإيمان تاركاً مكانه لحالة أسمى (معرفياً، ودينياً حتى) كالعلم أو اليقين؟ أم الصواب.. هو أن هذه القضايا متعلقات للإيمان، وللعلم واليقين على السواء؟
غير أن الميزة الرئيسية للتجربة الدينية تكمن في عدم عقلانيتها، وهذا ما يراه الدكتور قاسم كاكائي في دراسته (التجربة الدينية والتجربة العرفانية وملاك فهمهما عند ابن عربي)، مشيراً إلى أن القوة المدركة للكشف في التجربة الدينية عند ابن عربي هي قوة الخيال (الخيال المتصل)، ومتعلق هذا الإدراك هو عالم الخيال (الخيال المنفصل)، وأن هذا العالم بسبب من برزخيته وتضاده يعمل على ربط الأعيان الروحانية بالأعيان الجسمانية.
إن عالم الخيال يذلل هذا الأمر من خلال إعطاء صفات الأمور الجسمية إلى الحقائق المجردة… بعبارة أخرى: إن الخيال المنفصل (وليس القوة المتخيلة) يعمل على تجسيد الأمور غير المادية، وأن الرؤى والمنامات نماذج عن هذا الخيال، فهي حقائق غير جسمانية وإدراكات معنوية تجسدت ضمن قوالب صورية، فما يقال من أن للملائكة أجنحة ليس مجرد استعارة؛ لأن الأمور الغيبية تتخذ صورة المحسوسات في عالم الخيال، أي أن إنزال المعاني في عالم الخيال يمكنه أن يكون منشأً للتجربة الدينية، بل حتى منشأً للوحي، الذي هو عبارة عن إنزال المعاني المجردة العقلية في القوالب الحسية المقيدة في حضرة الخيال في نوم كان أو يقظة، وهو من مدركات الحس في حضرة المحسوس.

الدكتور عبد الجبار الرفاعي: «الايمان والتجربة الدينية»
منشورات مركز فلسفة الدين في بغداد، بالتعاون مع دار التنوير في بيروت2015
600 صفحة

صفاء ذياب

اشترك في قائمتنا البريدية