المقاربات التي يقترحها خبير الاستخبارات والتحليل العسكري الأردني نضال أبو زيد، في متابعة وتحليل المشهد الإسرائيلي والفلسطيني والإقليمي، تبدو أكثر قربا من الواقعية والتوقع النوعي ليس فقط بحكم سنوات خبرة الرجل في ملف الاستخبارات العسكرية فقط، ولكن بحكم متابعته التفصيلية لكل المنابر والمواقع المختصة جدا في الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي والدول الكبرى.
أبو زيد صاحب وجهة نظر معروفة في ملف العدوان الإسرائيلي المحتمل على الأردن في حال ضم الضفة الغربية ونقاش اليمين الإسرائيلي بالسيطرة على الأغوار.
وله مقاربات مفصلة عما يجري في سوريا والعراق ولبنان واليمن ويتابع بالتفصيل ما يسميه بـ«مشكلات الآليات والكادر البشري» التي تواجه الجيش الإسرائيلي بعد ما نجحت المقاومة في قطاع غزة باستنزافه.
«تجريد» الاستخبارات من التأكيد
ينطلق أبو زيد في قراءة مؤشرات العمل الاستخباري المنتج عند الاشتباك للمقاومة الفلسطينية في غزة من عناصر واقعية وعلمية يراقبها بالتفصيل وليس من وقائع الموقف والرأي والمشاعر فقط.
والخلاصة التي تقدم بها مؤخرا بعد محطة نقاشية تفصيلية مع «القدس العربي» هي تلك التي تقول إن المقاومة الفلسطينية نجحت في أكثر من موقع في تجريد العمليات الاستخبارية الإسرائيلية من احتمالات تأكيد النجاح، وهذا بحد ذاته في علم الاستخبارات نمط من المواجهة والتقدم على العدو.
هنا يصنف أبو زيد العدوان الإسرائيلي الأخير على مقرات المقاومة في العاصمة القطرية الدوحة بـ«عملية فاشلة عسكريا واستخباريا بكل المقاييس» لأن قيادة حركة حماس هنا جردت الجيش الإسرائيلي من إمكانية التأكيد على النجاح في العملية.
ويعتبر أبو زيد أن عدم القدرة على التأكيد على نتائج عملية عسكرية هو بحد ذاته فشل استخباري.
○ الوقفة الحوارية مع أبو زيد بدأت من الــسؤال عن تقــديره للموقف الآن بعد الاعتداء الإســرائيلي الأخير على دولة قطر؟
• قلنا في المعايير المهنية الاستخبارية إن تلك العملية فشلت بمجرد حرمان إسرائيل من تأكيد نتائجها.
وهذا الفشل يصبح سياسيا بامتياز ويضاف إلى سلسلة تداعيات بعد تلك العملية التي نتفق على أنها ممارسة مارقة وإرهاب دولة في إعادة ترسيم وفرز النتائج.
ما يمكنني قوله إن ما حصل في دولة قطر انتهى باضعاف إسرائيل في الموقع والتموقع، بالرغم من كل الجهود التي ستبذل لاحقا أمريكيا لتقليل خسائرها والمقاومة الفلسطينية أصبحت أقوى بعد عملية القصف الإجرامية في الدوحة.
والضجة الإعلامية والسياسية الدولية يتابعها الجميع، وقطر دولة تميزت في الأداء والخطاب والرد وهي طبعا الآن حتى كوسيط في ملف غزة في موقع أقوى فيه من أي وقت سابق خلافا لأنها حظيت بتضامن دولي رسمي وشعبي عارم وهي جزئية يستفيد منها الشعب الفلسطيني ومقاومته.
○ ما الذي يعنيه ذلك بصورة تفصيلية أكثر؟
• دولة قطر حظيت بالتفاف إقليمي ودولي واضح والكيان الإسرائيلي إذا لاحظنا بهدف التعويض عن فشله في ضربة الدوحة، ذهب لقصف مؤسسات مدنية في صنعاء، والجهد الاستخباري الخلفي للمقاومة فيما يبدو حرم الثنائي نتنياهو وكاتس من الظهور الإعلامي أمام الكاميرات على طريقة البيجر اللبنانية التي نتذكرها جميعا وإسرائيل في مرحلة التوريط.
كل ذلك قد يعني شيئا في علوم التسييس والتداعيات.
المحور القطري التركي في وضع أفضل الآن، وإذا ما صدقت توقعاتنا بعد مراقبة الخطاب المصري، يمكن القول إن الظروف مهيأة للبحث بعد الاعتداء على الدوحة في مبادرة تغلق ملف الحرب على غزة إن جازت لنا التسمية.
وهي مبادرة هذه المرة قد تقدم بإسم الجميع بمنأى عن إسرائيل، وموقف الإدارة الأمريكية في رفضها أضعف بعدما أخفقت استخبارات إسرائيل في تأكيد النتائج المفترضة لتلك الضربة الإجرامية في كل حال.
«لا غالب ولا مغلوب»
○ هل تتوقع أن ينتهي حوار المبادرات المقترح هنا بمعادلة جديدة فيما يتعلق بالحرب على غزة؟
• إذا قرأنا واقع الحال بعد ما حصل مؤخرا في قطر، وانضمت مصر بثقلها إلى جهد تركي وعربي، وحظيت قطر بغطاء متوقع في القمة الإسلامية العربية الوشيكة، يمكن القول إن الفشل الاستخباري الإسرائيلي قد ينتهي بمبادرة جديدة فكرتها «لا غالب ولا مغلوب» توقف عملية عربات جدعون الثانية. وتقدم جميع الأطراف هذه المرة بإسم الإقليم والمجتمع الدولي مبادرة للأمريكيين وبمنأى عن اليمين الإسرائيلي الذي استرسل مجددا في البحث عن انتصار زائف قوامه الاغتيالات.
○ هل تعتقد الآن أن الموقف العربي والفلسطيني أقوى بعد الفشل الاستخباري المشار إليه؟
• تصوري أن الوسيط المصري والقطري في موقع أقوى والحاجة له ملحة أكثر. على الأرجح الموقف العربي أفضل وأحد الأدلة عملية القصف العبثية في اليمن.
براد كوبر… نقطة ارتكاز
يستند تحليل الخبير أبو زيد بعد حادثة الاعتداء على قطر على سيناريو يرسم التطورات نقطة الارتكاز فيه كما يشرح في الحوار مع «القدس العربي»، جنرال أمريكي إسمه براد كوبر، وهو قائد القيادة الوسطى الأمريكية وتم تعيينه حديثا من أسبوعين فقط بعد الجنرال كوريلا.
وكوبر حسب أبو زيد، يميني متشدد في الملف الإيراني وزار تل أبيب مؤخرا قبل تحرك الطائرات الإسرائيلية لقصف مقر المقاومة في الدوحة.
التقدير أن الجنرال كوبر حصل على ضوء أخضر من قيادة بلاده لدعم وإسناد الضربة على قطر لسبب واحد وأساسي وهو قناعة الجنرالات في واشنطن بأن الجيش الإسرائيلي إذا استمر في خطته لاحتلال غزة لن يستطيع حسم المعركة، حيث مشكلات في الآليات والكوادر البشرية وفي الروح المعنوية وصعوبة ترسيم الأهداف ومشكلات الاحتياط وسيطرة عملياتية لا يمكن إنكارها على المحاور جهة المقاومة.
والتقدير هنا أن الجنرال براد كوبر وافق على فكرة دعم العملية الإسرائيلية حتى يتراجع الإسرائيليون عن عملية جدعون الجديدة ويغلق الملف بانتصار يحتفل فيه نتنياهو بقتل قيادة المقاومة.
وعليه يفترض أبو زيد أن المبادرة الأخيرة اللعوب للرئيس ترامب والتي حاول تسويقها في اللحظات الأخيرة وضغط على حماس في الاجتماع من أجلها، كانت أقرب إلى «فخ» منصوب وجوهره الخداع والتضليل مجددا.
وهو أمر يميل إليه ويحبه ترامب وسبق أن فعله في سوريا وإيران، بمعنى أن وقف الحرب في غزة يتطلب انتصارا إسرائيليا واضحا ومباشرا كان القوم يبحثون عنه باغتيال الهيكل القيادي لحماس في الدوحة.
لكن فشل العملية بسبب ظروف استخباراتية أصبحت الآن مفهومة أكثر، خلط الأوراق والمعادلات.
○ إجرائيا ما الذي حصل برأيك وانتهى بفشل العملية؟
• تقديري الفني أن نظام الرادار الوحيد الذي يستطيع كشف الطائرات الإسرائيلية في المنطقة المحيطة هو نظام الرادار التركي،… لاحظوا معي أن إسرائيل قبل 16 ساعة من العملية قصفت فجأة شرق حمص واللاذقية في سوريا، وفي العمل العسكري هذا إسمه «تنظيف للممر الجوي».
والمعنى هنا أن الجانب الإسرائيلي خشي من دور الإنذار المبكر التركي وحاول تضليله أو إشغاله بقصف حمص واللاذقية.
دعم المقاومة هو «البديل»
وفي المسافة الأبعد من الحدث الأخير في الدوحة، وردا على استفسار «القدس العربي» عن «تأثير محتمل» لما حصل على منظومات التعاون العسكرية الأمريكية العربية في المنطقة، يرجح أبو زيد أن التأثير سيكون محدودا ومدروسا بصرف النظر عن الاعتبارات السياسية، حيث تعقيدات التحالف بمعناه العسكري وطبيعة الاتفاقيات والبرامج قد يمنعان الاستسلام لردود فعل ينتج عنها إشكالية جذرية في ميكانيزمات التعاون التي قد تخضع لبعض التعديل بعد ما حصل.
لكنه سيبقى تعديلا بدون طرح ملف «القواعد العسكرية» الأمريكية للجدال والنقاش العام في الغرف الرسمية على الأقل.
والأجدى برأي أبو زيد على مستوى الخطاب الرسمي الإعلامي والسياسي العربي التوقف عن ترديد «مقولات الماضي» عن تحقيق هدف بعيد المنال هو «الوحدة أو توحيد المواقف» فتلك كلاسيكيات يبدو أنها تنتمي في عالم اليوم للماضي، وثمة نظرة أشمل قليلا يمكن أن تنتبه للبدائل.
والبدائل «العربية» عموما في مواجهة «الشر الإسرائيلي» تتمثل في تغيير النظرة الرسمية من جهة الحكومات بعد الآن للمقاومة الفلسطينية تحديدا والعمل على إسنادها ودعمها معنويا وإعلاميا على الأقل خلافا للتركيز على صمود الشعب الفلسطيني وتعليق الخطاب الذرائعي هنا.
يوافق أبو زيد على القول إن «صمود المقاومة» في غزة وفلسطين ولبنان وحتى اليمن يتحول اليوم إلى «ورقة رابحة» تخدم «الأمن القومي العربي» ومصالح الدول العربية التي يهددها طاقم تل أبيب رغم إغراقها في الاعتدال والإيجابية، حيث لم تفلح كل الخطوات الحكومية العربية في عزل المقاومة وحواضنها في توفير «ضمانات عدم اعتداء» من جهة حكومة اليمين المتطرف التوسعي.
لذلك مراجعة الموقف الرسمي من «المقاومة» فكرا ومنهجا بات برأي أبو زيد بين الاحتياجات الأمنية في العمق العربي، وهو ما يتطلب تغيير القناعات والممارسات والتوثق من أن صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته يخدمان في الواقع النظام الرسمي العربي أكثر من ترديد أناشيد «السعي للوحدة العربية».
○ لكن النظام الرسمي العربي لديه إشكالية مع تيارات الإسلام السياسي يعتقد أنه يسقط على الموقف من المقاومة؟
• هذه قراءة تنطوي على خلل بصري عندما يتعلق الأمر بوقائع المصالح والتهديدات الواقعية.
لماذا يحب بعض الإعلام الرسمي التركيز على «إسلامية» فصائل المقاومة فقط، علما بأن الوقائع تشير لوجود فصائل مقاومة «يسارية» وأخرى «علمانية» في عمق الاشتباك في قطاع غزة… تلك النظرة الجزئية الضيقة ينبغي أن تتغير في مواجهة ما تصفه الأنظمة الرسمية اليوم بـ«الحقيقة» الصادمة والقائلة بأن إسرائيل تقصف بلا خوف أو تداعيات في 6 عواصم عربية اليوم والعدد مرشح للزيادة.
○ ما هو تقييمك الأولي للنقاشات الإسرائيلية المصرة على احتلال مدينة غزة مجددا؟
• كنت قد عبرت سابقا عن قناعتي بأن المشروع العسكري الإسرائيلي الجديد أثار الكثير من الجدل حتى قبل أن تخضع المؤسسة العسكرية لإرادة اليمين المتطرف.
تقديري كان ولا يزال أن فاتورة التكاليف ستكون باهظة بعملية عسكرية شاملة فيها احتلال أرض في هذا التوقيت لعدة أسباب، أولها أن الجيش سحب العديد من الوحدات من قطاع غزة على رأسها فرقة المظليين 98 وفرقة اللواء 646 احتياط واللواء 179 مدرع احتياط، فيما نذكر جمعيا ان زامير رئيس الأركان اتخذ قرارا بتخفيف حالة الطوارئ القصوى وتحويلها إلى حالة استعداد متوسطة للتخفيف على الجهد الكبير والإجهاد الذي يعاني منه الجنود في مسرح عمليات قطاع غزة.
زامير قرر أيضا قبل أسابيع تخفيف الاحتياط بنسبة 30 في المئة وتسريح الاحتياط بنسبة 30 في المئة، ما يعني انخفاض نسبة الاحتياط تقريبا فيما استمرت التعقيدات الإدارية في عناصر تجميع الاحتياط وتأهيله قبل الزج به في معركة غير مضمونة النتائج وتهدد أرواح من تبقى من أسرى.
إذا أخذنا بعين الاعتبار أن عدد الاحتياط في جيش الاحتلال هو 500 ألف جندي، يعني ذلك أن التخفيض 150 ألفا تقريبا أو يزيد من عدد جنود الاحتياط، وترجمة ذلك بلغة العسكريين عدم توفر القدرة على الذهاب إلى خيار عسكري شامل وأفقي.
○ ما الذي يعنيه ذلك في لغة الخبراء العسكريين؟
• إن أصر المستوى السياسي على إكمال خطته التي درست عدة مرات وتلكأ الجيش في إنفاذها بالقوى البرية وليس الجوية، وفي ظل نقص القوى البشرية والإجهاد والإنهاك الذي يعاني منه الجنود والاستنزاف الكبير، أعتقد ذلك سيؤدي إلى خسائر كبيرة في الجيش.
ليس سرا هنا أن نتنياهو يريد الاستثمار في الحالة العسكرية من أجل تحقيق مكاسب انتخابية سيما أن الانتخابات تقترب في 2026. ولنفترض جدلا أن نتنياهو ذهب اعتباطا وبصورة موسعة إلى عملية عسكرية شاملة بعد القصف السجادي وتدمير الأبراج وترحيل السكان، بصعوبة ستكون مناطق محددة هي مسرح العمليات وهي مناطق الوسط في غزة المدينة ومخيمات الوسط هي مخيم نصيرات ومخيم البريج ودير البلح.
الإخفاق هنا بين الاحتمالات بسبب جاهزية المقاومة الاستخبارية والتكتيكية وصعوبة تحقيق الأهداف الموضوعة على الخرائط..الجنرالات يعلمون ذلك ونتنياهو أيضا يعرفه، لذلك يحتاط الأخير بجاهزية إضافية لتنويع الهجوم عبر القصف في سوريا أو لبنان لتأمين جبهة إشغال احتياطية أو ثانية لأغراض البقاء في السلطة والبحث عن انتصارات سهلة.
والاخفاق بين الاحتمالات لأسباب تتعلق بالمهارات التراكمية التي أظهرتها المقاومة في غزة فهي «تكمن تكتيكيا» وتناور وتهاجم و«تستخبر» وتستطلع بكفاءة والأرجح أنها جاهزة لاستقبال القوات الغازية عندما يبدأ العبور المدرع.