تثير المواجهة الحالية بين مصر وإسرائيل بخصوص صادرات الغاز الإسرائيلي إلى مصر تساؤلات كثيرة ومهمة حول الاقتصاد السياسي لصناعات الطاقة في الشرق الأوسط، وحروب الطاقة التي تستهدف الإمدادات والبنية الأساسية والاستثمارات وغيرها، منذ عرفها الشرق الأوسط في الحرب العالمية الثانية، ثم في حرب أكتوبر 1973، وما بعدها. المواجهة المصرية – الإسرائيلية هي واحدة من تجليات حروب الطاقة في منطقة يُعرف عنها أنها غنية بالطاقة، وأنها من آخر بلدان العالم التي يمكن أن تصاب بلهيب حروب الطاقة. وسوف ننطلق من تلك المواجهة إلى آفاق فهم مقومات وآليات الاقتصاد السياسي للطاقة في المنطقة العربية، والعلاقات بين الدول العربية وغير العربية في منطقة الشرق الأوسط، ومحفزات إقامة بنية أساسية إقليمية للطاقة، لأنه من دون وجود بنية أساسية إقليمية للطاقة سوف تتمكن إسرائيل من تفتيت المنطقة اقتصاديا.
تباين توزيع الطاقة عربيا
يتسم توزيع مصادر الطاقة التقليدية في العالم العربي (النفط والغاز) بتركيز الثروة النفطية في دول عربية قليلة السكان في منطقة الخليج العربي وشمال أفريقيا (ليبيا)، مع وجود كبير أيضا في دول متوسطة الكثافة السكانية مثل العراق والجزائر. وقد أدى ذلك إلى وجود خلل في العلاقة بين الطلب والعرض، ما أسفر عن وجود دول تتمتع بفائض مطلق وأخرى تعاني من عجز مطلق. ورغم أن ذلك كان من شأنه ان يؤدي إلى تطوير بنية أساسية لسوق إقليمية للطاقة يتم فيها التبادل الصحي للموارد لتصحيح العلاقة بين الطلب والعرض، وخلق نموذج جديد للتعاون الإقليمي، فإن المستوى المنخفض للطلب الصناعي على النفط في الدول الكثيفة السكان القليلة الطاقة لم يشجع على ذلك، وهو ما أسفر عن نشوء نوع من التبعية المشوهة في قطاع الطاقة ساعدت على تعميقه شركات النفط الدولية العاملة في مجالات صناعة الطاقة في الدول العربية التي اقتصر نشاطها تقريبا على التنقيب عن النفط واستخراجه وتصديره للدول الصناعية كمادة خام. ومع ذلك فقد نشأت أيضا صناعة تكرير محدودة لأغراض الوفاء باحتياجات الطلب المحلي، زادت شأنا خلال الحرب العالمية الثانية بسبب حاجة الحلفاء للوقود اللازم لتموين الدبابات والمركبات العسكرية والطائرات والسفن خلال الحرب.
ومع انتشار الفقر في موارد الطاقة في الدول الأكثر سكانا بشكل عام، أصبح هناك فراغ واسع في سوق الطاقة على المستوى الإقليمي يحتاج إلى من يتولى ملئه. وعلى الرغم من تأميم الشركات النفطية، وانتقال ملكية الصناعات النفطية للدول العربية فإن سياسات الإنتاج لم تتغير، واستمرت الصناعات النفطية في الدول الغنية بالنفط أكثر ارتباطا بأسواق الدول الصناعية عاما وراء آخر. كما اتجهت هذه الدول إلى تنسيق سياساتها التجارية بين بعضها البعض، وبينها وبين الدول الأخرى المصدرة للنفط التي تلعب دورا مهما على المستوى العالمي، وتعاظم هذا التعاون إلى مستوى مؤسسي رسمي بتأسيس منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» عام 1960 لتكون المنظمة الدولية المعبرة عن مصالح الدول المصدرة للنفط العربية وغير العربية. ولا تزال المجموعة العربية في أوبك حتى الآن تستحوذ على نصيب الأسد من الإنتاج والتصدير للدول الأعضاء. وقد اهتمت تلك الدول بمشروعات تتعلق بتنمية ثروتها النفطية، واستثمار الفوائض المالية، وتنسيق سياساتها السعرية في مواجهة استمرار محاولات الدول الصناعية المستهلكة للطاقة السيطرة على السوق والتحكم في الأسعار.
كذلك اتجهت الدول العربية المصدرة للنفط إلى تكوين إطار تنظيمي لتنسيق المصالح النفطية وصناعات الطاقة بينها وبين الدول العربية المصدرة للنفط بكميات قليلة (أقل من مليون برميل يوميا) فنشأت منظمة الدول العربية المصدرة للنفط «أوابك» في عام 1968. وفي سبعينات القرن الماضي اتسع نطاق تأثير النفط في العلاقات الإقليمية العربية من خلال ظاهرتين، هما ظاهرة زيادة تدفق العمالة من الدول الفقيرة في مصادر الطاقة إلى الدول الغنية، لسد حاجتها إلى الأيدي العاملة اللازمة للتنمية، والظاهرة الثانية هي زيادة تدفق رؤوس الأموال من الدول النفطية الغنية إلى الدول العربية الفقيرة وذات الدخل المتوسط. ولعبت صناديق التنمية الاقتصادية العربية دورا مهما في تنظيم هذه التدفقات وتوجيهها إلى مشروعات تنموية مهمة. وباستثناء خط أنابيب النفط «سوميد» الممتد بين ميناء العين السخنة على البحر الأحمر إلى ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط، لم تشهد البنية الأساسية الإقليمية لصناعات الطاقة إقامة مشروعات استراتيجية من شأنها تحويل الطاقة إلى محور من محاور التعاون الإقليمي. على العكس من ذلك فقد توقفت بعض خطوط الأنابيب العابرة للحدود بين الدول العربية مثل خط التابلاين الذي كان يستخدم لنقل النفط من المنطقة الشرقية في السعودية حتى ميناء صيدا اللبناني مرورا بالأراضي السعودية والأردنية والسورية واللبنانية. ويعتبر مشروع دولفين للطاقة لنقل وتصدير الغاز ومشتقاته من قطر إلى كل من الإمارات وسلطنة عمان من أفضل النماذج في مجال التعاون الإقليمي العربي في مجال الطاقة.
ومع ذلك فقد ظلت هناك حالة فراغ إقليمي في صناعات الطاقة العربية تفصل بين مصالح الدول النفطية الغنية ومصالح الدول العربية الفقيرة في الطاقة. وربما تكون إسرائيل قد تنبهت إلى ذلك، فعمدت إلى وضع استراتيجية لملء الفراغ الإقليمي في البنية الأساسية للطاقة، سعيا إلى إقامة واقع جديد في محركات العلاقات الاقتصادية الإقليمية، تلعب فيه دور المركز على الرغم من ضآلة حجمها الكمي كمنتج للطاقة. وقد استطاعت إسرائيل خلال نحو عشر سنوات فقط من تاريخ بدء الإنتاج أن تحقق النفوذ المستهدف داخل منطقة شرق البحر المتوسط، من خلال هندسة علاقات أصبحت فيها الدول العربية المحيطة «تابعة» لها من الناحية العملية. هذه هي مصر والأردن تعتمد على الغاز الإسرائيلي، وهذه سوريا تحصل على الغاز من أذربيجان بوساطة إسرائيلية، ومن المتوقع مد خط الأنابيب الواصل إلى حلب عبر بقية الأراضي السورية إلى حيفا. وهذا لبنان لا يستطيع التنقيب عن النفط والغاز في مياه البحر المتوسط من دون اتفاق مع إسرائيل على ترسيم الحدود البحرية.
الدور الإقليمي الإسرائيلي
لم تكن إسرائيل دولة منتجة للطاقة حتى عام 2013 عندما بدأت تنتج الغاز من حقل تمار البحري. وكانت قبل ذلك تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتغطية احتياجاتها من النفط والغاز. واستطاعت خلال فترة احتلال سيناء منذ عام 1967 حتى انسحابها النهائي من طابا في اذار/مارس 1989 استغلال حقول النفط المصرية في خليج السويس، ومنجم فحم المغارة، استغلالا جائرا أدى لخروج بعضها من الخدمة بعد نضوبها. كما أنها تمسكت بالحصول على إنتاج حقل «علما» طبقا لملحق خاص في معاهدة السلام، بما يصل إلى 30 ألف برميل يوميا. وتقدر بعض المصادر ان إجمالي إنتاج حقول النفط المصرية في سيناء خلال فترة الاحتلال كان يغطي ما يقرب من نصف احتياجات إسرائيل من الطاقة. لكن قواعد لعبة الطاقة في شرق البحر المتوسط انقلبت رأسا على عقب في العقدين الأخيرين، بعد اكتشاف حقول الغاز البحرية قبالة الساحل الإسرائيلي، وهو تحول استراتيجي جعل إسرائيل تنتقل تدريجيًا إلى دولة مُصدِّرة للغاز الطبيعي. هذا التحول لم يحدث عفوا وإنما جاء على خلفية تفاعلات مجموعة عوامل ترتكز على رؤية واضحة لبناء القوة والنفوذ، واستخدام الطاقة كوسيلة رئيسية من وسائل دمج إسرائيل إقليميا. وتضمنت استراتيجية الطاقة الإسرائيلية 6 مقومات أساسية، هي (1) تكثيف عمليات البحث والتنقيب في المناطق البحرية، و(2) تطوير بنية تحتية محلية للطاقة وأخرى اقليمية مرتبطة بها، و(3) وضع إطار طويل المدى لتنظيم الاستثمارات ومعايير استغلال الحقول المكتشفة بحيث لا تنضب سريعا، و (4) بناء شبكة أنابيب إقليمية للتعاون المتبادل في مجال الطاقة مع الأسواق المجاورة والأسواق الأوروبية، و(5) التنسيق بين السياسة الخارجية وسياسة الطاقة، و (6) تقليل الاعتماد على النفط المستورد.
وفي هذا السياق حققت إسرائيل مجموعة من اكتشافات حقول الغاز المهمة، تضمنت حقل «تمار» البحري الذي تم اكتشافه عام 2009 ليصبح أول اكتشاف كبير للغاز قبالة الساحل الإسرائيلي في شرق المتوسط، وبدأت تشغيله في عام 2013. ويتم استخدام إنتاجه أساسا في توفير احتياجات الطلب المحلي، خصوصا إمدادات محطات توليد الكهرباء. وتعتبر مؤسسة الكهرباء الإسرائيلية المملوكة للدولة أكبر عميل للحقل. ثم جاء اكتشاف حقل ليفياثان ليكون أكبر الاكتشافات التي حققتها إسرائيل عام 2010، وبدأت تشغيله عام 2019، مع تخصيص النسبة الأعظم من إنتاجه للتصدير. كما اكتشفت إسرائيل في السنوات الأخيرة بعض حقول الغاز الصغيرة في المنطقة الممتدة بين الحدود البحرية اللبنانية والقبرصية مثل حقل كاريش القريب من الساحل اللبناني، وحقل تانين. وهي اكتشافات أدت في نهاية الأمر إلى تعزيز قدرات الإنتاج.
ويقدر حجم الاحتياطي القابل للاستخراج تجاريًا في حقول الغاز الطبيعي الإسرائيلية طبقا لتقديرات وزارة الطاقة بحوالي 900 مليار مترٍ مكعّب «BCM». وتفيد بيانات حديثة (حتى عام 2025) بأن إسرائيل تمتلك احتياطيًا مؤكدا يصل إلى 1.087 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، ويتوزع بين الحقول المختلفة على النحو التالي: حقل تمار: نحو 307 مليار متر مكعب، حقل ليفياثان حوالي 600 مليار متر مكعب، وحقل كاريش وحقل تانين يقدّران بما يتراوح بين 2–3 تريليون قدم مكعب من الغاز. ويتصدر حقل ليفياثان قائمة الحقول المنتجة من حيث كمية الإنتاج، حيث يصل إنتاجه السنوي في المتوسط إلى حوالي 12 مليار متر مكعب، ويتم تصدير حوالي ثلاثة أرباع إنتاج الحقل إلى مصر والأردن، بينما يُخصّص الربع للبعض منها لتلبية الطلب الداخلي. أما حقل تمار، فيبلغ إنتاجه نحو 10.3 مليار متر مكعب سنويا. وتستخدم النسبة الأعظم من الإنتاج في تلبية الطلب المحلي، خصوصا احتياجات محطات توليد الكهرباء. وبدأ إنتاج الغاز الطبيعي في حقل كاريش القريب من الحدود اللبنانية في عام 2022.
وفي مجالات الإنتاج وتطوير البنية التحتية قامت إسرائيل بإنشاء منصات بحرية لاستخراج الغاز وشبكات أنابيب محلية تربط الحقول بمحطات المعالجة على الساحل والتوزيع الداخلي، وخطوط أنابيب للتصدير إلى كل من الأردن ومصر. وتتولى شركات إسرائيلية وأجنبية أنشطة الإنتاج والنقل والتصدير، منها شركات تعمل في مجالات التنقيب والاستخراج «Upstream»، أهمها نيوميد إنرجي (ديليك للحفر سابقا) وهي أكبر شركة إسرائيلية في قطاع الغاز، وتمتلك حصصاً رئيسية في حقول تمار وليفياثان، كما تلعب دوراً محورياً في تصدير الغاز إلى مصر والأردن. ثم تأتي شركة شيفرون الأمريكية، وقد دخلت السوق بعد استحواذها على شركة نوبل إنرجي الأمريكية عام 2020. وتعتبر شيفرون حاليا المُشَغِّل الرئيسي لحقلي ليفياثان وتمار، وتمتلك امتيازات كبيرة في مصر. كما تشارك شركة إنرجيان اليونانية التي تتخذ من لندن مقرا لها امتياز حقل كاريش قبالة الساحل الإسرائيلي، وتواصل التنقيب في مناطق اخرى هناك، لكن إنرجيان تواجه أزمة مالية في الوقت الحاضر. وقد أسفرت عمليات التنقيب عن اكتشاف حقل جديد من المتوقع أن يبدأ الإنتاج عام 2027. وتتجه إنرجيان حاليا إلى بيع بعض أصولها في دول أخرى (مثل مصر وإيطاليا وكرواتيا) لإعادة استثمار رأسمالها في مشاريع جديدة في إسرائيل، المغرب، واليونان. وهناك عدد آخر من الشركات المحلية الإسرائيلية التي تعمل في مجالات البنية التحتية للنقل والتصدير، منها شركة خطوط أنابيب الغاز الطبيعي الإسرائيلية «INGL»، وهي شركة مملوكة للدولة تدير شبكة الأنابيب الوطنية لنقل الغاز داخل إسرائيل. وشركة خطوط أنابيب العريش ـ عسقلان «EMG pipeline» لنقل الغاز من إسرائيل إلى مصر (للتسييل في إدكو ودمياط). وهناك أيضا
خط أنابيب الأردن ـ إسرائيل المستخدم في تزويد الأردن بالغاز من حقلي تمار وليفياثان.
وقد استفادت إسرائيل من الطلب الإقليمي المتزايد على الغاز، حيث اتجهت معظم صادرات الغاز المنتج في الدول العربية إلى الشرق الأقصى وأوروبا.
ومن ثم فإن أحد ركائز استراتيجيتها يتمثل في توجيه فائض إنتاجها لسد الفجوة بين العرض والطلب في الدول العربية المجاورة، بدءا من الأردن ومصر. وخلال الفترة منذ بدأت إنتاج الغاز الطبيعي في عام 2013 إلى الآن أصبحت هي المورد الرئيسي للغاز في منطقة شرق البحر المتوسط، ما أثار جدلا كبيرا بشأن مدى تبعية كل من الدولتين، مصر والأردن، لإسرائيل في إمدادات الطاقة. وقد تأكد خلال الأسابيع الأولى من حرب غزة، ثم مرة أخرى خلال حرب إسرائيل ضد إيران، أن إسرائيل تضع اعتبارات الأمن القومي، وسد احتياجاتها من الغاز أولا حتى لو كان ذلك على حساب التصدير، في المحل الأول. ولذلك فقد تم قطع ثم تخفيض كمية الإمدادات إلى كل من الدولتين العربيتين خلال فترة الحرب. وتسعى إسرائيل الآن إلى التوسع في شبكة أنابيب الغاز الإقليمية إلى كل من سوريا ولبنان، وهو ما يضعها في مركز أقوى اقتصاديا وجيوسياسيا في التأثير على السياسة الخارجية لتلك الدول.
وحيث أن سوريا بدأت في تلقي الغاز من أذربيجان عبر تركيا إلى حلب، فمن المتوقع مد هذا الخط إلى داخل إسرائيل. كذلك فإن الصعوبات التي تحيط حصول لبنان على الكهرباء والوقود من شأنها أن تفتح الباب لإسرائيل إما لمد لبنان بالغاز أو بالكهرباء. ولا يبدو أن الدول العربية الغنية بالطاقة التقليدية مهتمة بإقامة بديل عربي ينافس إسرائيل أو يقطع الطريق عليها. ولا تقتصر مشروعات الطاقة الإسرائيلية الإقليمية على شبكات خطوط الأنابيب لنقل الإمدادات، كما هو الحال مع الأردن، واستخدام خطوط الأنابيب ومعامل الغاز المسال كما هو الحال في مصر، وإنما هي تطرح مشروعات إقليمية متعددة الأطراف للطاقة المتجددة، مثل مشروع إنتاج الطاقة الشمسية في الأردن المقترح أن يتم بالمشاركة مع الإمارات (التمويل) والأردن (الإنتاج) طبقا لإعلان النوايا الموقع في دبي عام 2021، ويستهدف توفير حوالي 200 مليون متر مكعب من المياه للأردن سنويًا من جانب إسرائيل مقابل نقل حوالي 600 ميغاوات من الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية من الأردن إلى إسرائيل. وهناك مشروع مماثل مطروح إقامته في شبه جزيرة سيناء، لتوليد الطاقة الشمسية واستخدامها في أغراض الاستهلاك الصناعي والمنزلي في قطاع غزة بعد انتهاء الحرب.