بين براءة القضاء واغتيال المجتمع: حين يتحول التشهير إلى سلاح ضد النساء

ماجدة أيت لكتاوي وعبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: أعادت قضية شابة مغربية تنشط كمؤثّرة على شبكات التواصل الاجتماعي، إلى الواجهة نقاشا محتدما حول ظاهرة التشهير بالنساء في قضايا تمسّ حياتهن الخاصة، وما يترتب عنها من دمار نفسي واجتماعي يطال الضحية وأسرتها ومحيطها؛ في مشهد يعكس خطورة الظاهرة وغياب رادع قانوني وأخلاقي أمام الانتهاكات التي ترتكب باسم الرأي العام أو السبق الصحافي، ودون احترام قرينة البراءة.
وقررت النيابة العامة في الدار البيضاء إخلاء سبيل المؤثرة والممثلة غيثة عصفور بعد اعتقالها ثلاثة أيام بتهمة «المشاركة في الخيانة الزوجية»، حين بلَّغت زوجة بوجود زوجها رفقة شابتين داخل إحدى الشقق، ليقرر وكيل الملك (المدعي العام) لدى المحكمة الابتدائية في الدار البيضاء، حفظ الملف وإلغاء المتابعة لانعدام الأدلة؛ إذ استغرقت القضية 72 ساعة من الاعتقال الاحتياطي، بعدما جرى استثناء تمديدها من 48 ساعة، قبل أن تُطوى بالقرار القضائي. غير أن الملف لم ينته هنا، إذ تحوّل إلى قضية رأي عام مثيرة على منصات التواصل الاجتماعي. وتحولت عصفور، خلال أيام معدودة، إلى هدف لحملة رقمية، انخرط فيها موقع إلكتروني واسع الانتشار، حيث تم «اغتيال» صورتها المعنوية ورميها بالعديد من الاتهامات الماسة بعرضها وشرفها، قبل أن يقول القضاء كلمته الأخيرة.

«المحاكم الرقمية»

لم تكن المتابعة الإعلامية لقضية توقيف غيثة عصفور من طرف بعض المواقع الإخبارية المحلية سوى القشّة التي قصمت ظهر الصحافة المغربية، فانقسم المهنيون بين مؤيّد لمسار التغطية والمواكبة الذي سارت عليه بالصوت والصورة والكلمة المكتوبة أيضًا، وبين رافض اعتبر ما جرى خرقا لقواعد المهنة. فبعد أيام من المقالات والفيديوهات والتصريحات الإعلامية «المثيرة» التي أصدرت حكمها المسبق على المؤثرة والممثلة المذكورة، قرر القضاء الإفراج عنها هي وصديقتها، مع حفظ الملف المرتبط بقضية الخيانة الزوجية «لانعدام الأدلة».
وفي ظرف ثلاثة أيام فقط، حوّلت تلك المواقع الإلكترونية الواقعة إلى حدث رأي عام، وتابعت كل التفاصيل المتعلقة بالمتهمة «البريئة حتى تثبت إدانتها»، حيث انتشرت فيديوهات عديدة حاصرت الممثلة من كل الجهات. لكن المفاجأة أن القضية كلها انتهت بحفظ الملف.
وتعود تفاصيل القضية حين أوقف الأمن الممثلة وصديقتها في منزل بأحد أحياء مدينة الدار البيضاء، إثر شكاية رفعتها زوجة رجل كان برفقتهما، اتهمتها فيها بالفساد والمشاركة في الخيانة الزوجية.
ومباشرة بعد تداول خبر توقيفها، انطلقت «المحاكم الرقمية» وأصدرت أحكاما «غير قابلة للنقاش»، وبدأ النهش في سيرتها المهنية والشخصية، حيث اتهمت بالتحريض على الفساد، وتأليب الأزواج على زوجاتهم، ونشر الرذيلة، وغيرها من المصطلحات الجاهزة التي تجرّد المتهمة من قرينة البراءة.
غيثة عصفور، التي كادت أن تغرق نفسيًا تحت وطأة هذه الموجة، نشرت أول «ستوري» لها على إنستغرام بعد الإفراج عنها، استشهدت فيه بالآية الكريمة: «الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا.»
وفي تحول درامي، الشابة التي صنعت شهرتها أمام الكاميرات، هربت منها لحظة خروجها من الحبس الاحتياطي، بعد أن ساهمت «صحافة الإثارة» ـ وفق المنتقدين ـ في تحويلها إلى وحش خلال فترة وجيزة. وهي، كما يراها بعض المهنيين، صحافة تعتمد التشهير والتأثير على الرأي العام الذي ينساق خلف «دلائل» ظرفية تضخّمها تلك المنابر.
الجدل صار محتدمًا اليوم على ضفاف هذه القضية، التي تعتبر نموذجا واحدا من عدة نماذج، وصفها بعض الإعلاميين بأنها «تسيء لصورة المغرب» وتظهره «وكأنه بلد منهك وفاسد يعج بالمجرمين»، كما ورد في تدوينة للصحافي محمد سراج الضو.
لكن في المقابل، هناك من دافع عن تلك المواقع معتبرا أن مهمة الإعلام هي مواكبة كل تفاصيل المجتمع وكشف «الأمراض» فيه بهدف علاجها، بينما قال آخرون إن القضية تحولت إلى ذريعة «لشنق بعض منابر الصحافة الإلكترونية الناجحة»، في حين لم تقم سوى بمهامها.
وفي خضم السجال، تقاسم عدد من الصحافيين مقالا للصحافي مصطفى أبوعلي بعنوان: «سامحيهم يا غيثة إنهم قوم يجهلون»، تحدث فيه عن إطلاق سراح الممثلة بعد قرار وكيل الملك (المدعي العام) لدى المحكمة الابتدائية في عين السبع بالدار البيضاء حفظ الملف لانعدام الأدلة. وكتب: «لكن محاكمة الشارع كانت لها كلمة أخرى، لقد أدانت الشابة، وحكمت عليها بقية حياتها تحت رعاية إعلام التشهير وآلة التدمير».
الحقوقية نجيبة قسومي وصفت ما وقع بأنه «مأساة حقوقية واضحة وخطيرة داخل مجتمع يعاني من الانفصام وتجهيز الأحكام المسبقة»، مشيرة إلى أن شروط إثبات الخيانة الزوجية لم تكن متوافرة في هذه الحالة، وأن «حملة التحريض ضد الفنانة الشابة انتهاك مباشر للحقوق القانونية وتشكل جريمة قائمة بذاتها بموجب النصوص الجنائية». الصحافي هشام العمراني وصف عملية التشهير بـ«سرطان يفتك بالأوطان»، وأكد أن «الاستهداف الذي طال هذه المواطنة حوّلها من متهمة ومُدانة وفق شرع الفم إلى ضحية تشهير تضامن معها الآلاف». بينما دعا الناشط أمين نصر الله إلى احترام قرينة البراءة، معتبرا أن «وجود رجل وامرأة في منزل واحد لا يعني أبدا توافر أركان جريمة الخيانة الزوجية».
وأكدت أمينة ماء العينين، المحامية وعضو الأمانة العامة لحزب «العدالة والتنمية» المعارض، أن الإيمان بقرينة البراءة كمبدأ عميق الدلالة لا يمكن ترسيخه إلا في مجتمع يؤمن بالحقوق والحريات، يمارسها ويتربى عليها.
وأضافت، أن «خُلق التبيُّن والإعراض عن النهش في الأعراض وتعقب العثرات، لا يمكن أن يحضر إلا في مجتمع القيم والتربية الدينية السليمة التي تظهر في أخلاق الناس وتعاملاتهم».
وأمام هذا الوضع، قالت السياسية المغربية، إننا أمام أزمة قيمية حقيقية تغذيها الثورة الإعلامية التي لا يوازيها أي عمل تربوي جاد قادر على مواجهة أخطارها، لذلك تتعاظم التحديات على هذا المستوى كل يوم أكثر فأكثر.
من جهته، خصص مدير أخبار موقع «صوت المغرب»، يونس مسكين، افتتاحية نارية قال فيها: «علينا أن نعتذر لغيثة لأننا مذنبون جميعا، ليس فقط لأن بعضنا شارك في التنكيل بها، بل لأننا صمتنا وسمحنا بأن يتحول الفضاء العمومي إلى محكمة تفتيش حديثة تنصب المشانق الرقمية قبل كلمة القضاء. ما جرى مع غيثة لم يكن حادثا عابرا، بل كان جرحا عميقا في جسدنا الجماعي ووصمة تفضح انهيارا أخلاقيا وقانونيا».
ويرى مسكين أن هذه القضية أبرزت أن المغاربة يعيشون بسرعتين متناقضتين، «ما بين سرعة نحتفي فيها بإصلاحات قانونية، وسرعة أخرى يُسحق فيها الأفراد بقضايا «أخلاقية» تنتهك قرينة البراءة التي يكفلها الدستور»، وتابع: «الإعلام بدوره خان رسالته، إذ تجاهل قرارات المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري بعدم نشر صور وأسماء المشتبه بهم قبل صدور الأحكام».
وخلص الصحافي المغربي، إلى أن الاعتذار لغيثة لا يكفي، بل يجب أن يتحول إلى يقظة جماعية تفرض مراجعة عميقة لطرق إنفاذ القانون، وأخلاقيات الإعلام، ومسؤوليتنا الفردية والجماعية. وختم قائلا: «ما حدث لغيثة يمكن أن يتكرر مع أي فرد، ما لم ندرك أن الافتراس الجماعي باسم الفضيلة ليس سوى قتلا للفضيلة نفسها».
وانتقد الكاتب حمزة الشافعي بشدة بعض المنابر الإعلامية، معتبرا أن الواقعة تحولت إلى مادة دسمة للتشهير والإثارة على حساب أخلاقيات المهنة. وقال: «لقد جسدت هذه الحملة الإعلامية نموذجا صارخا للصحافة الصفراء، حيث جرى إصدار أحكام جاهزة والترويج لفكرة الخيانة قبل أن يقول القضاء كلمته». وتساءل: «من منح هذه الوسائل الإعلامية الحق في أن تكون خصما وحكما في آن واحد؟»
واعتبر الباحث المغربي في قضايا التربية، أنه عندما ينعدم الضابط الأخلاقي في العمل الصحفي، يتحول الإعلام من سلطة رقابية إلى أداة تهديمية، تبحث عن الفضائح والأعطاب الاجتماعية لا من أجل تحليلها أو معالجتها، بل لاستثمارها تجاريا عبر مشاهدات وإعلانات.
ويرى الشافعي أن هذه الحملة الإعلامية ضد الشابة جسدت نموذجا صارخا للصحافة الصفراء، حيث جرى إصدار أحكام جاهزة، بل والترويج لفكرة أن الأمر يتعلق بجريمة أو «خيانة»، قبل أن يقول القضاء كلمته النهائية. «وكأن بعض المنابر الإعلامية نصّبت نفسها محكمة مجتمعية موازية، تجلد فيها الأعراض، وتُنتهك الخصوصيات، وتُطلق التهم على عواهنها».
وسار الشافعي إلى التأكيد على أن آثار هذه الحملة قد تكون وخيمة على المستوى النفسي والاجتماعي والمهني لضحاياها، «فالتشهير لا ينتهي بانتهاء الحدث، بل يترك ندوبا عميقة قد تطارد الشخص سنوات طويلة». وتساءل: «كيف لفتاة شابة في بداية مسارها أن تواجه مجتمعا ينظر إليها بعين الشبهة والفضول؟ وكيف ستواصل حياتها المهنية والفنية بعدما زُجّ باسمها في عناوين مثيرة لا أساس لها من الصحة؟ هذه ليست حرية صحافة، بل اغتيال رمزي لشخصية إنسان.»

قلق واستياء

أعربت شبكة «إنجاد ضد عنف النوع»، بالإضافة إلى «فدرالية رابطة حقوق النساء»، عن قلق واستياء بالغين إزاء ما تعرضت له الشابة غيثة عصفور من اعتقال تعسفي، وتشهير واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإلكترونية على خلفية قضية تمس حياتها الخاصة في انتهاك صارخ للكرامة وقرينة البراءة والحق في الحياة الخاصة ولمبادئ حقوق الإنسان.
وطالب البلاغ المشترك الصادر عن الهيئتين الحقوقيتين، بضرورة احترام المواقع الإلكترونية لأخلاقيات مهنة الصحافة، وتفادي التغطيات التي تمس بالحياة الخاصة أو تكرس التمييز والمس بالكرامة، خاصة في القضايا المرتبطة بالنساء. كما دعا إلى احترام الحياة الخاصة للأفراد، خصوصا النساء.
كما دعت الحقوقيات إلى وقف حملات التشهير والعنف الرقمي في حق غيثة عصفور وجميع النساء اللواتي يجرمن فقط لأنهن نساء، لافتات إلى ضرورة مراجعة القانون الجنائي وملاءمته مع الدستور في المغرب والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، بما يضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية، ويلغي كل أشكال التمييز والعنف المبني على النوع الاجتماعي.
وهكذا تحولت ممثلة ومؤثرة تحظى بمتابعين كثر على منصات التواصل الاجتماعي، إلى قضية رأي عام. فبينما تدمّرت سيرتها المهنية وتحطمت معنوياتها النفسية، ظهرت والدتها في مقاطع فيديو تؤكد أن ابنتها «مربّية ولا يمكن أن تقوم بتلك الأفعال»، في حين ركزت تدوينات أخرى على أصل الإشكال: الطعن في عرض الفتاة وشرفها، الذي يوجد شيء أصعب منه، والحكم المسبق عليها كمتّهمة تبيّن لاحقًا أنها بريئة من كل ما نُسب إليها من لدن «صحافة التشهير».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية