لا شك في أن مسلسل فضائح الفيفا سيستمر بالكشف كل يوم عن أزمة وفاسد وكارثة، لكن مع دوران عجلة التطهير من الفاسدين داخل المنظمة الكروية، فان كل الاهتمام ينصب حالياً على مونديالي روسيا 2018 وقطر 2022.
وفي الواقع، أستغرب الهجمة الشرسة من المسؤولين والاعلاميين الانكليز على ضرورة سحب استضافة مونديال 2022 من قطر، معربين عن استعدادهم لنيل الاستضافة بدل البلد الخليجي، رغم أنه اذا نجحت روسيا في استضافة 2018 فان مونديال 2022 سيذهب الى خارج القارة الاوروبية، بحسب معايير الاستضافة، ولن تعتبر رغبة الانكليز في الاستضافة انقاذاً للموقف، لان اعلان منح قطر الاستضافة جاء مبكراً ست سنوات، لكن الأدهى ان السبب الذي يتعلل به الانكليز كذريعة لسحب المونديال من قطر هو «الفساد»، الا أن الأمر ليس كذلك.
أولاً، علينا وضع تفسير واضح لمعنى الفساد، فاذا كانت الهبات والعطايا والهدايا كلها تخضع تحت خانة «الفساد»، فان كل دولة تقدمت بملف ترشيح لاستضافة، ليس فقط نسخة من نسخ كأس العالم، بل كل بطولات الفيفا، ستعتبر فاسدة، لأن الهدايا والهبات والعطايا منحت لأعضاء الفيفا واللجان المنوط لها اختيار الدول المستضيفة، بأشكال وأصناف مختلفة ومتنوعة، من كل الدول بدون استثناء، حتى التي خسرت حق الاستضافة، وهذا يعود الى التسعينات، واليوم بدأنا نسمع عن مزاعم فساد في عمليات اختيار مستضيفي مونديال 1998 و2006 و2010. وحتى الانكليز أنفسهم اعترفوا بمنح تسهيلات لكبير الفاسدين جاك وارنر الذي بلغ من الوقاحة ان يقدم طلباته مقابل صوته، فطلب تعليم ابنه في احدى الجامعات اللندنية، وتوفير علاج لقريبه في احد المستشفيات اللندنية، وهو جزء من «الهبات» أو «الفساد».
لكن كون الواقع يقول ان ميزانية كل دولة مرشحة للاستضافة تختلف من واحدة الى أخرى، فان القدرة المالية الهائلة لقطر سنحت لها استمالة العدد الأكبر من المصوتين لمصلحة ملفها. لكن هل هذا خطأها، أم خطأ بيئة الفيفا الفاسدة التي عززها بلاتر كي يحكم السيطرة على أعضائه؟ وحتى عندما كان يعاقب أعضائه الذي يتعدون الخط الأحمر معه بشطبهم من عالم اللعبة بتهمة الفساد، فان من يأتي بعدهم كانوا يسيرون على الدرب ذاته، وتستمر سلسلة الفساد، وهذا يعكس العقلية والذهنية التي زرعها بلاتر في الفيفا، فبات يتعين على كل بلد يطلب استضافة أو ترشيح أو أي أمر يتطلب تصويتاً، أن يمر على زمرة من الفاسدين، وكأنها عملية مبرمجة، والا لن ينجح.
وبالعودة الى الانكليز، فان ذريعتهم الحقيقية ليست الفساد، بل خوفهم الكبير على دوريهم المحلي «البريميرليغ»، الذي سيكون أكثر الدوريات الاوروبية تأثيراً من اقامة المونديال في الشتاء، خصصوصاً أنه الوحيد الذي لا يتوقف خلال فترة الاعياد، بل تزداد أعداد المباريات، ومنها يجني غالبية أرباحه من الاعلانات والدعاية ونشر الدوري حول العالم، وهو ما يدر عليه سنوياًَ ما يقرب من 10 مليارات دولار، علماً أن اقامة مونديال 2022 في الشتاء، يعني اضطراب المسابقات الاوروبية المحلية، موسمين قبل المونديال وموسمين بعده. الآن، رد الفعل القطري الطبيعي كان سلبياً اتجاه الانكليز، لكن أكثر ما لفت انتباهي هو التركيز على أن الهجمة ضد مونديالهم هو «عنصرية» و»لا يريدون لدولة عربية مسلمة أن تستضيف المونديال»، وربما هي أعذار مقبولة للاستهلاك الاعلامي، لكنها ليست حقيقية، لكن مع ذلك فان استضافة مونديال 2022 في قطر تظل أمراً شائكاً، لكن ما هو الحل؟
رغم عدم ممانعة القطريين من استضافة المونديال في الصيف أو الشتاء، فان العالم على يقين أنه من المستحيل الاستضافة خلال أسابيع الصيف الحارة جداً، رغم الحلول الخلاقة بتطبيق أنظمة تبريد عالية الحداثة والفاعلية، فكان الحل بحسم الأمر واعلان الشتاء موعداً لاقامة المونديال، لكن هذا خلق أزمة للاوروبيين، وخصوصاً الانكليز، الذين سيظلون يبحثون عن حل بديل.
لا أرى حلاً رياضياً أو كروياً لهذه الأزمة، لكن الحل قد يكون سياسياً واقتصادياً، كون قطر تملك استثمارات هائلة في كل أوروبا، وتحديداً انكلترا، تتنوع بين أطول برج في لندن (شارد) والقرية الاولمبية في شرق لندن وثكنات تشلسي ومتجر هارودز الشهير وأسهم في احدى أكبر المتاجر (سانسبيري) وشركة طاقة ومصرف باركليز وسوق هامدن، عدا عن العلاقات الوطيدة بين العائلتين المالكتين، خصوصاً أن ابنة عم الملكة اليزابيث هي مسؤولة العلاقات العامة القطرية في بريطانيا. واعتقد أنه اذا اشتدت الأمور فان الحل السياسي والاقتصادي سيكون الأنجع، ولن استغرب اذا تلاشت الهجمات الانكليزية الشرسة في الأيام المقبلة، وأبقى على يقين أن قطر ستستضيف المونديال.
علماً أن الانتقادات والتقارير السلبية ستزداد، ليس لأنها قطر، لكن هذا ما يحدث مع كل دولة مستضيفة، فالبرازيل عانت من التقارير السلبية بشأن حوادث عمال الاستادات ومن التظاهرات الداخلية ومزاعم الفساد، في حين عانت جنوب افريقيا من تقارير معدلات الجرائم فيها، واعتبارها الاعلى بين دول العالم، وحتى في ألمانيا «المتحضرة» كانت هناك تقارير مقززة قبل 2006.
خلدون الشيخ