الأمم المتحدة – “القدس العربي”: في مؤتمره الصحافي السنوي قبيل انعقاد الدورة الثمانين للجمعية العامة، قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن ما يقرب من 150 رئيس دولة وحكومة سيأتون إلى مقر الأمم المتحدة للمشاركة في الجزء رفيع المستوى من الدورة، التي يُطلق البعض عليها اسم “كأس العالم للدبلوماسية”. وأضاف: “لكن لا يُمكن أن يكون هذا الحدث متعلقًا بتسجيل النقاط، بل يجب أن يكون مكرسا لحل المشكلات. هناك الكثير على المحك”.
وأوضح أن الدورة تنعقد في ظل ظروف مضطربة بل ومجهولة، حيث تتسع الانقسامات الجيوسياسية، وتشتعل الصراعات، ويتفاقم الإفلات من العقاب. وقال: “كوكبنا يعاني من ارتفاع درجة الحرارة. والتقنيات الجديدة تتسارع دون حواجز حماية، وأوجه عدم المساواة تتسع ساعة بساعة، والتعاون الدولي يواجه ضغوطا لم نشهدها في حياتنا”.
وأضاف غوتيريش: “في الأسبوع المقبل سأعقد بنفسي أكثر من 150 اجتماعًا ثنائيًا. سأستخدم كل اجتماع منها للضغط على القادة للتحدث مباشرةً مع بعضهم البعض، لسد الفجوات، لتقليل المخاطر، وإيجاد حلول. الناس يطالبون بإجابات وخطوات عملية تتناسب مع خطورة التحديات التي يواجهها عالمنا، وتلبي توقعات كل من ينظر من الخارج. ليكن هذا أسبوعا للحلول”.
وتابع: “من أجل السلام في غزة وأوكرانيا والسودان وغيرها. ومن أجل طريق نحو سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط قائم على حل الدولتين. من أجل المناخ، مع تكثيف الدول جهودها بخطط عمل وطنية جديدة وطموحة تُبقي حدّ الـ 1.5 درجة مئوية قائمًا. من أجل الابتكار المسؤول، مع إطلاق الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي لوضع البشرية في قلب التغيير التكنولوجي بمشاركة جميع الدول. من أجل النساء والفتيات بخطط ملموسة للمساواة. ومن أجل أمم متحدة أقوى، من خلال دعم مبادرة الأمم المتحدة الثمانين لتجهيز المنظمة لعالم لم يعد يشبه عام 1945 أو حتى العام الماضي. القائمة طويلة لأن الاحتياجات كبيرة، وعصرنا يتطلب أكثر من مجرد مواقف ووعود، بل يتطلب من القادة إحراز تقدم والوفاء به. المطلوب السعي لتحقيق السلام، والنهوض بالتنمية المستدامة، وضمان حقوق الإنسان، ومواجهة التحديات العالمية معًا. الأمم المتحدة هي المكان المناسب. على القادة أن يكونوا جادين وأن ينجزوا”.
استقالتي ستسعد كل تلك الدول التي تتصرف بطريقة خاطئة، ولذلك لن أمنحها هذه الفرصة للاحتفال
الاستقالة ستبهج الكثيرين
خلال فقرة الأسئلة والأجوبة، ردًا على سؤال “القدس العربي” عما إذا كان قد فكر في الاستقالة بعد “كل هذا الفشل”، قال الأمين العام: “إن استقالتي ستسعد كل تلك الدول التي تتصرف بطريقة خاطئة، ولذلك لن أمنحها هذه الفرصة للاحتفال. لكنني أعبر عن عميق إحباطي لأن كل هذه القضايا التي أثرتها لم تُحل بطريقة صحيحة، لأن المجتمع الدولي لم يجتمع على كلمة سواء لحلها”.
وتابعت “القدس العربي” بسؤال آخر: “ماذا بعد؟ أنت فعّلت البند 99 من الميثاق، ماذا فعلت أكثر للتأثير على أعضاء مجلس الأمن؟”، فأجاب: “لقد قلت مرارا إن تفعيل البند 99 يحمل قيمة معنوية ورمزية، ويستخدمه الأمين العام في أسوأ الظروف وأصعبها. استخدمته في أكثر الحالات خطورة في الصراعات الدولية المتعلقة بالسلم والأمن، لذلك لجأت إليه في حالة غزة. لم أكن مقتنعا أن تفعيله سيحل المشكلة في غزة، لكنه كان إشارة رمزية لإظهار الحالة الدرامية التي شعرت بها تجاه ما يحدث هناك”.
وتلقى غوتيريش عدة أسئلة حول توصيف ما يجري في غزة بأنه “حرب إبادة”، خاصة في ضوء تقرير الفريق المستقل برئاسة نافي بيلاي التابع لمجلس حقوق الإنسان في جنيف. وردًا على سؤال حول ما إذا كان يشاطر التقرير خلاصته، قال: “كما قلت من قبل، ليس بيد الأمين العام الصلاحية القانونية ليقرر إذا ما كان ما يجري في غزة حرب إبادة أم لا. هناك مؤسسات قضائية تقوم بهذه المهمة، وخاصة محكمة العدل الدولية التي تنظر حاليًا في ما إذا كانت الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الإبادة الجماعية تنتهك في غزة. ومع أنني لست مؤهلًا لتقديم رأي قانوني، فهذا لا يعني أنني أقبل بما يجري في غزة. ما يحدث مروع: نشهد تدميرا شاملا لأحياء كاملة، وتدميرا منظما ومتواصلا لمدينة غزة، وقتلا واسعا للمدنيين بطريقة لم أرَ شبيهًا لها طوال سنوات عملي كأمين عام. الشعب الفلسطيني يعاني من الجوع والتهجير المتواصل، ومن غياب الدعم، وهذا لا يمكن أن يُنسى. ما يجري غير مقبول قانونيا ولا أخلاقيا ولا سياسيا”.
نشهد تدميرا شاملا لأحياء كاملة، وتدميرا منظما ومتواصلا لمدينة غزة، وقتلا واسعا للمدنيين بطريقة لم أرَ شبيها لها طوال سنوات عملي كأمين عام
وعن سؤال حول تقرير نافي بيلاي الذي دعا إلى عدم انتظار حكم محكمة العدل الدولية، باعتبار أن ما يحدث هو “حرب إبادة”، وأن هذا الوصف أقرّته أيضا منظمات دولية مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، فضلا عن خبراء وجنوب أفريقيا، أجاب غوتيريش: “الأمم المتحدة مكونة من عدة أجهزة، بعضها مستقل. ولو أقر مجلس الأمن والجمعية العامة أن ما يجري في غزة حرب إبادة، لاتّبعت موقفهما دون تردد”.
وأكد غوتيريش أنه سيلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا طلب ذلك، كما سيلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبحث قضايا متعددة، خصوصا ما يتعلق بالسلم والوساطة.
وعن فشل الأمم المتحدة في حماية المدنيين في غزة، وسؤاله عن إمكانية الضغط لإرسال قوة حفظ سلام، قال: “لا أعتقد أن الظروف مواتية لنشر قوة حفظ سلام في غزة، وأعتقد أن إسرائيل لن تقبل بذلك، وكذلك الولايات المتحدة. لكنني أتمنى وقف إطلاق النار فورا، وأن أرى قوة حفظ سلام لحماية المدنيين. إلا أن إسرائيل تبدو الآن مصممة على الاستمرار في حربها على غزة، وبعد الهجوم على قطر بات واضحا أنها ليست معنية بالمفاوضات”.
إسرائيل تبدو الآن مصممة على الاستمرار في حربها على غزة، وبعد الهجوم على قطر بات واضحا أنها ليست معنية بالمفاوضات
وبشأن حل الدولتين، قال الأمين العام: “أدرك أن حل الدولتين صعب المنال الآن، لكن يجب أن نحشد كل الإمكانيات لتحقيقه. لا يوجد بديل آخر. هل البديل دولة واحدة يضطهد فيها شعب ويُحرم من حقوقه، أو يُطرد من أرضه، أو يخضع بلا حقوق؟ لذلك، لا سلام في الشرق الأوسط من دون حل الدولتين، وسيستمر النزاع في المنطقة مع ما يجره من مآسٍ”.
وردا على سؤال حول فشله في توصيف ما يجري في غزة بأنه حرب إبادة، وكيف سيحكم عليه التاريخ، قال غوتيريش: “التاريخ سيتذكر أنني كنت أول من ناضل من أجل حقوق الشعب الفلسطيني. سيتذكر عدد موظفي الأمم المتحدة الذين قتلوا في غزة، وسيتذكر الإدانات العديدة التي أطلقتها بسبب انتهاك القانون الدولي وقتل المدنيين بشكل غير مسبوق خلال وجودي في هذا المنصب. التاريخ سيتذكر أننا كنا في خط الدفاع الأول عن حقوق الشعب الفلسطيني، وعن حل الدولتين، وليس في خلاف على المصطلحات”.