في الطريق الممتد بين بقايا البيوت ورائحة الحديد المحترق، تسير امرأة عجوز بخطوات مثقلة، كأنها تحمل على ظهرها قرناً كاملاً من الحروب. رأسها منحن، ووجهها غائر في تجاعيد تشبه خرائط النزوح القديمة. المنديل البالي يغطي شعرها الأبيض، لكنه لا يغطي التعب الذي يسيل من عينيها كسيل غبار متواصل. لا تعرف إلى أين تمضي، ولا من سيلتقط أنفاسها إن تعثرت، هي فقط تمشي لأن الجنود أمروها بالرحيل، لأن البيت صار خطراً، ولأن الموت يلاحق خطواتها. في قلبها حفرة ممتلئة بذكريات جدران مهدّمة، وروائح خبز لم يعد ممكناً أن يخبز، ونافذة كانت تطل على البحر، فإذا بالبحر نفسه يغدو شاهداً صامتاً على اقتلاعها.
كل خطوة كانت جنازة صغيرة. لم تكن تمشي وحدها… كانت تمثل بأقدامها المهتزّة أجيالاً كاملة من النساء اللواتي هجرن من بيوتهن، من الأطفال الذين لم يكتملوا، من الرجال الذين قضوا في السجون. كل تجعيدة على وجهها كانت سطراً من كتاب الإبادة الجماعية. وكل نفس يخرج من صدرها كان أشبه بصرخة مكتومة ترفض أن تتحول إلى نحيب.
إلى جوارها، جلس رجل مسنّ آخر، عمّ لطفل صغير. لم تسعفه قدماه على مواصلة السير، فجلس على حجر يطل على الطريق. كان يراقب بعينين منكسرتين الأطفال المنتشرين من حوله. بعضهم انهار على التراب، وبعضهم افترش الحقائب الممزقة، وآخرون تمدّدوا على حجارة الطريق. لم يعد النوم في غزة فعلاً اختيارياً، صار سقوطاً إجبارياً للجسد حين ينهكه المسير. النوم هناك ليس راحة، بل إغماء قصير وسط الطوفان.
كان يحاول أن يمنح الطفل شيئاً من الطمأنينة، لكن كل ما استطاع فعله أن يضع يده المرتعشة على رأسه… رأى طفلة صغيرة تغفو على حقيبة قديمة قرب مركز للمساعدات، جسدها الهزيل ارتعش قليلاً ثم سكن.. كان يتمنى أن ينهض ليحملها، ليقول لها إن هناك سريراً ووسادة في مكان ما، لكنه يعرف أنّ لا سرير ينتظرها، وأنّ النوم في حضن حقيبة صار أرحم من السهر في حضن القصف.
الأطفال الذين ينامون على الحديد والغبار
على مسافة أبعد قليلاً، ظهر مشهد طفل آخر. كان متعباً من المشي، فلم يجد سوى مقدّمة سيارة قديمة مغطاة بغبار أحمر. صعد إليها وتمدد، أسند خده الصغير على حديد بارد، وأغمض عينيه. نام كأنه في حضن أم غائبة. كان المشهد مزيجاً من البساطة والفجيعة: الحديد صار وسادة، والغبار صار غطاء، والسيارة المتهالكة تحولت إلى بيت مؤقت. بدا الطفل كمن يعلن للعالم أنّ النوم أيضاً فعل مقاومة، أنّه حتى وسط الركام يمكن للجسد أن يجد لحظة استسلام للراحة.
وعلى الدراجات الهوائية المتهالكة، كان أطفال آخرون يكافحون ليبقوا يقظين. أجسادهم الصغيرة مائلة، عيونهم نصف مغلقة، رؤوسهم تتمايل بين السقوط والبقاء. ومع ذلك ظلّت العجلات تدور، كأنها ترفض الاعتراف بأن الطفولة انتهت عند أول حاجز عسكري.
ثم بان المشهد الأكبر، كأن غزة تحولت إلى قافلة لا نهاية لها. طريق الرشيد صار نهراً بشرياً. آلاف يسيرون متلاصقين، كل واحد منهم يحمل ما استطاع حمله من بقايا حياة: بطانية، قدر طعام قديم، صورة مطوية في جيب. سيارات مكتظة، عربات يدوية يدفعها رجال أنهكهم العرق، نساء يحملن الأطفال على أذرع وحقائب على الظهور، شيوخ يتكئون على عصيّ خشبية ويتنفسون بصعوبة. الأرض تهتز تحت وقع الأقدام، فيما السماء تظلّ تهطل رمادها بلا توقف. البحر إلى اليمين يلمع كمرآة للخراب، والمدينة إلى اليسار تنطفئ مثل شمعة محاصرة.
الطريق لم يكن مجرد معبر للنزوح، إنه جغرافيا كاملة للتيه. هناك، يتعلم الإنسان أن البيت يمكن أن يختزل في حقيبة، وأن الأمان يمكن أن ينهار في لحظة، وأن النوم يمكن أن يحدث على حافة سيارة أو دراجة صدئة. ومع ذلك، يظل هناك شيء صغير يتشبث به الكل: الرغبة في البقاء. الرغبة في الاستمرار رغم كل شيء. الرغبة في أن يستيقظوا يوماً على صباح آخر غير هذا الصباح الرمادي.
غزة باتت لوحة للحزن الإنساني في أبهى تجلياته. العجوز التي تمشي بخطواتها المهتزّة كانت تسير على ذاكرة وطن. الرجل الذي جلس على الحجر كان عيناً أبويّة تحرس أطفالاً بلا مأوى. الطفلة التي غفت على حقيبة كانت ترسم حدود مملكتها الصغيرة في عالم مدمّر. الطفل الذي نام على مقدّمة السيارة كان يعلن أنّ الحديد يمكن أن يتحول إلى حضن أمّ. والأطفال الذين مالوا على دراجاتهم كانوا يكتبون بصدورهم الصغيرة معادلة عنيدة: يمكن للجسد أن ينهك، لكن الروح تظل تدور كالعجلة.
وفي قلب كل هذه الفوضى، ظلّ هناك بريق صغير، بريق يشبه دمعة لم تسقط بعد. بريق يلمع في عيون الأطفال والعجائز والآباء والأمهات. بريق يقول: “لن نموت كما يريدون”.
هؤلاء الذين ينامون اليوم على الغبار سيستيقظون يوماً على صباح مختلف. هؤلاء الذين جعلوا من الحديد وسادة ومن الطريق سريراً، سيعودون يوماً إلى أسرّتهم الحقيقية. والعجوز التي تتهاوى اليوم على الطريق، ستجلس غداً على عتبة بيتها وتقول: “لقد عدت”.
النزوح ليس النهاية، إنه فصل آخر من كتاب طويل يكتبه الفلسطينيون بدموعهم وجراحهم. كتاب يظلّ مفتوحاً، صفحاته تلطّخها الدماء والغبار، لكن في أعماقه دائماً هامش صغير للأمل. غزة اليوم تمشي على قدمين متعبتين، لكنها تمشي، وهذا وحده كافٍ ليبقى العالم شاهداً على أن الحياة، رغم كل شيء، لم تهزمها النار.
* ٭ كاتبة لبنانية