تُقرأ رواية ثم يستعيدها القارئ لأيّام على شاشة ذهنه، يتحرّك في مفاصلها ويتحدّث عنها للآخرين، كما لو أنّه كتبها، أو هكذا يبدو لمن يستمع إليه، بحيث يظهر في حالة اندماج بينه وبين ما يتحدّث عنه، قد لا يشعر القارئ بذلك، ولكن الذي يتلقى عنه يشعره، إحساس جميل بالنص الذي يبلغ درجة من نقل الواقع إلى الكلمات، فيثير فيها نبض الحياة باعتبارها تقدّم العالم في صورة جميلة، فالنص مهما اختلفنا حول مستواه، فهو على الأقل يمنح فرصة للقارئ كي يكتشف الأشياء في صورة أخرى غير تلك التي تتمظهر بها في العالم وفي الواقع.
القارئ أثر الرّواية المستمر:
تتلبّس القارئ هذه الحالة من الشّغف بما يقرأ، لأنّه يكتشف عوالم لم يكن يعتبرها بذلك الجمال والسحر، فالكلمات تنفث في الأشياء سرّها الذي لا يدرك. سرّ الكلمات يكمن في تلك المرتبة التي تبلغها الأشياء وهي تتحول على سطح النص من مجرد مظهر إلى تأويل، وعند هذه المساحة تأخذ أبعادا سريالية، فتتصارع مع صورتها الحقيقية في ذهن القارئ ليخرج بصورة مغايرة تماما لما في النص والواقع، فالتأويل ليس هو نهاية مطاف القارئ في بوتقة النص، قد يبدو له ذلك لأنّه ارتاح إلى وقوفٍ ما على معنى في النص وهذا يكفيه عناء التيه في «غابة السرد»، بتعبير أمبيرتو إيكو.
التأويل هنا ليس فقط الوقوف عند لحظة النص باعتباره مادّته (التأويل)، ولكن الأهم فيه، برؤية إيكو» هو سلوك القارئ (النموذجي) ، إزاء ما يُعرض أمامه من مشهدية سردية تتوافق وحركة ما على مسرح الواقع، إذ تتداخل الصور عند حدود الاستدعاءات التي تتطلبها القراءة، فالقراءة ليست عملية لازمة فقط، تقف عند حدود النص، إنّها على العكس من ذلك متعدّية انطلاقا من التصوّرات التي تنتقل من النص إلى ذهن القارئ ومنه إلى الحياة، فالرّوائي في الأخير ما هو إلا عنصر من عناصر الحياة، لجأ إلى الرواية للإيهام بالواقع، وإلا اعتُبر ليس صاحب صنعة، فالشّخوص والأمكنة والأزمنة، صحيح أنّها متخيّلة، لكن يمكن أن يكون لها وجود في الواقع كما هي «السكرية» و»بين القصرين» و»قصر الشوق»، في ثلاثية نجيب محفوظ، لكن الرواية أيضا مهما بلغت درجة الواقعية، فهي بطبيعتها ضافية للخيال على الحدث، ما يجعلها تقترب من الواقع هو إسقاطات القارئ، ومنها ما هو مشهور في أحاديث الروائيين، حينما يُواجَهون من قرّائهم بفكرة أنّ أحد الشخوص هو الكاتب بعينه، فهناك علاقة بين الرواية والواقع الذي أنتجها، ولعل القارئ الذكي يتحوّل إلى مفتش بوليسي على حدود الرواية ليستطلع ما بين سطورها، وما تخفيه «فراغاتها البيضاء»، وهو بذلك يكشف عن استراتيجياتها المقترحة لتقديم العالم، وفق سردية ما قد تغيّر من وضع العالم ذاته.
تعتني الرواية بذوق القارئ إذ تستدرجه أنماطها ومستوياتها الجمالية إلى ما يريد العثور عنه مسبقا، كاستراتيجيات مواجِهة للاستراتيجية الأساس للرواية، وهو ما يقوم به الدرس النقدي عند العقول النقدية الثقافية كإدوارد سعيد مثلا في تحليله لبعض الخطابات المتعلقة بالاستشراق، وما بعد الاستعمار، أو كولن ولسن في «اللامنتمي». يمكن القول إنّ قارئ الرواية إنما يقرأها باحثا عن تفسير ما للعالم الذي يحيطه لا بأشخاصه وأمكنته وأزمنته، ولكن بأسئلته التي تفرزها ظروف العيش فيه الدائرة بين المأساة والملهاة، إنّها دراما المعيش، حيث تتحوّل الحياة ذاتها إلى رواية على أساس أنّ ما يحدث فيها يفوق كل ما يتفضّل به الخيال كمادّة لإنتاج المتعة والتشويق اللذين تتيحهما الحكاية. وهنا تكمن أهمية التأويل لا باعتباره عملية غير متناهية إلى حد، بل كاستراتيجية لها مستوى تقف عنده، فإيكو يرى أنّ «التأويل المفرط يمكن إدراكه على عكس ما ذهبت إليه النزعة التفكيكية» كما يقول محمد الديهاجي. التأويل الذي يقف عند حد ليس معناه واحديته، بل يعني «إمكانية إرضاء» يتمسّك بها القارئ ليستطيع أن يقدّم تفسيرا للعالم، أو ما يقع.
الرواية أو الكلمات التي من الطفولة:
كل ما يتعلق بالقارئ وهو «يقشّر» الرواية كما قشّر غونتر غراس طبقات حياته، نافذا إلى أسرارها في مذكراته «تقشير البصلة»، يستدعي منّا إطلالة فضولية على عالم الروائي، باعتباره المُحفّز لكل آليات التلقي لدى القارئ، مانحا إيّاه كل تلك الإمكانيات لمعرفة العالم، باعتباره تجربة منتجة لمعرفة.
تبدأ الحكاية عندما يتحدّث الروائي عن ذاته، يستفزّه المتلقي كي يفشي أسرار إقباله على القراءة والكتابة، القارئ دوما مهووس بكيفيات إنتاج تلك العوالم المتخيلة التي يهبها الروائي عربون محبة لاستمالة القلوب والعقول كتخفيف لمعاناة عزلة الكتابة.
حكاية الروائي مع الكلمات، كما حكاية الشخص البالغ مع الطفولة، الكبير يرى في الصغير حلم العودة إلى لذّة اللامبالاة، لأنّ كل شيء جاهز وبين يدي الطفل، ابتداء من دفء الحب، فيهتم به اهتماما كبيرا لأنّ الطفولة جاذبة في حقيقتها، من منّا لا يحب الأطفال؟ ثم تكبر الطفولة، ويظل الكبير محتفظا بصورتها البريئة فيمن كان يرعاهم بمحبته، لكنه في لحظة ينسى أنّ الأطفال شقّوا طريقهم نحو النضج وهو أصبح مأخوذا بالحنين، والنضج يجعل طفل الأمس في تماس مباشر مع صعوبات الحياة، في حين أنّ الكبير يكون قد نسي بعض ممارسات الحياة القاسية أو تغافلها بالحنين نحو لحظةٍ لزمنٍ جميل يعتقده، ومنه تلك الطفولة التي تناسته في خضم انشغالها بالحياة. تمنح الكلمات من نضجها للروائي، ويمرّر الروائي من حنينه للكلمات، وضمن هذه التبادلية، وبين نضج الكلمات التي تعطي للرواية نكهة الحياة والحنين، التي تضع الرّواية في مصاف الذاكرة، تتشكل جمالية الحكاية باعتبارها منتج الخيال.
تتسحب الرواية من خيال الروائي، وفق طقوس تكاد تبلغ مرتبة رواية، حين نطّلع عليها، بل القارئ شغوف بمعرفة الحالة التي يكون عليها الروائي وهو يبدع عوالمه المتخيّلة، لأنّ ذلك يساهم في تخصيب ذاكرة القراءة باعتبارها حالة واقعية، وكأنّ القارئ لا يحب إفلات واقعيته، هو الذي سوف يأسره عالم المتخيّل، فيبحث عن شيء يتعلق بواقع الروائي ليواجه الواقع بالمتخيل، وهذا مستوى لدى القارئ المستوعب لطبيعة الواقع والمتخيّل باعتبارهما وعي الحياة.
عندما يعرف القارئ مثلا أنّ الروائي الجزائري رشيد بوجدرة يحتاج إلى سنة كاملة لتختمر في ذهنه الرواية ثم لا تتطلب كتابتها لديه سوى شهر، أو أنّ الطاهر وطار يظل يناوب القطار ملازما القاطرة ذهابا وإيابا طيلة اليوم عند مباشرته لكتابة نص روائي، أو غيرهم من الكتّاب في طقوسهم التي تبدو غريبة نوعا ما، مثل أغاثا كريستي التي لا تكتب إلا في الحمام، أو ألبير كامو الذي كان لا يكتب إلا واقفا أمام شرفة مفتوحة ونجيب محفوظ الذي كان يسير لمسافات طويلة قبل الكتابة. تعتبر معرفة القارئ بهذه التفاصيل في حياة الروائيين، بمثابة الاندماج في عوالمهم الغريبة التي تنطوي فيها غرابة الرواية، وبالتالي، يصبح التبادل بين العالمين الروائي والواقعي، يحمل بصمة حركة القارئ في الواقع أيضا، باعتباره عنصرا واقعيا، وهو ما يؤكد فعالية الرواية في التغيير كما حدث مع الرواية الأشهر في التاريخ الأدبي «دون كيشوت دي لا مانشا».
كاتب جزائري