الوجه الآخر للقضية: «الكوفيون الجدد» و«تسونامي» المقاطعة و«انتحارات» في جيش العدو!

لم يكن بالأمر العجيب ولا بالحادث الجديد أن تصدح جماهير فريق “الرجاء” المغربي لكرة القدم، أول أمس الأربعاء، بأغنيتها المعروفة “الحبيبة يا فلسطين”، بين مدرجات ملعب الدار البيضاء، خلال المقابلة التي جرت بين الفريق نفسه وفريق الجيش الملكي.
فعلى امتداد السنوات المنصرمة، أظهرت الجماهير الرياضية المغربية، بمختلف أطيافها، تضامنها المطلق مع الشعب الفلسطيني في مقاومته البطولية للعدو الإسرائيلي الغاشم.
ولكن المثير في مقابلة الأربعاء، بجانب الأصوات الصادحة بالعشق الفلسطيني، هو “التيفو” الذي أبدعته جماهير “الرجاء”، حيث امتلأت مدرجات الملعب بعرض بصري جماعي، تمثل في كوفية فلسطينية ضخمة، تجسيدًا لرسالة قوية مؤداها الالتصاق القوي بالهمّ القومي، ولا سيما بمعاناة أهالينا في غزة المحاصرة والمدمّرة من طرف قوى الاحتلال.
والواقع أن الكوفية الفلسطينية صارت “أيقونة” بارزة في شتى المسيرات والوقفات التي تشهدها المدن المغربية بشكل يومي تقريبًا، فضلاً عن وجودها في تظاهرات ثقافية وفنية وسياسية واجتماعية وغيرها، لدرجة أن ظهور شخصيات معينة، تنتمي إلى قطاعات مهنية مختلفة كالطب مثلا، في برامج تلفزيونية أمسى مقترنًا بتوشحها بالكوفية الفلسطينية.
أكثر من ذلك، أن هذه الكوفية غدت تملأ الفضاء البصري العام في العديد من بلدان العالم، بما فيها البلدان الغربية والشرقية. وهو شيء غير مسبوق في تاريخ القضية الفلسطينية، ومعها برز مصطلح جديد هو “الكوفيون”. مهلاً، لا يتعلق الأمر بالمنتمين إلى “مدرسة الكوفة” الشهيرة في التاريخ القديم على مستوى النحو واللغة، ولكنها مصطلح يشير إلى المتوشحين بالكوفية الفلسطينية، تعبيرًا عن موقف والتزام ومناصرة.
وإذا كان هذا المصطلح يحمل أبعادًا إنسانية إيجابية، فإن البعض في المغرب حاول قسرًا حصره في إطار سلبي ضيق. إنه ـ في نظرهم ـ يحيل على الأشخاص الذين يجعلون القضية الفلسطينية في صدارة اهتماماتهم. والحال أن الأمر يقتضي ـ وفق أصحاب هذه النظرة الضيقة ـ الاكتفاء بالاهتمام بالقضايا المغربية، وعدم الانشغال بقضايا قومية “بعيدة”، تجسيدًا للمقولة المغلوطة “تازة قبل غزة”!
أصحاب هذا الفهم يشكّلون الاستثناء والحالة الشاذّة، أما الموقف الصائب والسليم فهو ما يجسده آلاف المغاربة في الساحات والشوارع وفي الملاعب الرياضية والتظاهرات الثقافية والتجمعات الحزبية.
ومن ثم، يمكن القول إنه في مقابل الصورة القاتمة للحرب الصهيونية الغاشمة على غزة، ثمة صورة أخرى مشرقة تبعث الأمل في النفوس، وتؤكد تغيُّر موازين القوى لصالح فلسطين والفلسطينيين، على الرغم من الترسانة العسكرية الضخمة التي تلجأ إليها قوات العدو مدعومة بالولايات المتحدة الأمريكية.

المقاطعة الهادئة أصبحت صاخبة!

من تجليات هذه الصورة الإيجابية، ما أطلقت عليه قناة “المشهد” تعبير “تسونامي المقاطعة” نقلاً عن الإعلام الإسرائيلي، إذ أوضحت أن موجة المقاطعة لم تعد مجرد شعارات، بل صارت واقعا يضرب في 2 / 3
العمق: الخسائر بالبليارات، والموزّعون حول العالم يلغون صفقات بملايين الدولارات خوفًا من المستهلكين، ومدير عام شركة إسرائيلية كبرى خسر صفقة مع إيطاليا كانت ستدرّ ثلاثة ملايين دولار سنويا.
الأمر لا يتوقف عند الاقتصاد، كما لاحظت قناة “المشهد”، بل يمتد إلى الثقافة والفن، ففي هوليوود أكثر من أربعة آلاف فنان ومنتج بينهم فائزون بالأوسكار أعلنوا مقاطعة السينما الإسرائيلية، وحتى مسابقة «يوروفيجن» الغنائية تواجه ضغوطا من دول أوربية كأيرلندا وسلوفينيا وإسبانيا التي هددت بالانسحاب إنْ شاركت إسرائيل.
“المقاطعة سلاح يفرض واقعًا سياسيا جديدا على الأرض، واليوم هذا السلاح يضع إسرائيل في عزلة متزايدة”، تستنتج القناة المذكورة، وتضيف أن الإعلام الإسرائيلي نفسه يعترف بأن “المقاطعة الهادئة أصبحت صاخبة جدا”.
ومن عقر دار أمريكا، الحاضنة الأساس للكيان الصهيوني، تنقل وسائل الإعلام المختلفة نماذج مشرّفة لفنانين وإعلاميين وطلاب وغيرهم، مثال ذلك: ما إن أعلن عن حصول الممثلة الأمريكية اليهودية هانا أينبندر على جائزة أفضل ممثلة مساعدة في حفل توزيع جوائز “إيمي” لعام 2025، حتى فاجأت المعنية بالأمر بعد تسلّمها الجائزة بترديد: “فلسطين حرة” في نهاية كلمتها بمناسبة التتويج.
وفي المناسبة نفسها، ارتدى الممثل الإسباني العالمي خافيير باردم، الكوفية الفلسطينية على السجادة الحمراء، وأدان “الإبادة الجماعية” في غزة، مُعلنًا رفضه التعامل مع أية مؤسسة أو أي منتجين يدعمون الممارسات الإجرامية لقوات العدو.
وإذا انتقلنا إلى بلد غربي آخر، هو بريطانيا، منشأ وعد “بلفور” المشؤوم، نلحظ أيضا التحول نفسه نحو نداء الضمير الإنساني، وأبرز مثال على ذلك الإعلامي الشهير بيرس مورغان، الذي صار مُناصرًا للحق الفلسطيني بعدما كان لسنين طويلة مساندا للسياسة الإسرائيلية. ومن ثم، يخوض جدالات قوية خلال مقابلات تلفزيونية مع أسماء من الكيان الصهيوني أو داعمين له، لدرجة أنه حاصر سفيرة هذا الكيان بالعاصمة البريطانية حين واجهها بقوله: “إسرائيل تقتل الأطفال كل يوم، وتمنع دخول الصحافيين إلى غزة بحجة الخوف على سلامتهم… نحن لسنا أغبياء”.
قطاعات أخرى تعطي الدليل يوما بعد يوم على هذا الاصطفاف والالتحام الوجداني مع غزة وأهلها في مواجهة الظلم والعدوان. شيء رائع حقا أن تجد طبيبة أطفال بريطانية تنشر تغريدات داعمة للفلسطينيين وترفع لافتة معادية لإسرائيل، غير عابئة بقرار التوقيف عن العمل الذي اتخذته إدارة المستشفى في حقها، بمبرر التهمة الجاهزة: “معاداة السامية” التي صارت سيفا مسلطا على كل من ينتقد إسرائيل وساستها المجرمين!
هكذا، صارت إسرائيل معزولة عن العالم، وسقطت “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية” كما فصّل فيها القول الراحل روجيه غارودي بين صفحات كتابه الذي يحمل العنوان نفسه. وأمسى العالم يشاهد مظاهرات ومسيرات حاشدة دعمًا لفلسطين وإدانة لحرب الإبادة الجماعية الممارسة من لدن إسرائيل. وامتد نطاق تلك المسيرات والمظاهرات من إيطاليا وبلجيكا وهولندا والسويد وإسبانيا وفرنسا في أوربا… إلى المكسيك والبرازيل وفنزويلا في أمريكا الجنوبية، وكذا إلى اليابان وأستراليا وغيرها من بلدان المعمور.
آخر الأخبار، تفيد بأن سلطات الفلبين أعلنت توقفها عن شراء أسلحة إضافية من كيان الاحتلال الإسرائيلي، بسبب عدوانه الهمجي على غزة، علمًا بأن هذا البلد الأسيوي يعدّ أكبر مستورد بعد الهند للأسلحة من إسرائيل، لكنه الآن طوى صفحة المفارقة التي سبق لقناة “الجزيرة” أن أثارتها، حينما كتبت منذ عامين تقريبًا على موقعها الإلكتروني: “الفلبين… مسلموها يساندون غزة وسلطاتها تدعم إسرائيل”!

النموذج الإسباني المشرف

إسبانيا، تستحق وقفة خاصة، لأنها ما فتئت تعطي دروسًا للعالم وللعرب بشكل خاص، وتبني ملحمة الشرف والعدالة والإنسانية لبنةً لبنةً. سيخلّد التاريخ لها توالي القرارات المشرّفة: رفض رسوّ سفن حاملة لمعدات عسكرية متجهة نحو إسرائيل على موانئها، افتخار رئيس حكومتها خلال تظاهرة خطابية له برفع المواطنين الإسبان للعلم الفلسطيني، قيام متظاهرين إسبان بقطع الطريق أمام فريق إسرائيلي مشارك في سباق دراجات هوائية نصرة لغزة، ما أدى إلى توقيف السباق قبل نهايته. يضاف إلى ذلك أن “المجلس الأعلى للرياضة” في إسبانيا طالب بإبعاد الكيان من كل المنافسات الرياضية الدولية. كما هددت إسبانيا بالانسحاب وعدم المشاركة في كأس العالم 2026 القادم إذا شارك منتخب الاحتلال الإسرائيلي في البطولة.
وبينما تفضح وسائل الإعلام الحالة المنحطة لجنود الاحتلال التي تؤدي بكثير منهم إلى الأمراض النفسية والإقدام على الانتحار، اختار أحرار العالم أن يدشّنوا ما يمكن تسميته “حجّا نضاليا” غير مسبوق في التاريخ، يتمثل في “أسطول الصمود” العالمي الذي تشارك فيه حوالي 50 سفينة تحمل العديد من السياسيين والأطباء والإعلاميين والفنانين ونشطاء المجتمع المدني من 44 دولة، هدفها رفع الحصار عن غزة وإيصال الأغذية والأدوية إلى سكانها.
خطوة ستربك سلطات الاحتلال مجددا، وقد تقودها إلى ارتكاب عملية متهورة وغير محسوبة… ذلك دَيْدن المنهزمين والحمقى والمرضى النفسانيين!

 كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية