من أساطير التوراة إلى وعود السياسة: أي إبراهيم نتبع؟

بعد تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخير عن نواياه بتحقيق إسرائيل الكبرى كما يتخيلها الأصوليون اليهود، قد يكون ضروريا (حتى إذا سلمنا ببقاء الاتفاقات الإبراهيمية جزءاً من الصفقات المعروضة على طاولة المفاوضات المستقبلية بين البلدان العربية وإسرائيل) أن نحدد إلى أي من الإبراهيمين تستند هذه الاتفاقات: هل إلى إبراهيم التوراتي أم إبراهيم القرآني؟ الأول الذي جاء ذكره في التوراة، رافق أباه تارح حين هاجر من أور إلى حرّان (الواقعة حالياً في جنوب تركيا) من دون ذكر أي سبب لهذه الهجرة، وبعد وفاة الأب ظهر له إلهه في الحلم، وطلب منه الهجرة إلى أرض كنعان الخصبة، التي تدر اللبن والعسل. وهناك استقبله الكنعانيون أحسن استقبال، ووفروا له الأمن والأرض والجيرة الحسنة. مع ذلك، وعلى الرغم من هذه الضيافة الكريمة، التي قام بها الكنعانيون لإبراهيم التوراتي، والتي مكنته من أن يغتني بسرعة فيصبح لديه الكثير من الماشية والعبيد والخدم والذهب والفضة، فإن حلمه كان بحيازة أرض مضيفيه، وإلا كيف يمكن تفسير ظهور إلهه أمامه، ومنحه وعداً قاطعاً بأنه سيمنح ذريته أرض كنعان كاملة، التي تضم شعوباً عديدة أطلق عليهم اسم الكنعانيين. ويبدو أن إبراهيم التوراتي كان متقدماً جداً في السن إلى الحد الذي جعل تحقق أمنيته بسلب الأرض من أصحابها أمراً مستحيلاً، لذلك فإن حلم تحقق الأمنية سيكون في زمن أحفاده. كما جاء في سفر التكوين على لسان إلهه، الذي ظهر له ذات يوم: «لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات». (سفر التكوين، الإصحاح 15).

في قراءة متمعنة لسفر التكوين يمكننا تلمس العصر البرونزي، الذي عاش إبراهيم فيه (ما يقرب من ألفَي سنة قبل الميلاد): إنه عصر تعدد الآلهة: لكل قبيلة إله أو أكثر يعبدونه، وهذه الحال تنطبق على إله إبراهيم (الذي سنكتشف لاحقا أن اسمه يهوه في سفر الخروج). فالنبي التوراتي إبراهيم، لم يدعُ أصحاب الأرض التي كان يستوطنها كي يؤمنوا بإلهه، ويلتزموا شعائر دينه، ولم يدع أحداً لدينه سوى أفراد عائلته، من دون أن ينطبق ذلك على خدمه، وحتى على أقربهم إليه: أليعازار الدمشقي، لذلك كان هناك تعايش وتقبل بين الأقوام المختلفة وآلهتهم المختلفة.
كان انصهار نسل إبراهيم التوراتي بالكنعانيين يسبب له خوفاً شديداً من احتمال زواج ابنه إسحاق من امرأة كنعانية، وهذا ما جعله يأمر خادمه المخلص أليعازار بالذهاب إلى حران للتواصل مع بقايا عائلته هناك وجلب فتاة منها زوجة لإسحاق. هذا النفور العميق من مضيفيه الكنعانيين (مع التظاهر بمشاعر ودية تجاههم) اتضح أكثر حين ماتت زوجته سارة. أمام جمع من شيوخ الحثيين اشتكى من كونه غريباً في هذه الأرض. نقرأ في سفر التكوين هذا المقطع الطويل: «أنا غريب ونزيل عندكم. أعطوني ملك قبر معكم لأدفن ميتي من أمامي» (سفر التكوين: الإصحاح 23)، فيجيبه وجهاء الحثيين بتعاطف وكرم شديدين: «في أفضل قبورنا ادفن ميتك»، غير أن إبراهيم طلب مكاناً محدداً: «إن كان في نفوسكم أن أدفن ميتي من أمامي، فاسمعوني والتمسوا لي من عفرون بن صوحر أن يعطيني مغارة المكفيلة التي له.. بثمن كامل»، فما كان من عفرون الجالس بين الوجهاء الآخرين، أن نهض وقدم له المغارة من دون مقابل: «لا يا سيدي، اسمعني، الحقل وهبتك إياه، والمغارة التي فيه لك وهبتها..»، لكن إبراهيم أصر على شرائها بعقد بيع وهذا ما تم له: دفع إبراهيم مبلغ 200 مثقال فضة لعفرون الحثي، ثم وقّع البائع والمشتري على عقد البيع. ستصبح هذه الحكاية التوراتية أساساً لاستيطان واسع لليهود القادمين من شتى أنحاء العالم، وانتزاع أراض واسعة من سكان مدينة الخليل الفلسطينيين، لبناء خمس مستوطنات فيها، وليصبح الحرم الإبراهيمي فيها موطئ قدم يتقاسمه اليهود مع المسلمين.

في المقابل، كان إبراهيم القرآني نبياً لكل البشر دعا للتوحيد في زمن نمرود ملك بابل، وتمرد على أبيه الذي كان مسؤولاً عن المعبد الذي يضم كل الأصنام، من خلال تحطيمها جميعا إلا أكبرها، حيث علق ابراهيم الفأس برقبته. إبراهيم القرآني نبي لكل البشر ورسالته الجوهرية هي الإيمان بإله واحد، والأرض التي وعدها الرب له هي لكل البشر المؤمنين بالإله الواحد. السؤال اليوم: أمام تباشير الاتفاقات الإبراهيمية، التي ظلت الإدارة الأمريكية تنادي بها: أي من الإبراهيمين سيكون الأساس الذي تقوم عليه هذه الاتفاقات؟ إبراهيم التوراتي، الذي وعده الرب بمنح الأرض الممتدة من الفرات وحتى النيل لذريته؟ أم إبراهيم القرآني المتجاوز لحدود ذريته لتشمل المؤمنين بالإله الواحد من يهود ونصارى ومسلمين، كي تكون هذه الأرض الممتدة من الفرات إلى النيل لهم جميعا لا لذريته فقط؟
ما تقوم به إسرائيل اليوم من إبادة جماعية للفلسطينيين في غزة، ومواصلة بناء المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وما قامت به من قبل من طرد مئات الآلاف من الفلسطينيين بعد تأسيسها، والقيام بمذابح عديدة لترهيبهم كي ينزحوا عن بيوتهم وقراهم ومدنهم، سياسة اتبعها العلمانيون والمتدينون، الملحدون والمؤمنون منهم على السواء، سعياً لتحقيق وعد الرب التوراتي لإبراهيم، بمنح الأرض الممتدة من نهر الفرات إلى نهر النيل لذريته لا للمؤمنين بإلهه. وهذا ما نراه اليوم يتحقق عبر الدعم الأمريكي المطلق للمتطرفين الإسرائيليين الساعين لتحقيق وعد الرب لإبراهيم التوراتي، لا لإبراهيم القرآني.
على ضوء ذلك ستكون الاتفاقات الإبراهيمية التي يعتبر ترامب عرابها خطوة أولى لتحقيق الوعد الإلهي الممنوح لإبراهيم التوراتي، قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة! وبالطبع التطبيع مع إسرائيل سيكون الخطوة الأولى لسيطرتها التدريجية على المنطقة بأكملها وتحقيق ما سماه نتنياهو بإسرائيل الكبرى.
كأننا مقابل مجرشة الإبادة الجماعية القائمة حتى يومنا هذا في غزة منذ سنتين تقريباً، ومقابل التضحيات التي قدمتها الشعوب العربية عبر 77 سنة منذ اغتصاب أرض كنعان نقدم مكافأة لنتنياهو بالتسليم الكامل لأحلامه الوردية التي ستكون كوابيس على أبنائنا.

لو التقى إبراهيم التوراتي بإبراهيم القرآني اليوم لنشب خلاف كبير بينهما لا أحد يعرف كيف سينتهي. مما نراه جارياً على أرض غزة والضفة الغربية من تدمير متواصل للبنى التحتية فيهما، وتصريحات متكررة للحكومة الإسرائيلية بأنها تنوي إعادة احتلالهما وإنهاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية عليهما، بل حتى مستقبل سكان الأرض الفلسطينيين، سيكون على كف عفريت، فهناك مزيد من الإغراءات والتهديدات المبطنة يقوم بها التحالف الإسرائيلي- الأمريكي على مصر لقبول تهجير فلسطينيي غزة إلى صحراء سيناء ولا أستبعد أن تكون هناك محاولات لتهجير سكان الضفة الغربية إلى الأردن، وربما إلى سوريا مقابل إغراءات مالية تحفيزية تقوم بها إدارة ترامب التي أصبحت منذ ستة أشهر المصباح السحري بيد نتنياهو.
وبالطبع، ستكون هناك تنديدات عربية كثيرة لهذه الإجراءات لكنها خالية من الأنياب، أو المخالب، ما يجعل الحكومة الإسرائيلية تراهن على قوة النسيان لدى العرب والعالم أجمع، أمام وعد الإله التوراتي الذي أطلقه وهو جالس مع إبراهيم التوراتي وجهاً لوجه، بأن الأرض التي تمتد من نهر الفرات إلى نهر النيل ستكون لذريته. لذلك نجد اليوم الفرق الأصولية اليهودية منتشرة في شتى بقاع العالم، بحثاً عن أولئك الذين يحملون أصولاً موسوية، لكن أسلافهم في زمن ما وتحت الخوف من السكان الآخرين ذوي الديانات الأخرى، اضطروا إلى التخلي عن ديانتهم واعتنقوا ديانات الأغلبية السكانية المحيطة بهم، ليصار إلى إعادة تهويدهم، فاحتلال كل هذه الأراضي الواسعة الممتدة من نهر الفرات إلى نهر النيل بحاجة إلى إيجاد سكان ليستوطنوها بعد انتصارات حربية كبرى على جيوش ثلاث دول: مصر وإيران وتركيا.
هناك تقديرات بأن عدد هؤلاء يصل إلى 80 مليون شخص، وإذا استطاعت هذه الفرق أن تكسب نصف هذا العدد، فإن تحقيق الوعد الشفهي الذي قطعه الإله يهوه لإبراهيم التوراتي قابل للتحقق. ومع دعم الأنجيليكيين الأمريكيين الذين هم أيضا حريصون على إعادة اليهود إلى فلسطين، كي يشهدوا ظهور المسيح النصراني فيؤمنون به.
قبل الانخراط بتطبيق هذه الاتفاقات قد لا يحتاج الحكام العرب، أن يطرحوا هذا السؤال: أي الإبراهيمين سيكون المشرف على تطبيقها؟ لأن الوعد الإلهي في طريقه إلى التحقق وكل ما تحتاجه إسرائيل آنذاك المصادقة الشكلية عليه من جيرانها قبل أن ينضوي الجميع تحت مظلة إبراهيم التوراتي.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية