نواكشوط ـ «القدس العربي»: في ختام القمة الأفريقية الثانية للمناخ التي انعقدت بأديس أبابا، أطلق القادة الأفارقة إعلاناً حاسماً يدق ناقوس الخطر بشأن التبعات الكارثية لتغير المناخ على القارة السمراء، مؤكدين أنها الضحية الأكبر رغم مساهمتها الضئيلة في الانبعاثات العالمية.
وجاء الإعلان ليسلّط الضوء على فجوة التمويل المناخي باعتبارها التحدي الأبرز أمام دول القارة، داعياً المجتمع الدولي إلى تحويل التعهدات السابقة إلى التزامات فعلية، تُمكّن أفريقيا من بناء مجتمعات أكثر صموداً واقتصادات خضراء قادرة على التكيف مع التحديات المناخية المتصاعدة.
وأكد المشاركون في القمة الأفريقية الثانية للمناخ والذين تجاوز عددهم 25 ألف مشارك، بينهم عدد من رؤساء الدول والخبراء، على «ضرورة تحويل التعهدات السابقة إلى التزامات مالية واضحة ومشاريع ملموسة تخدم القارة الأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي».
وأوصت القمة «بضرورة سد فجوة التمويل المناخي في أفريقيا، عبر تعزيز دور القطاع الخاص إلى جانب الحكومات، ووضع خطة مشتركة تترجم وعود قمة نيروبي 2023 إلى استثمارات فعلية».
وشدد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، على أن الهدف الأساسي يتمثل في «الذهاب لأبعد من التصريحات الدبلوماسية، من خلال تسريع الاستثمارات والسياسات العملية».
واختتمت القمة بإصدار إعلان أديس أبابا، وهو إعلان جريء وضع التكيّف مع التغير المناخي كأولوية قصوى للقارة، داعياً «إلى تمويل متزايد، يمكن التنبؤ به وسهل النفاذ، من أجل بناء نظم غذائية مرنة، ومدن ذكية متكيّفة مع المناخ، وأنظمة للإنذار المبكر».
كما أعاد القادة الأفارقة التأكيد على التزام القارة بالحلول المستندة إلى الطبيعة، باعتبارها مسارات تطورية يقودها الأفارقة أنفسهم، وتشمل استعادة الغابات، وحماية الأحواض المائية، والاستفادة من المعارف التقليدية للسكان الأصليين.
ولا تعتبر هذه الحلول وسائل فعّالة ومنخفضة التكلفة لتنظيم المناخ فحسب، بل تمثل أيضاً مصادر حيوية للمعيشة والتماسك المجتمعي والحفاظ على التنوع البيولوجي.
وشدد الإعلان على التنفيذ الكامل لصندوق الخسائر والأضرار، بما يضمن وصولاً مباشراً وميسراً للدول والمجتمعات الهشّة التي تتحمل وطأة الكوارث المناخية.
ورحب الصندوق العالمي للطبيعة بأولويات إعلان أديس أبابا، مشيداً بجرأة القادة الأفارقة لوضعهم الطبيعة والتكيف في صميم الإستراتيجية المناخية للقارة؛ مطالبا «بوضع التكيّف والحلول الطبيعية في قلب إعلان أديس أبابا، يرسم القادة الأفارقة مساراً جريئاً وعملياً. حوض الكونغو، وهو ثاني رئة خضراء للكوكب، يجب أن يكون محور هذه الرؤية. المطلوب الآن هو إرادة سياسية قوية تدعمها استثمارات حقيقية لتحويل الوعود إلى أفعال ملموسة لصالح الإنسان والطبيعة».
دعوة إلى تمويل عادل وسهل النفاذ
ودعا الإعلان الدول المتقدمة إلى زيادة التمويلات في شكل منح، وفقاً لأولويات أفريقيا، وإلى تنفيذ خريطة مسار باكو ـ بيليم من أجل تعبئة 1.3 مليار دولار سنوياً بحلول 2035، فضلاً عن إصلاح هيكل التمويل المناخي العالمي لجعله أكثر عدالة وتوقعاً وسهولة في الوصول.
وفي المقابل، التزمت أفريقيا بتعزيز قيادتها المناخية، وتسريع نشر الطاقات المتجددة، وتطوير الزراعة الذكية، مع تغيير السردية العالمية بحيث لا تُقدَّم القارة فقط كضحية للأزمة المناخية، بل كقوة حاملة للحلول.
وعكس دوريل هاليسون، مسؤول السياسات والشراكات في الصندوق العالمي للطبيعة أفريقيا: رأي الصندوق في المقاربة المناخية الأفريقية في «التحدي أمام القادة الأفارقة اليوم هو ترجمة هذه الطموحات السياسية إلى نتائج عملية، عبر إصلاح بنية التمويل المناخي العالمي بحيث تصبح الموارد متوقعة وعادلة وسهلة النفاذ. عندها فقط يمكن تحقيق أولويات أفريقيا: مجتمعات صامدة، واقتصادات ذكية مناخياً، وأنظمة بيئية مزدهرة».
محاسبة الوعود
وتأسست قمة أديس أبابا على تجربة النسخة الأولى التي احتضنتها نيروبي عام 2023، حيث أُعلن عن جمع نحو 26 مليار دولار من الاستثمارات المناخية حتى 2030، لكن المتابعين يرون أن معظمها بقي حبيس الأوراق.
وأعرب القادة الأفارقة في إعلان أديس أبابا عن أملهم في أن يكون الاجتماع الحالي خطوة عملية لمعالجة ما يُوصف بـ «التناقض بين الخطاب والتمويل» الذي يطبع المفاوضات المناخية العالمية منذ سنوات.
ويستند هذا الطموح إلى وعي متزايد لدى الحكومات الأفريقية بضرورة صياغة موقف موحد، خاصة بعد إعلان نيروبي الذي مثّل بداية تشكّل «فدرالية مناخية أفريقية»، تعمل على الدفاع عن مصالح القارة في مواجهة كبرى الاقتصادات الملوِّثة.
التمويل المناخي.. معركة الأرقام
رغم أن أفريقيا تحتاج إلى ما لا يقل عن 50 مليار دولار سنوياً لمشاريع التكيّف وحدها، فإنها لم تتلقّ سوى نحو 13 ملياراً في عامي 2020 – 2021، أي 20% في المئة فقط من التمويلات العالمية، ما يغطي بالكاد ربع احتياجاتها وفق المركز العالمي للتكيف
وفي الوقت الذي تعتمد فيه معظم هذه الأموال على المساعدات الحكومية، لا يساهم القطاع الخاص إلا بنسبة 3 في المئة، وهو ما يضعف قدرة القارة على المضي في مشاريع خضراء طويلة الأمد.
وتؤكد التوصيات على ضرورة الاستثمار في الطاقات المتجددة، التكنولوجيا المحلية، الحلول القائمة على الطبيعة، والمبادرات المجتمعية، مع إبراز الدور الحيوي للنساء والشباب؛ كما دعت القمة إلى تعزيز السيادة المالية الأفريقية وتطوير أدوات تمويل إقليمية تقلل من الارتهان للمؤسسات الدولية.
وبينما يُنتظر أن يشكّل إعلان أديس أبابا وثيقة مرجعية لموقف موحد في مؤتمر الأطراف الثلاثين لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، يظلّ التحدي الأكبر هو ربط الأقوال بالأفعال.
فإذا لم ينجح القادة الأفارقة في تحويل توصياتهم إلى التزامات قابلة للتنفيذ، يخشى المراقبون أن ينضم هذا الحدث إلى قائمة طويلة من القمم التي رفعت سقف التطلعات، لكنها تركت أفريقيا وحيدة في مواجهة عواقب أزمة لم تكن هي المتسبب الأكبر فيها.