لا تخلو المسألة من مفارقة، فالذي يبدو أنه الطرف الأقوى في المعادلة، الطرف الذي يرهب ويقتل ويدك المدن، هو ذاته الذي لا يسعه السيطرة اليوم سوى على مساحة تقدر بسطح دبابة!اختلف الزمن، واختلفت ظروفه، والسوريون الذين كانوا في الأمس عبيداً لنظام فاش، باتوا اليوم فاعلين اجتماعيين، يسعون بكل ما أوتوا من قوة الحياة إلى بناء حاضر لهم ومستقبل مختلف لأولادهم.اختلف كل شيء، فجدران الشوارع التي كانت حكراً على شعارات حزب البعث الحاكم، ومقولات ‘الأب’ الخالد، وابنه الأقل خلوداً، باتت اليوم مساحةً تتسع لشعارات شعب ثائر، تحولت جدران مدنه بفعل ثورته ذاتها إلى منبر يسعى من خلالها إلى إيصال صوته.بينما الشوارع التي كانت تمتلاً فيما مضى بمسيرات التأييد للقائد الملهم، ها هي اليوم تكاد تخلوا من هؤلاء المصفقين، وتمتلأ بمتظاهرين عقدوا العزم على أن هذه المساحة باتت لهم وهي اليوم قلعتهم الوحيدة. فهناك، أي في الشارع، تعرف السوريون على أنفسهم، وتعرفوا جيداً على القوة التي يختزنونها في أعماقهم.تكاد تخلو المدن السورية اليوم من أي صورة للرمز البطل وملحقاته، فقد أزيلت جميعها على يد الثوار، ومزقت صور الرئيس جميعها وازيلت عن جدران المدن والمؤسسات الحكومية، وتم استبدالها في هذا السياق بصور- رموز هم الأبطال الحقيقيين للشعب الثائر، طوية في سورية اليوم مرحلة القادة الخالدين وطوي معها مرحلة القادة الأقل خلوداً. لن تتوقف المسألة عند تحرير المدن السورية وشوارعها، بل إنها ستطال تحرير الاعلام أيضاً، والذي كان مختزلاً عبر كل العقود الماضية بثلاث جرائد حكوميات وبضع قنوات كانت في مجملها ملكاً لحزب البعث إن لم نقل لآل الأسد. اليوم وفي ظل انقلاب الموازين سنجد عشرات الصحف المطبوعة والالكترونية، ومثلها من المجلات التي تسعى جاهدةً لأن تكون مساحةً حرة تجمع كافة ألوان الطيف الاجتماعي والسياسي السوري الثائر. في مدينة الزبداني استطاعت الناشطات هناك من إصدار مجلة نصف شهرية بعنوان اوكسجين، تعنى بأخبار الحراك الثوري في المدينة وطبيعة مشاركة المرأة فيه، تطبع وتوزع بوسائل بسيطة وذلك رغم كل الصعوبات التي تواجه العاملين على المجلة؛ وفي داريا سنقع أيضاً على جريدة أسبوعية مطبوعة تحمل اسم عنب بلدي، تقوم على إدارتها مجموعة من الناشطات في المدينة، وتقول لنا إحدى مسؤولات الجريدة: أسمينا الجريدة بهذا الاسم تيمناً بعنقود العنب الذي يحوي على الكثير من حبات العنب المختلفة ولكنها جميعاً مرتبطة بكتلة واحدة، وذلك في إشارة إلى طموح الجريدة لان تكون منبراً حراً قادراً على ان يعكس تنوع المدينة وغناها الاجتماعي والسياسي. في الحقيقة تنحو أغلب المدن السورية الثائرة اليوم لتكون إعلامها الخاص بها، فلا تكاد تخلو مدينة من جريدة ورقية كالسنونو في يبرود والطحليجة في مدينة قارة، وجريدة شرارة آذار التي سعت لأن تكون عابرة للمناطق فنجحت في إصدار ملحقين اسبوعيين واحداً خاص بحييّ القدم والعسالي الدمشقي، وآخر خاص بمدينة السلمية، وهي تطبع وتوزع في عدد من المدن والمحافظات السورية.في الحقيقة لن يعود في سورية إعلام أحادي، ستخلق الثورة إعلاماً متعدداً يسعى إلى إيصال أصوات من لم يكن لهم صوتاً، فالحقيقة سيكون لها أكثر من وجه.صبر درويش- دمشق