عباس بيضون وسرديات الشيخ الأحمر

 تضعنا رواية «الشيخ الأحمر» لكاتبها الشاعر والروائي عباس بيضون، والصادرة عن دار الشروق/ القاهرة 2024 امام مفارقة التاريخ والسيرة والمثيولوجيا، إذ تتحول رحلة الشيخ «حسين» الى سردية مفتوحة على انساق مضمرة ل «المسكوت عنه»، كاشفة عن صراعات وتحولات عميقة، تخص الجسد والمقدس، مثلما تخص ثيمة التحوّل في انثربولوجيا الشخصية والهوية والمكان..
لم تقترح الرواية تقديم صورة لشخصية مفارقة وعابرة لواقعها فحسب، بل عمدت الى استدعائها كشخصية تجمع بين الواقعية والسحرية، وعلى نحوٍ تبدى تحولها من خلال محاولتها في مواجهة الواقع، وفي التجاوز عليه عبر تسحيره، وهذا ما منحها حضورا قلقا، عاشت معه اغترابها الوجودي، حيث القلق النفسي، وحيث تمثيل صراعها الداخلي، فرجل الدين الذي لبس قناعه المؤلف، هو ذاته رجل القلق الذي قرأ الفلسفة، حيث مفارقة السائد، وحيث البدء برحلة الشك والتساؤل، واستفزاز المكبوت، لتعرية مهيمنة «نسقة المضمر»، حيث هيمنة المثيولوجيا الدينية والجنسية التي توارى خلفها، وتماهى مع مفارقتها الرمزية، ليجد نفسه «بطلا» وحكواتيا، يمارس وظيفة الساحر الواقعي، وهو وظيفة الاشباع الجنسي والفقهي، وبالمعنى الذي يجعل من حكايته الجنسية، وكأنها وظيفة موازية، تتمثل في تمثيله ل»فقه لمتعة» التي يندفع اليها لإرواء اجساد مترملة، تتشظى بين العوز العاطفي، وبين الاشباع «الشرعي» الذي تمثله سلطة الشيخ، كاشفة عن واقع اجتماعي مشوه، وغائر في سرديات النسيان والاهمال والفقر..

يشرع المؤلف عبر حكاية هذا الشيخ، الى تتبع انتقالاته، وسيرة تحولاتها، بدءا من عودته من العراق الى قرية جباع في الجنوب اللبناني، متشعبا بالدرس الديني، والفلسفة، وب «درس الخارج» وهو مستوى تدريسي في الفقه الشيعي، حيث يمارس وظيفته في «الحكم الشرعي» وفي الوعظ، وفي اشباع غرائز الحكي للجمهور، في الكشف عن تناقضات دينية وجنسية، فيجد نفسه يعيش مفارقاتها، بحثا عن ذات أخرى، تتمرد على درسه وعلى عالم القرية وحتى على صورة المرأة بنسختها الجنسية، وعلى العمامة التي يحمل رمزيتها، وعلى نحو يجعل من حكاية الشيخ تتسع لتنفتح على انثربولوجيا سردية موازية، تعنى بما هو مفارق وساخر، لا سيما في المخفي من «الحكم الشرعي» وما يتعلق بالجسد، عبر سيميائية النظافة والحمامات، وعبر التعرّف على العالم من خلال منبر الصحف السياسية، وكذلك التعرّف على أنوثة الجسد من خلال المختلف، في الهوية، وفي طريقة استخدام الاحذية والملابس والصابون، كمعادل رمزي للتغيّر الاجتماعي، وللتطهير من الحمولة الفقهية للنجاسة الجنسية، وهو ما بداء واضحا من خلال التغيّر الذي بدأت تعيه البنت آمنة، على مستوى علاقتها بجسدها ورغباتها، أو على مستوى تمثيلها لجيل اجتماعي جديد، يتمرد على واقعه، وعلى «جندره» حيث يعكس وعيها بسردية المخفي من تحولها، ومن رفضها الزواج من شقيق خطيبها المتوفي..

سردية الشيخ المتحوّل..

قد يكون الولع بالفلسفة هو الشفرة الأولى الذي اثارها الشيخ الأحمر، على دلالة التسمية، ومفارقة «الدرس الديني» والخروج على نمطية التلقي السائد في القرية، مثلما بدا التعرّف على عالم الجنس هو الشفرة الثانية التي جعلت منه قريبا من السري في يوميات القرية الجنسية، إذ تحفل هذه اليوميات بعلاقات مخفية مضمرة، تتوزع بين الفقر العاطفي والحرمان، وبين التأطير الشرعي للعلاقات الجنسية، حيث التستر على مغامرات الشيخ وهو يغوص في عوالم القرية عبر زوجاته وعشيقاته، والتي لا تجد رفضا ولا معارضة دينية أو اجتماعية بحكم هيمنة العقل الصياني المغلق على مجتمع القرية، وهيمنة العقل السياسي الدوغمائي على المجتمع العام الذي كانت تحكمه شرائع السلطنة العثمانية..
حكاية الشيخ هي حكاية التحول، مع فكرة الفلسفة التي يحملها، ومع بدء دخول الأفكار القومية والثورية الى عالم القرية، بوصفها عينة لتمثيل صدمة «الثقافة» والانفتاح على عوالم تستدعي استقراءً لعُقد الهوية والجنس والسلطة والأعراف، ومفارقة العلاقة بين مرجعيات تعلّم الدين الشعبي عبر الحكايات، وبين العلم والفلسفة عبر الكتب، فتكشف هذه العلاقة عن هوية الصراع بين الافكار والشخصيات التي تحملها، فبدءا من دالة العنوان الرئيس تنسحب لعبة السرد الى تمثيل الدال السيميائي لعتبة العنوان وما يحمله من صراع، إذ تكشف ثنائية «الشيخ والأحمر» عن مفارقات اشارية ونفسية، وعن حمولات ايديولوجية مفارقة، تنسحب الى وحدات الرواية الأخرى، في تمثيلها الديني «الريزخوني» وفي تمثيله للتحولات النفسية والاجتماعية التي ينخرط فيها الشيخ عبد الحسين/ بطل الرواية..
تأخذ سردية التحول في الرواية طابعا اقرب الى السيرة، فتجعل من الشيخ شخصية مركزية تتبأر عندها الاحداث، والتحولات الفارقة، على مستوى علاقاتها العائلية، أو على مستوى علاقتها بالآخرين الذي يجدون في دروس الشيخ مغايرة عن الذي سبقه في قرية تعيش عزلتها الوجودية، من خلال طبيعة حياتها الغاطسة بالمثيولوجيا، الحكايات التي تتغذى فيها هذه العزلة عبر قصص الأبناء والابطال، وهذا ما جعل من حضور شخصية الشيخ خرقا للمألوف الخطي والسيري، حيث بدت شخصيته المشبعة بحساسية فلسفية وتاريخية ونقدية ، وكأنها ارهاص بالمغايرة، وبإثارة شغف الشباب في القرية ليلتفوا حوله، ليجدوا فيها عالما يستع للإثارة، ولإشباع غرائزهم حول العلم والفكر والتعلم، فيعيشوا معه خيار التحول، بوصفه علامة للتغيّر، وللتمرد على سكون الحياة في العهد العثماني، وللقبول بالأفكار الجديدة التي تحضر بوصفها كناية عن مرحلة الانوار والاصلاح..

الرواية وسردية الاسماء..

ما تثيره هذه الرواية من اسئلة فارقة، تفتح الباب حول علاقة هوية رجل الدين بالمجتمع، وعلاقة ذلك بالسياسة والايديولوجيا، وعلى النحو الذي تجعل من مواقفه كشفا لما هو اشكالي في الوجودي الذي يعيشه، وفي الصراع الداخلي الذي يسقط في مفارقاته، وهي تمثلات تضع «لعبة المتخيل السردي» ازاء استثارة رهانات ومراجعات معقدة، على مستوى التمثيل السردي للشخصيات، أو على مستوى علاقة هذه الشخصيات بالزمن والتاريخ، وبالصراع الذي يتحول الى واسطة لتحريك الاحداث في المكان، وفي الكشف عن الوظائف التي تؤديةها داخل المبنى السردي..
رواية «الشيخ الأحمر» هي رواية مساءلة، ورواية افكار، تتشكل من خلال وضع «شخصية الشيخ الأحمر» ازاء مأزق هذه المساءلة، حيث يعيش مفارقاتها وتحولاتها، فبقدر ما هو «رجل دين» درس علوم الدين بامتلاء، فإنه درس الفلسفة وعلم الكلام، ليجد في القرية، وهي بؤرة مكانية، مجالا لاختبار أفكاره، ووعي تحولاته، كاشفا عن ازمة صراعه النفسي، ورهاب قلقه الوجودي، وعن علاقة النسق المضمر لدرسه الديني باشباعاته الجنسية، وبعلاقته النسائية، بدءا من علاقته بزوجته العراقية «خديجة» وما تحمله من احالة رمزية، وعلاقته بالابنة « آمنة» التي تتجاوز نظامه القديم، الى أفق آخر، يتمثله تحرر الجسد والوعي، وانتهاء بعلاقته مع «عاصمة» المرأة التي تتجاوز عقدتها الجنسية، لتجد تعويضها بالسلطة داخل العائلة، وبرمزية تماهيها مع الشيخ في حياتها..

علاقات الشيخ النسائية هي علاقة اشباع في جوهرها، لكنها تظل علاقات مسكونة بالتناقض، فبقدر سكوت الزوجة «خديجة» على «دون جوانيته» وشبقه مع كثير من ارامل في القرية، فإن قيام الخالة «عاصمة» بفرض رقابتها على رائحة جسد الابنة «آمنة» يجعل منها وكأنها شخصية رقابية، ترصد الاجتماعي عبر الجنسي، ورقب مراقبة علاماته السرية والشبقية. هذا التناقض ينزع كثيرا من واقعية القص، الى ما يشبه سحريته، حيث تُثير ايحاءات الاسماء استفزازا مكبوتا، مثلما تثير تحولاتها احساسا بالاغتراب، فالزوجة «خديجة» والبنت « آمنة» تعيشان عقدتين متقاطعتين، الأولى تكمن في صمتها عن اسفار زوجها الشيخ الجنسية، والثانية تتمثلها الابنة آمنة التي ترفض الزواج من شقيق خطيبها المتوفي، وهذا الرفض يمثل كسرا للأعراف السائدة في القرية، وفي «المخيال الاسلامي» كما أن علاقته ب»عاصمة» شقيقة زوجته المتوفية تقوم على مفارقة، يتمثلها كبت الحرمان الجنسي عبر الاستبداد العائلي، حيث تنمو معها عقدة المراقبة التي فرضتها المكان، فترصد متغيرات الواقع الجديد في مجلس القرية، وطبائع ما يعيشونه من تحول، على مستوى تقبلهم للأفكار الجديدة، أو على مستوى تغيّر عاداتهم، وانخراطهم في علاقات اكثر تحضرا مع المكان، على مستوى اندفاعهم نحو النظافة، والحصول على «احذية جديدة» والدخول في علاقات جديدة، كبت او على مستوى تأهيل الشخصيات لأن تمارس وعي صدمة التغيير، عبر مفارقة كثير من العادات التي تكرست بفعل الجهل في القرية الجنوبية التي تعيش في نهايات القرن الثامن عشر، وهي اشارة زمنية الى ما بدأت تعيشه المنطقة العربية في مصر والشام من متغيرات حافزها الوعي بالهوية، وبالانتماء القومي والرغبة بالتمرد على الواقع السائد..

 كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية