حل مختلف عليه

حجم الخط
3

عضو الكنيست باسم غطاس، من القائمة المشتركة، والذي هو أحد الاشخاص البارزين في حركة «بلد»، نشر الاسبوع الماضي مقالة طالب فيها التخلص نهائيا من فكرة الدولتين وتبني نظرة جديدة: دولة واحدة بين البحر والنهر، بما يتناسب مع حلم دولة كل مواطنيها لـ «بلد» وكما اقترح مؤسس الحركة عضو الكنيست السابق عزمي بشارة.
لاقت المقالة تفاعلا في الوسط العربي وأثارت ضجة في اوساط القائمة المشتركة، التي تؤيد رسميا فكرة الدولتين، لكن عضو الكنيست غطاس مقتنع بأن الفكرة قد نُسيت ويأمل أن يُفتح نقاش جماهيري في أعقاب كلامه داخل المجتمع الفلسطيني في البلاد وفي المناطق، وفي اوساط الجمهور اليهودي الذين يئسوا من امكانية اقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل.
عضو الكنيست غطاس، أنت تتقاطع الآن مع بينيت وحوطوبلي في المواقف، دولة واحدة بين الاردن والبحر؟
«لا تقم بهذه المقارنة. اليمين لا يريد دولة واحدة ديمقراطية مع التساوي في الحقوق لكل مواطنيها. إنه يريد يكون فيها السيد والفلسطينيون هم العبيد. أنا أتحدث عن دولة كل مواطنيها حيث تكون حقوق متساوية للجميع واحترام الحقوق الجماعية للشعبين. دولة تعيش فيها قوميتان بشكل متساوٍ».

لماذا تعتقد أن فكرة الدولتين لم تعد ممكنة؟

«أنا أشاهد ذلك في أعقاب الانتخابات الاخيرة واستمرار سياسة الاحتلال والمستوطنات. نتنياهو واليمين قضيا على فكرة الدولتين، ويفعلان كل شيء من اجل خلق وقائع على الارض لا يمكن الرجعة عنها. لذلك، فان فكرة الدولتين قد لفظت أنفاسها. حتى روبرت سيري، الذي كان مبعوث الامم المتحدة إلى المنطقة على مدى سنوات طويلة، توصل إلى نفس الاستنتاج. إن حل الدولتين أصبح وراءنا، وبالتالي ما هو البديل؟ إما استمرار الوضع القائم للتمييز العنصري، القمع والتمييز، احتلال ومصادرة حرية الفلسطينيين، وإما الحل الذي أقترحه وهو دولة كل مواطنيها بين البحر والاردن».
ما هي مميزات الدولة التي تقترحها؟
«دولة ديمقراطية وعلمانية. في هذه الدولة تعيش قوميتان، اليهود والعرب. نحن لسنا مضطرين إلى حق تقرير المصير عن طريق دولة قومية واحدة، وإنما يمكن عمل ذلك في دولة تعطي المساواة لكل مواطنيها والحقوق الجماعية، مثل اللغة والثقافة. إلى دولة كهذه يستطيع الفلسطينيون العودة بدون قيود. وطريقة ادارة السلطة في هذه الدولة تكون مطروحة للمفاوضات».

هذا عمليا حلم عزمي بشارة.

«لا أدعي أنني مخترع الفكرة، فقد طُرحت في السابق في الثلاثينيات والاربعينيات في فترة الانتداب، حيث كان هناك يهود يؤيدون الفكرة ونادوا باقامة جسم ديمقراطي واحد. حتى المثقف الفلسطيني ادوارد سعيد تحدث عن هذا، والقذافي ايضا طرح فكرة مشابهة سماها «اسراطين» «.
أين يوجد نموذج كهذا نجح في العالم؟ في كل مكان يتواجد فيه تنوع عرقي تحدث الاحتكاكات، انظر إلى البوسنة وقبرص واسبانيا ايضا.
«لا أزعم أن هذا سيُقدم على طبق من فضة، لكن هناك اماكن كثيرة ينجح فيها هذا الامر. خُذ مثلا بلجيكا. وهناك ايضا اماكن اخرى في العالم، حيث تنجح فيها مجموعات قومية في اقامة دولة متطورة لجميع مواطنيها مع احترام التميز القومي لكل مجموعة تحت اطار واحد».
هذا يشمل الغاء الطابع الصهيوني للدولة والغاء كونها البيت القومي للشعب اليهودي.
«نعم. ستكون دولة كل مواطنيها».
هل تعتقد أن هناك امكانية لتطبيق حلم عزمي بشارة في إسرائيل؟ برنامجكم يعترف بحلم الدولتين، ولا حاجة إلى الحديث عن برنامج القائمة المشتركة.
«أنا واقعي وأعرف أن ذلك لن يحدث في الغد. ومن اجل حدوث ذلك يجب أن تمر إسرائيل بتغيير دراماتيكي في تفكيرها، إبعاد التفكير في الكولونيالية والموقف القومي. حتى في اوساط الشعب الفلسطيني لن يحدث هذا بسهولة، بعد آلاف الضحايا التي قدمها الشعب الفلسطيني من اجل تقرير المصير. صحيح أن «بلد» والقائمة المشتركة تعترفان بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. لكنني أضع اقتراحي على البرنامج اليومي، لأننا حسب رأيي نوجد في فترة ما بعد اوسلو. يا ليت أقيمت دولة فلسطينية قبل عشرين عاما، لكنها لم تقم ولن تقوم. آمل أن يبدأ نقاش جماهيري الآن، وأن أسمع ردود ايجابية في اوساط يهودية».
أنت تقترح نهاية السلطة الفلسطينية.
«السلطة الفلسطينية وسيلة وليست قيمة بحد ذاتها. فقد قامت من اجل التحضير للدولة التي في الطريق. اذا أقيمت هنا دولة واحدة لجميع مواطنيها، فلن تعود حاجة للسلطة. أعتقد أنه حان الوقت للتخلص من كل مفاهيم اوسلو. والحل الذي أقترحه ليس حلا من اجلي فقط بل من أجلك ايضا، ومن اجل مواطني إسرائيل اليهود حتى لا تعيشوا في دولة دينية قومية. أنا أنتمي للحزب الذي فيه حرية تفكير. وأريد أن أكون مبدعا وأن يتم طرح هذه الفكرة على اليهود وعلى الفلسطينيين، فهي في نظري البديل الوحيد للوضع الراهن».

تاريخ الحلم

إن منشأ حلم الدولتين كان في خطة التقسيم للامم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947، التي تحدثت عن اقامة دولتين في ارض إسرائيل. الدول العربية والقيادات العربية في إسرائيل رفضت قبول القرار وخرجت إلى الحرب التي انتهت بالهزيمة واقامة دولة إسرائيل.
بعد حرب الايام الستة مباشرة طرح وزير العمل في حينه، يغئال ألون، خطة أوصت الحكومة بنقل اغلبية مناطق يهودا والسامرة وقطاع غزة وسيناء إلى سكان المناطق العربية. وأن يستطيعوا الاختيار بين اقامة كيان مستقل وبين الانضمام للمملكة الهاشمية. حكومة اشكول لم توافق رسميا على خطة ألون وكذلك الحكومات التي تلتها. في السياق ظهرت وطرحت افكار مثل الحكم الذاتي الذي اقترحه مناحيم بيغن وصولا إلى الكونفدرالية مع الاردن أو اعادة المناطق إلى المملكة الهاشمية. عمليا في عام 1969 فقط بدأوا في م.ت.ف يتحدثون عن اقامة الدولة الفلسطينية، الفكرة التي تبناها اليسار الإسرائيلي. شعار «إسرائيل، فلسطين ـ دولتان لشعبين» تم طرحه من قبل راكاح وحداش، وكان شعار الانتخابات لحداش في 1981.
منذ عملية اوسلو قدم الإسرائيليون للفلسطينيين اقتراح حل الدولتين لشعبين، لكنه لم ينضج، بسبب طلب الفلسطينيين الانسحاب الكامل إلى حدود 1967 وحق العودة. وفي مؤتمر أنابوليس في تشرين الثاني 2007 وافق الإسرائيليون والفلسطينيون والأمريكيون على أن يكون هذا الحل هو الأساس للمفاوضات المستقبلية. وبعد ذلك بسنتين ألقى بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة في حينه، خطاب بار ايلان الذي قال فيه: «اذا حصلنا على ضمانات أمنية واذا اعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي، فسنكون مستعدين في اتفاق مستقبلي للتوصل إلى حل الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب الدولة اليهودية».
منذ ذلك الحين بدأ موقف نتنياهو بالتراجع. فقد قال عشية الانتخابات: «كل من يريد اليوم اقامة دولة فلسطينية واخلاء مناطق، فهو يُقدم مناطق لهجوم الإسلام المتطرف على إسرائيل». وبعد أن حظي بانتقاد شديد، حاول نتنياهو تخفيف حدة الكلام، لكن الاصوات التي تؤيد دولة واحدة بين البحر والنهر آخذة في الازدياد.

هل توجد نهاية للصراع؟

في الوقت الذي يحاول فيه عضو الكنيست غطاس دفع فكرة الدولة الواحدة، طرح اثنان من زملائه في القائمة المشتركة، أحمد الطيبي واسامة سعدة، اقتراح قانون يعترف بالدولة الفلسطينية المستقلة في حدود 1967 إلى جانب إسرائيل. وفي التفسير قيل: «حلم الدولتين هو الحل الذي يحظى بموافقة دولية، وهو الذي سيوفر الهدوء والسلام والاستقرار في المنطقة».
«دولة واحدة بين البحر والنهر، قائمة بالفعل، إنها دولة الاحتلال ودولة الفصل والجدار وسياسة التمييز العنصري والحافلات المنفصلة». يقول رئيس حداش السابق، محمد بركة. «عضو الكنيست غطاس مخطيء. فالصراع من اجل اقامة الدولة الفلسطينية هو صراع من اجل استكمال فكرة التقسيم التي هي مركزية، والتي بحسبها تقوم دولتان سياديتان في اراضي فلسطين التاريخية. والدعوة اليوم إلى ترك فكرة الدولتين هي هروب من الواقع.
لا يحب بركة مقارنة نماذج قائمة في دول ثنائية القومية: «هذا لا ينجح في بلجيكا ولا في اماكن اخرى. توجد هنا شرعية دولية لرسم الحدود بين شعبين يعيشان في مكان واحد. المشكلة هي أنه يوجد احتلال إسرائيلي وحركة صهيونية، ترفض أن يحقق الشعب الفلسطيني حريته وتقرير مصيره. أقترح على عضو الكنيست غطاس أن يتمسك ببرنامج حزبه. الافكار التي يطرحها هي افكار خطيرة تعكس الموافقة على المستوطنات. لا يجب القول للفلسطيني إن المستوطنات هي حقائق مفروضة والسيادة الفلسطينية بالتحديد هي الموضوع القابل للتغيير».
هل ما زلت تؤمن بأن هناك فرصة لفكرة الدولتين؟
«أعتقد أن هناك امكانية. واستطيع اسقاط هذه الفكرة اذا تم قبول فكرة الدولة الواحدة في اوساط اليهود والفلسطينيين. لكن الجمهور الإسرائيلي بعيد عن ذلك».
عضو الكنيست عيساوي فريج (ميرتس) يعتقد مثل بركة. «فكرة الدولتين هي الاكثر صحة والاكثر منطقية. الدولة الواحدة وصفة مضمونة لاستمرار الصراع وشلال الدم إلى ما لا نهاية». قال.
من بين المعارضين لفكرة الدولتين في اليمين يمكن ذكر رئيس الدولة رؤوبين ريفلين، نائبة وزير الخارجية تسيبي حوطوبلي والوزير ياريف لفين. الذين بادروا في الكنيست السابقة إلى اقتراح قانون لضم المناطق إلى إسرائيل. «بين البحر والاردن يمكن أن تكون دولة واحدة فقط، دولة إسرائيل، دولة الشعب اليهودي»، قال عضو الكنيست موتي يوغاف من البيت اليهودي. «عملية اوسلو ماتت، وفكرة الدولتين ماتت. أبو مازن لم يعد ذا صلة. سيحظى الفلسطينيون في المناطق مع مرور الوقت على مكانة ساكن. الحديث ليس عن دولة عنصرية وليس تمييزا عنصريا، بل دولة يهودية تحصل فيها الأقلية على الحقوق. ارض إسرائيل تعود لشعب إسرائيل حسب الوعد الالهي والحق التاريخي بالارض. فكرة الدولتين هي فكرة غريبة».
مؤلف كتاب «حدود بيننا وبينهم»، شاؤول اريئيلي، يطرح موقفا معاكسا: «الحديث يدور عن الالغاء الكلي للحلم الصهيوني، وتحويل دولة إسرائيل إلى دولة فلسطينية. يوم بعد يوم سيتغير الاسم إلى فلسطين. اليمين الذي يؤيد الدولة الواحدة يريد أن يأخذ ولا يعطي، لذلك هم يقدمون اختراعات كثيرة مثل المواطنة والتوطين التدريجي أو الحكم الذاتي الجزئي. الطريق المسدود القائم اليوم سيؤدي بنا بالتدريج إلى الانفجار».
معاريف 7/6/2015

أريك بندر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية