تدافع ومؤامرة: نظريتان حاضرتان في حوار واحد

حجم الخط
2

في مجتمعات الاتصال من خلال أجهزة الهواتف التي توصف بالذكية، تلك التي قربت البعيد وأقصت القريب، كما يقال، حدث حوار بين اثنين أو قل صديقين، ضمتهما مجموعة مما يعرف ببرامج الواتساب والتيليغرام.
هما يتفقان في كثير من الرؤى ويختلفان في بعضها، يجدان مساحة من الحرية يشتركان فيها كلما عنّت على بال أحدهما فكرة مجنونة، أو رؤية جامحة، أو قضية، من غير اتفاق مسبق بينهما يبدأ النقاش عادة بسؤال مستفز من أحدهما ولنرمز له بحرف «العين» وهو يمثل نظرية التدافع ليجيبه الثاني بجواب أكثر استفزازا، وسنرمز له هنا بالحرف «م» وهو هنا يمثل جانبا من نظرية المؤامرة.
طرح عين سؤالا: ما معنى أن يتحالف الأمريكي والإيراني وتوابعهما في قتال تنظيم الدولة؟ وذيّله بعبارة تزيد جرعة الاستفزاز التي حملها السؤال بقوله هذا سؤال لأصحاب نظرية المؤامرة..
لم يلبث كثيرا «ميم» حتى انهالت أنامله ترشق بضربات على حروف لوحة مفاتيح الموبايل لتكتب الجواب بجملة ثأرية تستهدف السؤال ومن أطلقه  فكتب: معناها أن «تنظيم الدولة» طرف أصيل في المعادلة المطروحة في المنطقة عموما، وليس ما يجري اليوم منطلقا من نظرية التدافع.
هنا حاول «عين» تخفيف الوطأة عن «ميم» فسأله أهذا الكلام من كل قلبك؟ فأجابه «ميم» لا …إنه من البطين الأيسر فقط. أعجب الأول بهذا الجواب وسأله حدثني إذن عن البطين الأيمن ماذا به؟ قال ميم هما جناحان أحدهما يطير بما يرد إليه من الأخبار وانكسار الخصوم، والآخر يخلد الى الأرض خوفا من نهايات يراها في استشرافاته للنتائج، فهو في اضطراب قلق لا يكاد يستقر على حال.
قال عين أريد أن تستفيض في رؤيتك وتحدثني عما يجول في خاطرك، فهل لديك وقت؟ قال ميم نعم لدي خمس عشرة دقيقة حرية أقول فيها ما أريد… أجابه عين هات ما عندك فسكت ميم هنيهة ثم قال، كأنني خِفتُ من شيء ما، والعرب تقول إن خفت فلا تقل، وإن قلت فلا تخف، وأتبعها بهاءات متصلة (ههههه) لتبقي على حبل المودة متصلا بينهما. أسرع عين بقوله لا تخف إني أنا أخوك وقد فتحت لك مساحة للحديث ولأبدأ النقاش بسؤال كيف ترى مآلات الصراع؟
ترك ميم كل عناصر المعادلة التي يعرفها واتجه إلى القول لن يبلغ «تنظيم الدولة» مداه الذي يريد ولن تكون له حركة إلا بمقدار ما يُفسح له لإدامة الصراع وترتيب الأوراق، وإن التحالفات الدولية والإقليمية هي صاحبة الإنجاز، فترتيب الأوراق بين السعودية وتركيا، وترك الخلافات في الرؤية بينهما فسحت المجال للتقدم في تدمر بسوريا. أما الرمادي فلها شأن آخر، فلعبة عض الأصابع بين أمريكا وإيران من جهة وبين حكومة العبادي وحشدها وصحواتها من جهة ثانية هيأت مساحة من التقدم في الانبار لتتوقف عند حدود الخالدية وعلى مقربة من الحبانية.
لم يكن من عين بعد هذا الاسهاب من ميم إلا ان يقول له: رؤيتك نفسها منذ عام مضى لم يجر عليها أي تعديل. هنا لم يكن للميم إلا التناغم مع اللغة التهكمية التي طرحها صاحبه فأجابه: خذ حذرك من الغبار المتطاير من كلماتي ورؤيتي لأنها قديمة كما تقول.
تابع عين أسئلته بتقديم تهكمي أيضا يبدو أنه مصرٌ عليه فقال: باعتبارك أحد أئمة نظرية المؤامرة، كنت قد بدأت بالسؤال عن التحالف الأمريكي الإيراني بتوابعهما ما تقول فيه؟
قال ميم انظر يا أخي إن ايران لعبة بيد أمريكا، وإن ظهرت بدور اللاعب الماهر، تريدها أمريكا لاعبا موازيا للصهيونية بتخويف دول المنطقة، ولكن بصيغة مغايرة تضمن لاسرائيل البقاء بعيدا عن الصراع آمنة مطمئنة وتوظف إيران وتوابعها للعبث في المنطقة. فبعد الصراع القومي بدا لأمريكا أن الصراع الطائفي وابتعاث الأقليات عبر بوابة تمكينها أفضل لقيادة المنطقة، ومثلما بات العرب لا يتفاجأون بظهور الإسرائيليين في مؤتمراتهم سنشهد في القابل من السنوات ظهور العرب جنبا إلى جنب مع الشرطي الإيراني، قطعا لا أتمنى ذلك لكن المجريات تشي بالوصول إلى تلك النتيجة، إن بقيت الامور تسير على هذا المنوال. فالامة بأسرها تتلاعب بها المخـطـطـات لسبب واحد يكاد من البساطة في طرحه أن يـظـهـر بمـظـهر المـبـتـذل في الـطـروحات الـفكرية، وهو أننا اليوم لسنا أمة ولا جماعة ولا يجمعنا رأس، وعلى العكس منا عدونا.
كان عين يتحين فرصة سكوت ميم فما أن انتهى من الكتابة، بادره بسؤال أكثر عمقا، يعني لو سألتك عن مخرجات هذا الصراع أو (المؤامرة) على المدى المتوسط كيف ستكون، هل تخرج عن ثلاثة احتمالات للمعركة مع «تنظيم الدولة» 1- الانكسار والانحسار من العراق 2- الانتصار والتمدد وفرض نفسها كأمر واقع يستوجب التعامل معه دوليا. 3- بقاء الامر على ما هو عليه من صراع الاستنزاف لكل الأطراف؟
لوّح  ميم بتنويه يقضي بأنه ليس مع مقتضيات نظرية المؤامرة بكامل تفاصيلها، لكنني أؤمن بأن الأمور تجري بتخطيط مسبق، وأن مراكز الدراسات تعرف عنا كم بيضة نستهلك على مائدة الافطار الصباحية، فكيف بما يجري اليوم في ساحتنا، ولا أسلم بالقبول المذل وأرى في التدافع فرصة للبقاء على قيد الحياة، وأن الخطط المطروحة ليست مقدسة لدى مخططيها، فهناك خطط بديلة بحسب اللاعبين على الأرض، وما يستجد من مفاجآت ربما تقتضي التغيير وتستطيع مجاميع التدافع إفشال أو عرقلة المشاريع المطروحة بقوتها الذاتية لكنها تواجه مخططات تستهدفها هي قبل الساحة التي تعمل فيها.
قالعين يا سيدي ميم أجبني عن الاحتمالات فلكل منها مآلات وتبعات ربما تكون معلومة للمتابع الدقيق والبصير الناقد لكنها تخفى عن كثيرين هل توافقني في ذلك؟
بادر ميم بتفصيل إجابته عن نظرية الاحتمالات التي طرحها صاحبه عين فقال: أما الأول فلا اتمناه ولا أرغب في مناقشته، إلا بمقدار ما يتعلق هذا الانحسار من خشية التغول الإيراني بأدوات باتت لا تستتر في عمالتها لإيران أو غيرها، بل تجاهر بالقول إنها من جنود إيران.
وأما الثاني فمستبعد جدا ولا يمكن تصوره فالنظام الدولي اليوم ما خطط كل هذه المخططات ليعترف بأعدائه أندادا له، لاسيما إذا عرفنا أن ايديولوجية الطرفين تحرم بشكل قاطع هذا اللقاء والاعتراف، فهو من باب الخيال غير العلمي.
اما الثالث فوارد جدا الابقاء على الصراع حتى إذا ما تعبت الامة وخارت قواها وأنهكت قدراتها وقتلها الجوع والعوز والانكسار، ستبدأ خطوة البحث عن الخطوة الأولى الصحيحة في نهوضها من هذا السبات المحاكي للموت والاندثار.
تابع ميم حديثه المكتوب مع صاحبه عين في مساحة مشتركة بينهما تلخصت بالقول إن المجاميع التي ليس لها أهداف مرحلية أو ثانوية، بل وتعدّها من زخرف الحركات لا تقوى على مواصلة طريق النهوض من واقعها المؤلم، فالهدف الاستراتيجي من دون صلح الحديبية، وانعدام وجود من يقول لك امض بنا لو استعرضت بنا هذا البحر وخضته لخضناه معك، وعدم تجزئة الاعداء واسكات بعض الخصوم بثمار مدينتك لن تبلغ هدفك ولو كنت ذا قوة جبارة.
قاطعه عين نعم أوافقك يا ميم بأن المرحلية غير واردة في خطاب بعض الجماعات، ولكن دعني أطرح عليك سؤالا أخيرا وقد اقتربت الدقائق التي حددتها من النهاية، هل تتوقع ان تصطدم هذه المجاميع بواقع دولي اقوى منها، ويظهر منها جناح يغير من غلواء الخطاب ويفيق على واقعية مرحلية الصراع ؟
أجابه ميم بلغة الواثق لا أبدا… هذا غير وارد مطلقا فنحن شهدنا أطوارا من العنف يكاد مقياس المرحلة السابقة لا يتناسب مع اللاحقة فهو في تصاعد مستمر وفي ظل الاحتدام الفوضوي الذي ترعاه الولايات المتحدة ربما نشهد مرحلة تفوق ما سبقها مما شهدنا أو قرأنا. متى ما بدأت الشعوب خطوتها الصحيحة وتخلصت من تراكمات مرحلة السبات ونفضت عن كاهلها هذه الأطنان من الغبار الذي أثقلها سيكون هناك تغيير.

٭ كاتب من العراق

حارث الأزدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية